ثقافة السرد

زهرة تفتح رموش الحب

قصة لـ/ حاتم السروي.

” قلت لك مرارًا: اخرج من ذاتك تظهر”، هكذا صحت فيه قبل أن يصفعني على وجهي لتأخذني المفاجأة وتطيح بي بعيدًا عن هذا العالم وتسرقني من كل ما يحيط بي فلا أجد إلا الدهشة.

حتى الغضب لم يعد له مكان؛ لقد استحكم ذهولي وأصاب الشلل كل أعضاء جسدي.

أهذا هو طارق الذي عاملته مثل ولدي ولطالما أدخلته بيتي؟!، الذي يستضعفه زملاؤه من فرط احترامه وخجله، ماذا أقول أكثر من ذلك؟ هل أخبركم أنه بعد أعوامي التي جاوزت الستين، وبعد ذكرين أنجبتهما واختطفتهما الدنيا مني، لم أجد إلا طارق يواسيني ويؤنس وحدتي ويقرأ لي بعد أن كَلَّ بصري، ويشتري لي طواعيةً أدوية القلب والضغط التي تفنن في الحصول عليها بتخفيضٍ مميز نظرًا لعلاقاته الودية مع الصيدلي ومساعديه.. لم تكن صفعةً على وجهي فحسب، كانت صاعقة أحالت هيكلي إلى أنقاض.

بعد الصفعة إياها تمالكت نفسي واستجمعت قوتي، ونسيت الشيخوخة وتحاملت على ساقي وركبتيَّ وأنا أركض إلى منزله الذي يقع في الشارع الموازي لبيتي، وعندما وصلت وجدت سيلاً من الدماء يتدفق نحوي، ولم أدرِ لماذا نحوي أنا بالذات، وشعرت أو شعرت أذني أن كل قطرة حمراء تناديني وتقول: الحق طارق، الحق طارق.

وعَدَوْتُ من باب الفيلا الأنيقة ذات المساحة المتوسطة والطابع الأوروبي القديم إلى باب المسكن فوجدت طارق، طارق وليس غيره.

وجدته مستلقيًا على بطنه وحزّ الأمواس على شرايين يديه وحول رقبته، ونسيت سني الكبير ولياقتي المعدومة وقواي التي أصبحت من الذكريات، في الواقع نسيت نفسي وحاولت أن أحمله.

كنت أعرف أن والدته عند أقربائها في المنصورة؛ فهي حريصة على إراحة أعصابها المتهيجة دائمًا من غضب والده وصياحه وكآبته التي لا يني يفقع بها مرائرنا، أما الأب فكان يعود إلى المنزل يوميًا في السادسة مساءً بعد يومٍ حافل بالعمل والنكد والمشاجرات ليصب جام غضبه على طارق وأمه، ومحصل الكهرباء وعامل الديلفري – رغم ثرائه النسبي- وحسين بواب الفيلا المجاورة، إضافةً إلى البعوض والذباب والخنافس وطوب الأرض.

وربما تشاجر مع الله سبحانه!؛ فقد سمعته غير مرة وهو يعاتب خالقه فيما يشبه التوبيخ وكأنه يخاطب أحد مرؤوسيه في مصنع العصائر الذي بناه بعد كفاحٍ استمر خمسة آلاف عام!!.

الرقم صحيح تمامًا؛ فالباش مهندس محمد خاطر كان يعمل في القطاع الخاص منذ أيام المرحوم الملك مينا موحد القطرين، وعاصر بحمد الله كل ملوك ورؤساء المحروسة، وبعد سنين من الكدح المتواصل بنى مصنعه الصغير وتزوج أم طارق وأخرج كل ما عنده من عُصارة القيح على أهل بيته، وكان طارق هو الضحية.

كل الناس على يقين من عصبية محمد خاطر، حتى أنا كنت أدفع غضبه بالمزاح، في الواقع كنا دائمًا نعامله كطفل، وتقع أبصارنا على عينه فندرك على الفور أن خاطر عانى كثيرًا ولا يزال؛ لقد انكسرت نفسه ورأى الذل والهوان وخيبة الأمل، بل إنه عاين الموت مرات، كلنا يعرف طريق آلامه؛ لذلك حاولنا كثيرًا أن نعوضه، ومن لم يستطع كان يتحاشى الدخول معه في حلبة النِّزَال رغم عباراته القاسية وسُبابه المقذع وكرامتنا التي كان دائمًا يمسح بها البلاط.

القصد، حاولت حمل الصبي وطبعًا لم أُفلح؛ فصرت أنادي بأعلى صوتي: يا ناس الحقوني، الحقو طارق، طارق بيموت.

ولم ينجح صوتي المُسِنّ في اجتذاب أحد، هذا عدا أن المواطنين الشرفاء في حيِّنا العامر لا يحفلون بالكوارث ولا يهتمون بغيرهم وشعارهم الدائم: “صباح الخير يا جاري،غور في داهية وانا مالي”، وإذا مات أحدهم فإن رائحة العفن وحدها هي التي من شأنها أن توقظ همتهم حتى يدفنوا الميت، في الواقع دفن الميت إكرامٌ لنا نحن…ماعلينا.

بعد نصف ساعة من الصراخ، وبعد أن تشربت الأرض دماء طارق إلا قليلا، حضر اثنان من المارَّة، وحملا الشاب وأنا في ذيلهم، وسرنا حتى نقطة الإسعاف، وتم منحنا عربة ركبت فيها وحدي مع الولد وأنا أقرأ عليه كل ما حفظته من القرآن.

وفي المشفى وُضِع الصبي في العناية المركزة، بينما كنت أنا مع المحقق الذي انتدبته المباحث لمعرفة سبب وتفاصيل الواقعة، وأخبرته أن طارق كان صاحبي رغم فارق السن، وأنه تلميذ في كلية الحقوق بالفرقة النهائية، ولم يُعرَف عنه غير الأدب والطيبة مع شيء من التدين، وكان الشاب المؤدب يلازمني ويقضي حاجاتي، ويؤنسني في بيتي، ثم إنه انقطع عن الزيارة مدة شهرين جاءني بعدهما يشكو من تعثره في الدراسة وسوء معاملة والده وإهمال أمه ومشاكل كثيرة ومركبة يعاني منها مع زملائه وجيرانه وكل من يعرفهم تقريبًا، ولاحظت عليه شيئًا من الخمول على غير عادته؛ وكان ردي وقتها: اخرج من ذاتك تظهر.

سألني المحقق مستغربًا وملامحه تشي بعدم الفهم: يخرج من ذاته، كيف؟

قلت له: عنيتُ أن يشغل نفسه بخدمة الناس حتى يتعرف على ذاته من خلالهم، وحتى يشغله عمل الخير عن مشاكله وأحزانه، لقد طلبت منه مرارًا أن يشترك مع المتطوعين في الجمعية الخيرية التي بنت مقرها مؤخرًا في نهاية شارعنا، وأخبرته بكل صدق وعن فهمٍ وتجربة أنه سوف يشعر بأهميته ويكتشف قدراته وينميها.

سألني المحقق: وماذا كان رده؟

أجبته وأنا أداري وجهي متحاشيًا نظراته الحادة النافذة: صفعني على وجهي.

– آه، قمت قتلته.

– بتقول إيه؟؟ لاء طبعًا ماحصلش، دا انا كنت رايح أشوفه، أشوف إيه اللي وَصَّلُه للجنون ده، مكانش طبيعي بالمرة، وبعدين حضرتك مش عارف طارق دا بالنسبة لي إيه، طارق مش زي إبني، طارق إبني فعلاً، إبني اللي ربنا حظ بذرته في صلب محمد خاطر، أبوه خلِّفه وأنا اللي تقريبًا ربيته، مش ممكن أقتله، مش ممكن…

وانتهى المحقق من أسئلته وحالي لا يعلم بها إلا الله، شعرت بجرحٍ في قلبي، جرح فعلي وليس على المجاز، وتقرر عرضي في صبيحة اليوم التالي على النيابة..

وفي النيابة تم حبسي أيامًا على ذمة التحقيق، ولم أجد بُدًّا من إخطار وَلَدَيَّ، واتصلت بهما بعد حصولي على الإذن وقبل مصادرة هاتفي المحمول، وفي لحظة لا أنسى وقعها على نفسي علمت أن طارق كان يدمن البرشام، وأي برشام؟! كان يتعاطى مضادات الاكتئاب، ليس لأنه ورث أباه سلطان المكتئبين، ولكن لأن رفقاء السوء وضعوا في ذهنه أن هذا البرشام يصلح كمخدر يُنسِيه حماقة الوالد واستهتار الوالدة وسخافات البشر وصعوبة الدراسة وتحكم الأساتذة وشرور الزملاء وروائح الشعب في المترو وحافلات النقل العام.

معك حق يا طارق، من ذا يركب في المترو كل صباح ويتحمل الزحام والتدافع وسماجة الكهول وهمجية الشباب وطغيان السيدات ثم لا يدمن على أقراص المخدرات؟! شكرًا للرب أنك لم تبتلع سم الفئران، أو تلقي بنفسك على قضبان المترو فتصبح لحمًا مفرومًا يلتهمه الجائعون.

طارق خاطر لم يعمل خاطرًا لي، وأمسك بالموس يقطع شرايينه وهو يسب الدين للدنيا، ومن حسن حظه أن الدنيا ليس لها دين..

بعد ثبوت برائتي امتطيت الرياح وأنا أسعى إلى المشفى فوجدته قد أفاق، وسبقتني لهفتي وأنا أقول:

– طارق يا ابني، صحيت يا حبيبي، حمد الله على سلامتك.

– الله… (يطلق زفرة عميقة)..الله يسلمك يا حاج حمدي.

– دلوقتي بقيت حاج حمدي..(قلتها والدمع يترجرج في عيني).

– سامحني.

– مسامحك يا حبيبي، أبوك وأمك مابطلوش عياط عليك.

– هه.. دا آخرهم.. طب والسيد الوالد ماعيطش ليه لما هزقني وضربني على قفايا وإدالي شالوط وقال لي اخرج بره بيتي يا كلب.

– عفا الله عما سلف، ابدأ من جديد واقلب الصفحة وبص لبكره، خلي عندك أمل يا طارق.

– أمل؟! هو فين؟(قالها في يأسٍ شديد وهو يمطُّ شفتيه).

– أنا اهوه يا طارق، أنا أملك.. (هَتَفَت بها وعيناها تبرقان بالحب).

– دنيا بنت عمي فتحي، إيه اللي جابك؟

– إنت اللي جبتني يا حبيبي.

– حبيبك؟! إنتِ لسه فاكره؟!

– طبعًا حبيبي وإبني وابويا وجوزي، عمَّك قال حالك مش هينصلح غير بالجواز، وقال لي روحي الحقي جوزك يا دنيا.

سدَّدَ نظرته إليَّ وإنسان عينه يموج بالدهشة والسعادة، صحت من فوري: مستني إيه؟ دنيا بتقولك خش دنيا.

– طب وفلوس الجواز أجيبها منين؟ والشغل فين الاقيه؟

– فلوس إيه وابوك حمدي موجود، والشغل ماتعتلش هَمُّه، الواد ابني أشرف، الطويل الهايف دا، عارفه؟

– عارفه طبعًا (ضاحكًا).

– كان قايل لي إنه عايز موظفين معاه في شركته.

عامٌ ونصف لا أعرف كيف أصف أثرهما على هذا الشاب، هذا الطارق الذي وافاني به القدر فأخرجني من ذاتي وعلمني الحب والبذل والإنسانية بعد ستين سنة من جلد الذات..طارق حبيبي شكرًا لك، أنا أدخلتك الدنيا وأنت أعدتَّ إليَّ روحي.

*تمت*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق