ثقافة المقال

لماذا تعد قدرتك على خلق الأسئلة أهم من إيجاد الإجابات؟

شادي عبد الحافظ

هل هم علماء؟ لكن لا يبدو أنهم يسألون كثيرًا!

—مشهد من فيلم Arrival

يقول ريتشارد فاينمان في أحد لقاءاته الشهيرة: كيف تجيب عن سؤال يقول «كيف يحدث شيء ما؟»، يتسبب ذلك في بعض البلبلة للمذيع الذي يستضيفه، فهو فقط يسأل عما يوجد بين المغناطيس وقطعة حديد، لم علينا أن ندفع بالأمر للمزيد من التعقد عبر التفلسف مثلاً؟! لكن فاينمان البارع يضرب في تلك النقطة مثالًا ممتعًا حقًا:

العمة «ماني» ذهبت إلى المستشفى، هنا –إذا كنت مهتماً بالأمر– ستسأل: لم حدث ذلك؟ والإجابة ببساطة هي أنها انزلقت على الجليد فكسرت عظمة في وركها. هذه هي إجابة شافية للكثيرين، لكن بالنسبة لشخص يود أن يتبحر قليلاً في الأمر فإنه قد يسأل، فقط لغرض الفضول، عن السبب في أن الجليد زلق من الأساس، هنا تكون الإجابة أن الطبقة العليا من الجليد تنصهر حينما تتعرض لضغط قدميك فتصبح سائلة.

لكن، على الرغم من أن تلك الإجابات تبدو شافية جدًا، فإن البعض قد يستمر بالتساؤل، لم الثلج فقط، دون المواد الأخرى، هو ما يفعل ذلك؟ هنا تكون الإجابة أن الثلج ينتفخ أو يتمدد مع التحول للصورة الصلبة أما المواد الأخرى فلا تفعل ذلك، لكن ذلك يدفع إلى سؤال إضافي يقول: لما ينتفخ الماء إذا تحول للحالة الصلبة؟ ينهي فاينمان قصته قائلًا: «ستلاحظ أنه كلما استمررنا في التساؤل، أصبح الأمر مثيرًا للانتباه بشكل أكبر» .

ثقوب هوكينج الفانية

في الواقع، نحن نميل دائمًا للتركيز على الإجابات بشكل أكبر من الأسئلة، لكن هذا – كما يبدو – يقف في اتجاه مضاد للتفكير العلمي. لفهم تلك الفكرة يمكن أن نتأمل ما قدمه ستيفن هوكينج للعلم، لم يحصل صديقنا على جائزة نوبل في الحقيقة لأنه لم يتوصل تحديدًا لشيء تم التأكد منه، لكن قيمة هوكينج ليست – في الحقيقة – فيما قدمه من إجابات، بل الأسئلة التي طرحها بينما لم يكن أحد ليفكر في أنها موجودة أصلاً.

تقنية الأسباب الخمسة (5 Whys)

لكي تصل إلى جذور مسألة ما، أي مسألة، بشكل أكثر وضوحًا يتضمن فصلاً حاداً بين الأعراض والأسباب، وهو ما تريده، يمكن أن تستمر في السؤال بـ«لماذا» خمس مرات متتالية.
أرجعت تلك التقنية إلى «ساكيشي تويودا»، المخترع الياباني الذي مات في ثلاثينيات القرن الفائت وأصبح ابنه فيما بعد مؤسس أكبر شركات السيارات في العالم «تويوتا»، يقول تايشي أوهنو الرئيس التنفيذي السابق للشركة: إن هذه التقنية كانت تقع في قاعدة منهجية البحث العلمي للشركة.
مثال:
1. لماذا توقف الروبوت؟
بسبب التحميل الزائد على الدائرة والذي تسبب في انفجار الصمامات.

2. لماذا حدث هذا التحميل الزائد؟
لم يكن هناك تزييت كافٍ على لمناطق التحميل.

3. لماذا لم يكن هناك تزييت كافٍ لمناطق التحميل؟
بسبب أن مضخة الزيت لا تقوم بنقل كمية كافية من الزيت.

4. لماذا لا تقوم المضخة بنقل كمية كافية من الزيت؟
بسبب انسداد جزئي للمضخة بنشارة معدنية.

5. لماذا يحدث هذا الانسداد؟
لأنه لا يوجد فلتر على المضخة.
قبل هوكينج كان هناك إجماع على أن الثقوب السوداء هي كيانات أبدية لا يمكن أن تشع أي شيء، كيف يمكن أن تفعل ذلك وهي الأجرام التي يمكن لها أن تمتص الضوء نفسه؟ لكن حينما قرر هوكينج أن يسأل عن مصير الأشياء الساقطة في الثقوب السوداء وأثر ذلك على إنتروبيا الكون كله توصل إلى فكرة مذهلة حقًا تقول إن الثقوب السوداء، على ما يبدو، لا تبقى للأبد، بل تتبخر ببطء شديد للغاية، طرح ذلك سؤالًا إضافيًا نسميه الآن «مفارقة المعلومات»

لا تزال تلك المفارقة، أو يمكن أن نقول: «ذلك السؤال الذكّي الذي طرحه ستيفن هوكينج»، إلى هذا اليوم الذي تُكتب فيه تلك الكلمات، تقع في مركز النطاق البحثي المتعلق بالكونيات والثقوب السوداء، ورغم ظهور العديد من الحلول لتلك المشكلة، بداية من نظرية الكون الهولوجرامي حتى ورقة هوكينج في يناير 2016، تبقى المشكلة غير محلولة.

رجل يسأل كثيرًا

الفكرة هنا هي أن ما يوجه البحث العلمي، والبحث بشكل عام إذا تأملت قليلًا، هو الأسئلة وليست الإجابات. كارل بوبر، فيلسوف العلم الأشهر، يهتم بتلك النقطة. فهو يقول في كتابه «منطق الكشف العلمي» أننا لا نستطيع أن نتوقع مستقبلاً محدداً أو هدفاً نهائياً للعلم، كما أن الحديث عن «حقيقة» واضحة ونهائية يصبح أشبه ما يكون للإمساك بالماء.

من تلك الوجهة، فإن المعرفة كلها فرضيات متتالية، وذلك لأن العلم يتقدم للأمام عبر عملية مستمرة من تفنيد الادعاءات المطروحة، سواء كانت افتراضات جديدة أو نظريات قائمة بالفعل، بالضبط كما يتقدم التطور البيولوجي للأمام عبر الانتخاب الطبيعي المعتمد على نبذ التكيفات الرديئة واستمرار الجيدة منها.

في البيولوجيا يبدأ التطور من مشكلة تتعلق بتغير بيئي أو نقص في الموارد أو شيء آخر، يدفع ذلك لنوع من التنافس بين الأفراد ثم ينجح الأفضل بينهم في إقامة عملية تزاوج آمنة، فيتمكن هو – دون غيره – من تمرير صفاته الجينية للأجيال الجديدة، ثم تواجه تلك الأجيال الجديدة مشكلات جديدة نتيجة لعلاقاتها مع البيئة الجديدة، فتظهر ضغوط جديدة، وهكذا تستمر الحياة.

يمكن النظر ناحية تقدم العلم بنفس الطريقة، حيث نبدأ من مشكلة ما، ثم – عبر المحاولة والخطأ – نبدأ في حلها، نفترض حلولًا، ثم نفندها عبر التجريب على أرض الواقع، ويظهر أن بعض النظريات أقدر من الأخرى على تحمل الفحص، هنا تظهر مشكلات جديدة من وراء تلك المعارف الجديدة، وتستمر العملية.

هنا يرى «بوبر» أن أفضل طريقة لتقييم مدى تقدمنا هي مقارنة مشكلاتنا القديمة بالجديدة، فإذا كان التقدم الذي أحرزناه عظيماً فسوف نجد عدداً أكبر من الأسئلة الجديدة والأكثر عمقاً. على سبيل المثال، في فيزياء نيوتن لم يكن من الممكن أصلاً أن نتنبأ بوجود الثقوب السوداء، هنا جاءت فيزياء أينشتين لتتجاوز المشكلات التي واجهت فيزياء نيوتن في عدة نطاقات، لكنها تركت مشكلات أكبر وأعمق، أسئلة بلا إجابة إلى الآن عن الزمن والمكان والثقوب السوداء والانفجار العظيم .. الخ.

في الواقع، لو قررت تأمل جذور الفكر الإنساني، لوجدت أن التساؤل ليس فقط آلية للفهم أو للتحليل، بل نجده في الخصائص الأولى للتفلسف منذ الفكر اليوناني القديم على سبيل المثال، هذا الحس النقدي المستمر الذي يجعل صورة الفيلسوف منذ النموذج السقراطي كفاعل يحاول دائمًا أن يتساءل عن الواقع الثقافي المعاصر له، وكان ذلك سببًا في أن بعضاً من الفلاسفة تعرضوا للكثير من المشكلات التي وصلت إلى حد السجن أو القتل، لكن .. لم يفعل الناس ذلك؟ لم يرفضون التساؤل والسائلين؟

ما التسامح؟

نريد – نحن البشر – أن نتعامل دائمًا مع أشياء مألوفة، بينما تفتح الأسئلة بابًا ناحية المجهول، ونحن نخشى المجهول، يتحول ذلك في مرحلة ما إلى «وهم المعرفة»، وهو اعتقادنا أننا نعرف عن الأشياء أكثر مما نعرف حقًا، في علم النفس الإدراكي تسمى تلك الحالة بـ«وهم عمق القدرة على الشرح»، إذا سألت شخصًا ما: «هل تعرف مما تتركب الدراجة؟» سيجيبك «نعم»، لكن إذا أحضرت ورقة وقلماً وطلبت منه أن يرسمها فإن الحقائق ستبدو واضحة، إلا أن أحداً لا يتمكن بسهولة من رسم البدّال في موضعه الحقيقي.

تشكل هذه النوعية من التحيزات إدراكنا، وتضعنا في حالة نظن خلالها أننا على صواب، وقادرون على التحكم في محيطنا. نعم، يعطينا ذلك شعورًا زائفًا بالاطمئنان، إلا أنه يكون ضارًا جدًا حينما يتسبب في أن نُستقطب سياسياً وأيديولوجياً بسهولة فجة، فتتوه العقلانية من طرقاتنا ونفتقد لأهم قدرات البشر، إنها القفز في المجهول.

يعيدنا ذلك مرة أخرى إلى ريتشارد فاينمان الذي يقول: «لا أشعر بالخوف من عدم معرفة الأشياء ومن الضياع في كون غامض» ليضيف بعد قليل: «هذا لا يخيفني البتة»، بل ويضيف صديقنا الفيزيائي واسع الشهرة في تلك النقطة أن إحدى دعائم الحضارة الغربية – بجانب الأخلاق المسيحية التي يقول إنها آخت بين البشر وجعلتهم سواء – هو الروح المغامرة التي استمدتها من العلم، المغامرة بالقفز في المجهول دون خوف، بل ويرى فاينمان أن الشعور الأصيل بالجهل أمام هذا الكم الهائل من الأسئلة الكونية أدى إلى تواضع العقل البشري، إنه ما يسميه برتراند راسل «حكمة الغرب».

هل تلاحظ ذلك، يتفق بوبر وفاينمان هنا على أنه – كما يبدو – فإننا كلما نزداد علمًا نزداد جهلًا، كلما حللنا مشكلة تظهر في خلفيتها مشكلة أخرى، وكلما أجبنا عن سؤال وجدنا في خلفيته سؤالًا آخر، يدفع ذلك بنا لنفس الهدوء الذي اعترى سقراط قبل أكثر من ألفي عام بينما كان يقول جملته الخالدة:«فكل ما أعرفه، هو أنني لا أعرف».

حسنًا، في تلك النقطة التي ندرك خلالها مدى جهلنا، ونتعلم عن قابليتنا لأن نخطئ، نصبح أكثر تسامحاً مع العالم، يقول كارل بوبر: «ما التسامح؟ يسأل فولتير، ويجيب: أنه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية. إننا جميعاً من نتاج الضعف: كلنا هشون وميالون لارتكاب الخطأ. لذا دعونا يسامح بعضنا بعضاً، ونتسامح مع جنون بعضنا بعضاً في شكل متبادل. وذلكم هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة. المبدأ الأول لحقوق الإنسان برمتها».

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق