ثقافة المقال

الأماكن لم تعد تعرفني

عبد الكريم ساورة

أستعد هذا الصباح لأغادر المنزل بعد ثلاثة أشهر من الحجر الصحي، ياللغرابة لقد أصبحت حيوانا أليفا، الأمر لايحتاج إلى معجزة، كل ما في الأمر هو أن تكون مستعدا أنطولوجيا ونفسيا للسيطرة والتحكم فيك كليا، فقد أصبحت خلال هذه الأيام ، لا أختلف كثيرا عن قطتي العجيبة، الفرق الوحيد بيني وبينها أنها لاتفكر سوى في أولادها والإعتناء بهم طول الوقت، أما أنا فلا أفكر سوى في نفسي، وكم أجدني منسجما مع تفاهة العالم في لعب دور الضحية وسلطة الإقصاء، ياإلهي كلنا نصرخ بقوة ونقول : إننا ضحايا، ياللسخرية إننا أصبحنا جميعا نتقن لعب دور الضحية. من أجل ماذا ؟ لاشك من أجل أشياء صغيرة جدا.
لاأعرف لماذا أشعر بالخوف وأنا أهم بالمغادرة لاستقبال الشمس، الفضاء الأوسع، حرية النظر في وجوه الآخرين الخائفين من العدوى، مقابلة الطبيعة التي غضبت منا بسبب رعونتنا الفظة، كم أشعر بالغربة، كم أشعر بأن الأمكنة لاتعرفني أو بالأحرى لاتريد أن تعرفيني، نحن الذين نتخلى عنها عندما نشعر بالملل منها، نحن الذين عُرِفْنا بالخيانة منذ سنين خلت، وفي كل مرة ننسى أن للأمنكنة حياة، وتاريخ وأحداث، إننا كائنات ننسى بسرعة بكل مايربطنا بها من صلة، المكان هو أول اللقاء وآخر اللقاء بذواتنا وبأرواحنا.
الكل يشهد أننا عندما هجرنا الأمكنة خوفا من الموت، تركناها وحيدة تواجه الريح، تعانق العواصف، تبكي من الوحدة، من الهروب الجماعي، تركنا آثارنا ونقوشنا على الجدران، و دروسنا العظيمة التي تعلمناها صغارا تحت أسقفها، من يتذكر منكم قصص الغرام التي عاشها بحميمية وفخر ؟ أين هي الصور التذكارية التي نحتفظ بها وهي تؤرخ تسكعنا الجنوني ونحن نجري ونختبئ في حضن الليل، نصعد للأعلى لنقبل العالم بطريقة هواة العشق، وليكن، فالمكان هو بداية ولادة الإنسان وتعلم أسرار العشق.
أريد أن أغادر المنزل هذا الصباح وكلي شوق للقاء مكاني المفضل، أين ياترى قد يكون ؟ أعلم أنه ليس بالحي الشعبي الذي ولدت فيه وتعلمت كل فنون المكر، ولا حتى المكتبة التي أخرجتني من عوالم التيه الأخلاقي إلى عوالم التيه الممنهج، ولاحتى المقهى التي كنت أقضي بها أجمل أوقاتي أقرأ بشغف كبير وأكتب بحرقة، يالغبائي الفج كنت أعتقد أن الكتابة يمكنها أن تكون مصدر الخطر، لكنني اكتشفت بالصدفة أن الكاتب مجرد كلب حراسة للأخلاق التي تسكننا آلاف السنين.
كم أشعر بالغربة وأنا أقفذف بجسدي المنهك من شارع إلى شارع، لاأحد يكلمني، الكل يتفادى مقابلتي وجها لوجه، الكل خائف من الكل، أشعر بعد هذا الحجر أن الناس فقدت شيئا ما، لاأعرف ماهو ؟ أشعر أن العالم فعلا تغير من حولي، لكن الأشجار لازلت في مكانها وقد تقوى عودها، وعلامات المرور لازلت تحتفظ بوظيفتها، أما الأماكن ورغم ما أحاط بها من أعشاب مختلفة فهي لازالت تحافظ على بريقها، لونها، سكونها، نحن فقط من فقدنا توازننا، لقد تملكنا الرعب من كل شيء، من الأقارب ، من الأصدقاء، ومن البصمات النائمة على الحائط.
هانحن اليوم نخرج من المعتقل، نريد أن نطير، لكننا لانعرف قواعد الطيران، فنفضل المشي حرفتنا القديمة، لكننا أتلفنا طريقة المشي، لم نعد نعرف من نكون، وإلى أي فصيل من الكائنات ننتمي، ومع من نبدأ رحلة الحياة من جديد، لقد فقدنا الصديق والطريق، الأخ والحبيب، لقد تحولنا إلى كائنات تؤمن بكل المعجزات الرسمية، ونصدق كل شيء يجعلنا نعيش ساعات إضافية، نفضل شراء تذكرة الحياة ولو من أعداءنا، لقد تحولنا إلى سلع بإرادتنا أو برغبتنا لأننا وجدنا فيها الخلاص من إنسانيتنا، علينا أن نعترف أننا فعلا تغيرنا، علينا نعترف أننا فقدنا مدرستنا الحقيقية، المكان الوحيد الذي نستطيع بواسطته مواجهة قوى العالم وخطورة الأوبئة.
كاتب مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق