قراءات ودراسات

سيميائية المكان في رواية “الصدمة” للروائي “ياسمينة خضرا”:

بقلم: أ. رفيقة سماحي

الروائي ياسمينة خضرا: ياسمينة خضرا  Yasmina Khadra : هو الاسم المستعار للكاتب والروائي الجزائري محمد مولسهول، ولد بتاريخ 10 يناير 1955 بالقنادسة ولاية بشار الجزائرية، وفي عمر التاسعة التحق بمدرسة أشبال الثورة أي عام 1964 وفق رغبة والده يقول في مؤلفه ” l’écrivain  “:«…قادني إلى مدرسة الأشبال، وهي مدرسة مرموقة أين نتحصل على التعليم الأفضل و التكوين الأفضل، أين يجعلون مني ضابطا في المستقبل، قائد فرقة عظيم، ولم لا، أمير حرب و بطل …» « Il m’emmenait à l’école des cadets, un collège prestigieux où l’on dispensait la meilleure éducation et la meilleure formation, où l’on allait faire de moi un futur officier, un grand meneur de troupes et, pourquoi pas, un seigneur de guerre et un héros ….. »1
وقع أعماله في البداية باسمه الحقيقي حيث نشر ست روايات هى ( الحرية 1984 / أمين 1984/ الجسر 1985/ القاهرة 1986/ من الضفة الأخرى للمدينة 1988/ امتيازات الفينيق 1989) ثم استعار اسم زوجته ليتحرر من الرقابة العسكرية على أعماله الأدبية، الذى استظل به تقديرا منه لدور المرأة وشجاعتها فى بناء الجزائر فهو اسم زوجته التي أحبها وجعل منها القارئة الأولى لأعماله ، والناقدة الأولى لأفكاره ، لم لا وهي التي عضدت من موقفه وشدت من أزره فيقدم بين يديها كل ما يكتب التي قالت له «أعطيتني اسمك للحياة و أنا أعطيك اسمي للشهرة»2، كتب تحت اسم ياسمينة خضرة روايات ( أولئك الذين يقتلون 1990/ الأحمق والسكين1990/ المهزلة 1990/ البياض 1998/ خريف الأحلام 1998/ خرفان المولى 1998/ بم تحلم الذئاب 2000/ الكاتب 2001 وفي رواية الكاتب أعلن عن هويته الحقيقية ، يشغل حاليا منصب رئيس المركز الثقافي الجزائري بباريس. 
كان شغوفا بالكتابة وعندما سئل عن الكتابة باللغة الفرنسية أجاب بأنه لم يختر، فكل همه كان أن يكتب وفقط بالروسية، بالصينية، بالعربية، وأنه كتب في البداية شعرا باللغة العربية غير أن معلمه شتمه ووبخه في حين تلقى التشجيع من معلم اللغة الفرنسية على الرغم من ضعفه في هذه اللغة  آنذاك.
“Je n’ai pas choisi. Je voulais écrire. En russe, en chinois, en arabe. Mais écrire! Au départ, j’écrivais en arabe. Mon prof d’arabe m’a bafoué, alors que mon prof de français m’a encouragé.”3
وتبلغ شهرته حد العالمية حيث تترجم وتباع رواياته في 25 بلد حول العالم، ومن بين رواياته رواية الصدمة فما مضمونها؟
لمحة عن الرواية: نشرت رواية “الصدمة” للروائي الجزائري “ياسمينة خضرا” عام 2005 ويبلغ عدد صفحاتها 245 صفحة هذا عن الرواية الأصل وقد ترجمت الرواية بمختلف اللغات إلا أن ترجمتها باللغة العربية لم تصلنا إلا بعد عامين 2007 من قِبَل المترجمة نهلة بيضون وبلغ عدد صفحات الرواية المترجمة 294 صفحة، وهي من الحجم المتوسط، تحكي الرواية يوميات الدكتور “أمين الجعفري” الجراح إسرائيلي الجنسية من أصل عربي، وكيف أنه تقاسم لسنوات طويلة حياته مع شخصية يجهل عنها الأهم وهي زوجته “سهام” التي فجرت نفسها في وسط عشرات الزبائن في أحد مطاعم تل أبيب، وفي الليلة التي تلي المجزرة يستدعي الطبيب بصورة طارئة يتعرف إلى الجثة الممزقة للمرأة الانتحارية، تتداعى الأرض تحت قدميه إذ يكتشف أنها زوجته.
ففي هذه الرواية نجد أن الكاتب انتقل من هموم وطنه “الجزائر” إلى هموم بلد عزيز “فلسطين” ما يوحي بآفاق جديدة حول انفتاح الكاتب الجزائري ومؤازرته للقضية العربية الفلسطينية.
سيميائية المكان في الرواية:
إن للمكان أثره السلبي أو الإيجابي في نفسية الروائي، والمكان بشقيه العام والخاص يحمل رؤى شاسعة بقدر رحابة المكان أو ضيقه لدى المؤلف، فالمكان هو بمثابة الوطن؛ أي بمثابة الانتماء، يستطيع أن يعبّر عنه الكاتب عن كل ما يدور في خلجات نفسه تجاه ذلك المكان من خوف أو استقرار أو فوضى عابثة أو ضياع أو أمان أو استنزاف طاقة هائلة من جعبته من أجل جعل ذلك المكان عميقًا في نفس الكاتب، ومن ثم يصل هذا الإحساس للقارئ، ويبدأ التفاعل بينهما.
فالمكان إطار غير جامد، إنه حين يحتوي الشخصية الروائية يتمثلها، وتبعا لذلك يحدد شكل حركتها ومضموناها فيه. وكذلك الشأن بالنسبة للشخصية الروائية، فحين تتحرك في المكان تتمثله وتستبطنه.
إن المكان الفني يولد وينمو ويموت، أو يستمر في العمل الفني وفي الحياة بعد انتهاء هذا العمل الفني ذاته، إنه ذو روح خاصة تعج ” بالبشر والذكريات والآثار التي محيت … وتركت وراءها روحا خاصة، روحا قد تظل تحوم في المكان، تجيء دوما إلى المكان ولو بعد حين، ولو بعد غياب “4.
ولأن المكان الروائي كائن حي وفاعل ومؤثر فإنه لا يمارس حضوره في عالم الرواية بدون دلالة أو رمز، إنه كينونة دلالية وتدليلية في ذات الوقت، إذ به تمتلك كل حركة روائية ـ سواء كانت حركة الشخصية، أو الحدث، أو الزمان، أو السرد، أو اللغة …دلالة تنسج في نهاية المطاف رؤية الرواية للعالم. غير أن هذا الذي يعطي لمختلف مكونات الرواية دلالاتها ليس مجرد مكان روائي، إنه الفضاء الروائي ” فالمكان أصله الأرض، وعندما يتجرد يصبح الفضاء ” 5 وهذا الفضاء هو مجموع أمكنة الرواية في حركتها المطردة، وفي علاقات هذه الحركة بحركات مجموع مكونات الرواية.
جاءت رواية “الصدمة” ثرية بالأمكنة ثراء أحداثها وتعدد شخصياتها، فنجد من الأماكن العامة الشوارع مثلا كالشارع الفلسطيني الذي كان يملؤه الرعب نتيجة القتل “انقلب الشارع الذي كان منذ وهلة عامرا بالورع رأسا على عقب”6، و شارع حسمو نعيم ذلك الشارع الإسرائيلي الذي كان فيه منزل الطبيب الجراح “أمين الجعفري” فكان هذا الشارع مكان ارتياح وقبول للطبيب ثم يتحول فجأة بعد التفجيرات التي حدثت إلى مكان مخيف بسبب بعض الشخصيات التي أرادت الكيد بالطبيب لاعتقادها أنه السبب في تفجير المطعم المجاور، ولذا فإن هذا الشارع رغم أنه واسع منفتح إلاّ أنّه كان ضيقا ومنغلقا صعبا وشرسا في نظر الطبيب لأنه كان يمثل خطورة عليه، ووظيفته عميقة ومؤثرة خاصة عندما يتعلق الأمر بحياة أشخاص، ومن الأماكن العامة أيضا المدينة التي تعد مكانا مليئا بالزّحام و البنايات و الفوضى ونلفي تعدد المدن في رواية “الصدمة” سواء تلك المدن والأماكن الموجودة في فلسطين مثل تلأبيب، القدس و بيت لحم عين كرم، قبة الصخرة، حائط المبكى، رام الله أو تلك الأماكن والمدن التي توجد خارج دولة فلسطين مثل بيروت، إمارات الخليج، أندونيسيا، المغرب، بريطانيا، باريس، برشلونة وغيرها من المدن التي لم تكن أماكن ومواضع جرت فيها الأحداث فقط بل شحنت بدلالات ثرية ومواقف موقف شخصياتها. 
ومن المواضع كذلك المطعم الذي جرت فيه أحداث دامية فهذا المكان كان رمزا للحزن والأسى وعن طريقه تم فقد بل ووفاة أطفال أبرياء “تسعة عشر قتيلا ، من بينهم أحد عشر تلميذا كانوا يحتفلون بعيد مولد رفيقتهم في مطعم الوجبات السريعة المستهدف”7 ولذا فإن ذكر المطعم فقط يوحي للمخيلة الشعبية الإسرائيلية بالأسى لأنه كان عبارة عن دراما ناطقة فهو لم يكن مطعما كباقي المطاعم نتيجة للمفارقة الضدية التي استطاع المؤلف تخيرها، فالمطعم كان يمثل مكانا للفرح والسعادة و ابتهاجا للأطفال بمناسبة عيد الميلاد وسرعان ما تنقلب الموازين و يختلط الحابل بالنابل ويتحول إلى مسرح عرضت فيه أحداث المدينة المدماة” لقد فجر أحد الانتحاريين نفسه في مطعم. سقط العديد من القتلى، والكثير من الجرحى”8، ومن أماكن العمل نجد المستشفى الذي يعد من أهم الأمكنة في الرواية بعد بطل الرواية “طبيبا جراحا” لذا فأغلب الأحداث جرت فيه وهو مكان لطلب العلاج و المعافاة و لزيارة المرضى في حين نجده في الرواية محملا بدلالات أعمق من ذلك، فهو مكان الضيق و الخوف والهلع فالمستشفى بالنسبة للبطل يتحول من مكان مريح مكان للعمل إلى مكان الصدمة فهو المكان بعينه الذي شاهد فيه جثة زوجته وهي أشلاء متناثرة وإثر هذه المفارقة الضدية تكمن براعة المؤلف وحنكته في اختيار دلالات المواضع التي تماشت وأحداث نصه الروائي”من المستشفى. أنا الدكتور أمين جعفري؛ أعمل جراحا في مركز (إيشيلوف) الطبي. أنا مهدود الحيل، وأود العودة إلى بيتي”9، ومن الأماكن أيضا التي كانت تستفز البطل وتخنقه القبو الذي يعد في النص الروائي بمثابة سجن للبطل و مكان مرعب له “احتجزت في قبو مظلم لا منور فيه ولا إنارة “10، صور الروائي كيف أن القبو كانت تفوح منه رائحة الموت ولذا صار القبو مسرحا للأحداث وفاجعة لشخصية البطل الذي كان يترقب موته – فيه- كل دقيقة، وكلما كان المكان منفتحا متحررا تحس الشخصيات بالارتياح وبالقبول وكلما كان منغلقا أحست الشخصيات عكس ذلك، وهذا ما دل عليه القبو الذي كان مشحونا بكل أنواع الهول والرعب ويشكل خطرا على البطل الذي بقي فيه ستة أيام وستة ليال “بقيت ستة أيام وستة ليال محتجزا في جحر منتن، فريسة للقمل والصراصير، قوتي حساء بارد، وسريري فراش صلد مثل شاهد قبر يحز فقرات ظهري حزا مثل المبرد !”11.
أما عن أماكن العلم والعبادة نجد المسجد والجامع الكبير الذي ذهب إليه الطبيب لمقابلة الإمام ليفك له بعض الرموز والاستفسارات التي لطالما شغلت باله اتجاه زوجته الانتحارية “عندما علا صوت المؤذن، قررت العودة إلى المسجد، راجيا مصادفة الإمام يؤم المصلين”12 غير أن الطبيب الجعفري لم يفلح في مقابلته للشيخ “مروان” وذلك للعراقيل التي صادفها ولاعتقاد جماعة المصلين أن وجود الطبيب الفلسطيني ذو الجنسية الإسرائيلية يشكل خطرا عليهم، ولذا فإن المسجد الذي كان يشكل – في نظر البطل- فكا للرموز والصعوبات ، صار يشكل لغزا محيرا بل وخطرا عند دخول البطل إليه، ومن أماكن العلم في النص الروائي نجد جامعة تل أبيب حيث اختار الروائي الجامعة التي من أولوياتها نشر العلم وتعليم المبادئ والقيم الفاضلة. وتجمع طلبة العلم من كل حدب وصوب ومن طلابها البطل “أمين جعفري” الذي كان يدرس بكلية الطب “كان من الصعب على شاب عربي أن ينضم إلى أخوية النخبة الجامعية بدون أن يثير الاشمئزاز”13، فالبطل لم يجد متنفسه في الجامعة لنظرة الطلاب الإسرائيليين له على أنه عربي إلا “كيم” التي كانت تقدره، على الرغم من أنها لم تكن معه في الدفعة نفسها…”أعرف كيم منذ أيام الجامعة”14، وكذلك “بنيامين” شقيق كيم الأكبر “الذي لطالما درس الفلسفة في جامعة تل أبيب”15، كان يكن حقدا للفلسطين.
مما سلف يمكن القول إن سيميائية المكان في رواية “الصدمة” أخذت أبعادها الجمالية عبر التوظيف الدلالي المحكم لمكوناته، ومن خلال تلك الرموز التي توحي بحركية المكان فهو ينمو ويتطور، يحب ويكره، يحزن ويفرح حاله في ذلك حال الشخوص. 
هوامش:
1.    الموقع الرسمي للمؤلف: http://www.yasmina-khadra.com/
2.    الموقع السابق.
3.    الموقع نفسه.
4.    شاكر عبد الحميد “الغرابة: المفهوم وتجلياته في الأدب” سلسلة عالم المعرفة، عدد:384، يناير 2012، ص: 220.
5.    مطاع صفدي: ” معاصرة الاختلاف والحداثة”، مجلة الفكر العربي المعاصر. عدد 44/45، سنة 1987، ص: 5.
6.    ياسمينة خضرا، الصدمة، تر: نهلة بيضون دار الفارابي، بيروت لبنان  ط1 سبتمبر 2007 ص: 07.
7.    الرواية ص:25-26.
8.    الرواية ص: 21.
9.    الرواية ص: 29.
10.    الرواية ص: 248.
11.    الرواية ص: 249.
12.    الرواية ص: 155.
13.    الرواية ص: 13.
14.     الرواية ص: 16
15.    الرواية ص:80.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق