قراءات ودراسات

̓ المُعْظَم ̒، ثيمة ̛ ما لا ينبغي …

الشرطي الذي زرعناه في صدورنا فأمسى جنرالاً

قراءة / صباح محسن جاسم

عن دار – فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة – الأردن، صدر للروائي العراقي طه حامد الشبيب رواية ( المُعْظَم)  ضمن سلسلة اصدارات الرواية العربية الحديثة. تُعد الرواية الثالثة عشرة بدأ من – انه الجراد –عام 1995 ومرورا بـ ( الأبجدية الأولى ، مأتم، الضفيرة، خاصرة الرغيف، الحكاية السادسة، مواء، طين حريّ، حبال الغسيل، مقامة الكيروسين، وأد ، وديعة ابرام، واخيرا وليس آخرا رواية  ( المُعْظَم) 2012، من القطع المتوسط  بـ 301 صفحة.

غلاف الرواية:

اللوحة المرسومة على واجهة الغلاف الليّنتصميم الفنان نضال جمهور – تمثل زقاقا بسجين عزلة ، بدا متطاولا كشبح .

تغلبُ الغلافَ ، بوجهيه، عتمةٌ وسوادٌ ببصيص من نورٍ ..

ثمة طريقا مهملة وربما بقايا من كتاب .

تصميم الغلافين بطغيان السواد وبصيص نور لخّصَ أجواءَ الرواية.

العنوان:

مفردة واحدة بتعابيرعدّة تُبسطُ ذاتها اثناء  السرد وإذ تدلّ الى مُعْظَم  الناس هنا في العراق  ضمن الفترة المحصورة بين احتلالين عانت البلاد اثنائها الفقر والتعمّد لنهب ثروات شعب عريق بأقدم كنز حضاري وبعلم ساكنيها بافتعال مسلسل للحروب قائم حتى الآن، ربما توفّر المتشابه  في بلدان بذات الارومة التاريخية  – سبق ان شخّص ذات الحال الأستاذ علي الوردي في اكثر من موضع سيما مؤلفّيه – (وعّاظ السلاطين) ، و (مهزلة العقل البشري) -.

فـ ( التاريخ لا يعني شيئا بالنسبة لهم، فهم من يصنع للتاريخ حدوده). يبرز المعنى الى جهل وانانية البشر وحال استغلال تلكم الأنانية في صناعة اقوام خذلاء .

هم معظم المثقفين – طالما موضوعة التغيير تفترضهم لتلك المهمة.

وعلى حد تعبير السارد فـ ” ” هم ( الذين سيشون بي الى الجهات الأمنية) ص105، لا تأمنن جانبهم ( حتى وهم في فرشهم نيام) ص111

( تراهم مطأطئي الرؤوس، عيونهم تبحث في الأرض عن حلّ لهمومهم أو مشرئبين برؤوسهم الى السماء يستمطرونها حلا لهمومهم…..لا تهدأ نفوسهم ويرتاح لهم وجدان حتى يجترحوا كل لحظة وسيلة للتحسس والأستشعار … انهم دائمو الحضور (وطنيا) … ان بطلت حواسهم الخمس وتبلّدت حاستهم السادسة، فثمّة حاسة سابعة تكشف الحجب ..) ص184.

وهم – كما يراهم الراوي – يغلب عليهم ذلك التوصيف ( في مدن البلد عموما وليس في مدن جنوبه حسب …. إذ لا فرق بين هذه المدينة وتلك.)  ص132 وهم كل الطائفيين  وحتى الفراغ الذي يلف الأزقّة ( لأني كنت أرى الزقاق مزحوما (بهم) وإن خلا من المارة) ص111( لهم طبعٌ خالد لا ينال منه الزمن قط.. انهم يقطرون اخلاصا… لحاكم البلد الجديد ونظامه، … يموتون من أجله وهم يهتفون بحياته ما دام في سدّة الحكم، وان كان يعيث حتى باعراضهم. بيد انهم غير مستعدين اطلاقا أن يموتوا في ثورة ضدّه لتغييره وتغيير نظامه.) ص269

( المُعْظَم) بكل خصائصهم اللاحصر لها (.. تلكم الخصائص المتناسِغة …. جميعا تنهل من مَعين واحد.) ص246 .

من به صفات( المُعْظَم) ، بغظ النظر من أي جماعة هو ، يكون مهيأً تماماً لأن يغدو من العراة اُلملتحين موشومي الجِباه الذين ينقلبون على مرتدي الثياب من غير جماعتهم ، فلا يفرقون بين رجل وامراة يفعلون بهم جميعا الأفاعيل يكون مهيأً تماماً لأن يغدو من اولئك الذين يطأون الحمير ويسوطوا بحمولتها المنبوذة الى بطون الصحراء .

والسارد لا يعفي نفسه ، (.. أنا الكائن المنسحقُ تحت شعوري، المطارد من قبل شعوري في كوني ( مُعْظم) ابن (مُعْظم). ص117 وفي موقع آخر  ، ولأني من  ( المُعْظَم) أصلا . بمعنى ان ثمة رابطاً يربطني بأولئك العراة اُلملتحين موشومي الجِباه .. بفئتيهم عراة الجماعتين أعني هناك رابط يربطني .. فكلانا من ( المُعْظَم).

البداية :

يبدأ السارد حكاية روايته كالذي يستأنف حديثا:

” في اليوم ذاته، وقد كان يوما طويلا كما لاحظتم، …”.

تلك براعة استهلال لإشراك القراء ( سُمّاعه)  لا قاريء منفرد فحسب،  فيجتذبهم  لـ (الأيقاع ) بهم في احبولة الأدانة ” لأنكم جزء لا يتجزأ مما حدث ” – المدماك الرئيس الذي نهض عليه الكاتب بغاية الأستنفار أملا بإيماضة  في الوعي – تلك التي تدور من حولها وتغمز مُدينةً ومُعاتبةً ، ثيمةُ الرواية – الحكاية – الفانتازيا.

حيث يلخّص السارد عبر حدث رئيس عن طبيعة النظام الذي ساد العراق نهاية القرن العشرين وهول التسلّط وحجم الظلم المتفاقم حد هيّجان الناس وتمردهم ، حتى لتغدو مهمة علاج احد الجرحى فعلا اجراميا يفوق الخيانة العظمى تحت ظل جبروت سلطة استخلفت وراءها (مديريات أمن المدن وقيادات الجيش الشعبي فضلا عن القوّة الأعتى طرّا … الشرطة المنزرعين في صدور الناس، لصق قلوبهم تماما) ص109

مع ذلك يتجرأ لفعل الخير ( قمعت – المعظم – داخلي وعالجت أخاها).ص 276  فما كان من مدينته الآ ويشاع الخبر وتناقله (المُعْظَم ) الذين أوّلوه حرفيا ( .. عالج جرح أحدهم .. سلام ابن ام سامح ، ذلك الحاقد ابن الحاقد واخو الحاقدين سامح وسؤدد. فقامت الدنيا على الفور ولم تقعد في مديرية أمن مدينتنا وفي كل الدوائر المتعلقة بأمن القائد الملهم والوطن..) ص 259

الأنتفاضة الفعل الذي أكل بعضه :

وان يتكشّف دخان الأحداث في جنوب ووسط العراق حتى نقف على أجواء حراك شعبي يمور تمرّدا عرف بمسمّى الأنتفاضة ص97 . وكما يفلسف حدوثها ( هي دمّلة انفجرت) ( … هو الفعل الشعري الذي يؤسس لواقع سيتحقق لاحقا) ص101

نعلم بداية  ان عائلة ( ابو سامح) من عوائل عراقية متواضعة فقيرة لكنها غنية في ارثها – ابو سامح عرف بفكره التقدمي .. رجل غير متدين وعلى خطاه سارت ذريته. وابو سامح وسامح وسلام من بين من ( انتفضوا بوجه القائد الملهم) وهم ( لا يصلّون) . كما اختيرت أسماء العائلة بتضمين يعزز الأنطباع حول العائلة لتدلل على الطيبة ( سامح) والسمو (سلوى) والسلام ( سلام) ومجد وشرف وقدر رفيع (سؤدد). فيما قدمّت العائلة بنظر طائفة اخرى ليس بأكثر من: (النجسين والكفرة) ، تلك العائلة التي ضحّت أكثر من كثيرين وما نالت سوى التهجير والأقصاء! هل ذلك جزاء ما أوصى به الدين؟!.

واذن الموضوعة التي سنأتي على وقعها ذات جذور أبعد مما بسّط لها بسذاجة  كونها مجرد انتفاضة بفعل دافع  ديني لا اجتماعي جمعي له مسبباته فحسب.

فنكون على بيّنة من أن  السارد  الرئيس– فاضل محمد علي البلدي ، النموذج الأول للمثقف  الوطني– هو الآخر يعاني من ازدواجية بأثر من واقع تجريد المواطن العراقي من حرية اختيار قراره  وعبر زجّه في حروب أتت على شبابه مما انعكس بشكل مباشر على سلوكه وتطور شخصيته لاحقا ( في خاتمة الرواية يندفع البطل الرئيس بآلية لتسليم نفسه الى دائرة الأمن ). وكما تتكشّف ردود افعال ما يحيط به من شخصيات “مثقفة” كالمثقف السلبي الذي امضى عمره في السر والعلن فيما ( يؤدي التحية العسكرية وهو يصرخ: أمرك سيدي) ص105

كذلك يزجّ الكاتب (السمّاع) حكايته في توصيف رومانسي شفيف لا يخلو من المبالغة عملا بالتفاعل مع ما اختطه يراعه. فنتعرف على السارد وهو منشغل بمعالجة سلام الجريح لاخراج رصاصة طاشت مخترقة فخذه وقد جثت – سلوى- تنشد العون لأخيها وأمها متسمّرة وسط حوش الدار تدعو الله بالمدد.

والمثقف المراقب وكذا المتفاعل مع واقع مرّ يكشف عبر تجواله الوصفي عن عناصر المجتمع وزيفه مرورا بـمثقف السلطة صاحب المقالات الوطنية  النمّام – صالح السلوان –  والشاعر الممسوخ – ميسّر الأدهم – وابن عمة فاضل المثقف الجلاد  ابن بهيّة –  ومؤذن الجامع المصلحي الذي رفض ايواء فاضل المشرّد لكنه أستجدى دعاءه له  …. و الكاتب  لا يمقت قدر ما يرثي ويدين فيما يواصل استكشافاته لما يعتمل في نفوسهم – اشبه بما كان دستويفسكي يفعله عبر سبر أغوار النفس البشرية لشخوص رواياته – الأبله – كمثال. وهو ناصح بمجرى أيّ من الأحوال حين يضع مشرطه على عقدة الأصطراع ما بين مهمة الوعي واللاوعي  ( أمسكت بكلتا يديّ بتلابيب نفسي .. هززتها.. هززتها بعنف وبصقت في وجهها ثم صفعتها صفعتين ..) ص117 ، فثيمة الوعي واللاوعي غالبا ما تتردد اثناء مجريات الحدث الدرامي ( اني كنت في شك دائم من المدة التي قضيتها في العاصمة يسيّر لاوعيي شؤوني منذ ان استبد بي ذهول لا فكاك منه) ص254 كذلك ( يا الهي سيتولاني لاوعيي بالرعاية مجددا … هل سيغيّبني سنوات أخر؟) ص 271 ومثله ( ربما تلقّفني لاوعيي في لحظة ما من وعيي..) ص 292  واخيرا (… فكيف تأتّى للاوعي أن يتدخل فيسيّر حدثا بهذه الخطورة ؟)  ص 277 ، وينتهي بوضع تحليله ( أي أن لاوعيي كان يسعى إلى ضمان ( الأمان) لي قبل أيّ شيء آخر. ولا ألومه) ص 251  بدليل ( … ان الأمر برمّته كان موكولاً بفطرتي لا بعقلي الفاعل على وفق ارادتي، هو أني الفيتُ نفسي منتهيا الى مرآب سيارات.. كيف؟ لا ادري ) ص 116،  وما سيلي ذلك من تناقضات تظهرها لاحقا عملية السرد.

من ثم ينقاد السمّاعون الى دوامة – قبضة الذهول – التيهان اللتين برع الكاتب في تناولهما أملا بالتواصل وتحقيقا لمجريات وتطور عملية السرد باقناع ملذ. ( الذهول الذي تغشاني تلكم الدقائق أقرب ما يكون الى الذهول الذي يتغشّى من هوت على رأسه هراوة) ص115

( والشكر موصول للاوعي الذي أوكل لأحى عيونه تراقبني لئلا تنحرف ساقاي نحو أول بناية للجهات الأمنية أصدفها فأبلّغ عن نفسي.) ص175

في محاولة جريئة وبالغة الروح الصداقية يخاطب الملكوت ( هل يرضيك ما يجري على الأرض؟ .. كل هذا الظلم والعبَث والعُهر والدجل ، هل يرضيك؟) ص 246

وكما في ( .. وليس ثمة من رماد تخلّف مني فتذروه ريح الصحراء. فتشبّثتُ بوعيي الذي استعدته هنا في هذه البقعة من اطراف مدينتي)ص246

على هامش اللغة:

يكشف الكاتب على لسان السارد ذلك التناقض في التعبير عن الأفكار، حين يتخفّى المثقف وراء تعابير فصحى من ثم ميله الى اللهجة العاميّة كشفا لمصداقية الواقع:

( لقد عاد الى الفصيحة وهو يطردني، وانتم تعلمون الآن ماذا يعني أن يتحدث صديقي الشاعر ميسّر الأدهم بالفصيحة) ص 108 ( أهرب. أختف ، من أمامي حالا.. تبا لك أخي وصديقي). فتخيلوا مبلغ ما وصل اليه الحال كي يخاف الصديق ( المثقف) من نفسه ” الأمّارة” بالنميمة على صديقه!

كما يغمز الكاتب بحكم سرد ينمّ عن سخرية بيّنة لأحدى الشخصيات التي أفرزها احتلال العراق بالتسهيلات الجليّة المعروفة ( فهو سؤال مدرّع ، ان صح التعبير. و … هذه استعيرها من صديق لي قديم يكنّى بأبي سالي، لا يهمكم من امره شيء.) ص75

ونستمع الي فاضل ( .. ففي صدري الآن إلهي ، تضرّع ليس كأي تضرّع توجّه به انسان قبلي.. ساتضرع اليك بالفصحى، كما تود أن تسمع، فأقول ..) ص281

فيما يكسب اللغة الفصحى قدسيتها السماوية ( طبعا لم اصرخ باللهجة العامية الدارجة، .. لا احد هنا في أيّ من السماوات السبع ، كما أحسبُ، يتعاطى الكلام بغير الفصحى.) ص287

( قسمات وجهه لا يظهر عليها انها فارقت الجديّة، ومع ذلك انتم تلاحظون بالتأكيد انه عزف عن الفصيحة وعاد الى العاميّة وهو ينطق جملته الأخيرة… اذن ماذا حصل؟ لماذا انقلب الى العاميّة؟) ص 101

كما ونتلمس في تكراره لبعض العبارات ما يرد في بعض سور من القرآن الكريم فلا تعكس تكرارا غير محسوب دلالته : ( وما تحدثت السنتهم إلى بعضها بعضا بل عيونهم التي كانت تتحدث. تحدثت وتحدثت الى بعضها بعضا، ثم تحدثت وتحدثت إلى بعضها بعضاً) ص13

حتى في اختياره للمفردة الوصفية يكون قد اختار ما رغب عن دراية ( في مدينتنا نهر يدبُّ متلوّيا يشطرها إلى شطرين ) ولم يختار المفردة الجامدة الحراك ( ملتويا).

ومما لا شك فيه ان الروائي ينحى بتأثير من اسلوب لغته في روايته السابقة – وديعة ابرام – فكأني به لما يزل واقعا تحت ذات الطريقة في العرض: ( بلدا مجردا من ساكنيه رأيت .. جغرافيا صمّاء ، لا يسمُها زمنٌ رأيتُ ).

ومما يلفت النظر ان الروائي ينحت من التعبير( لحظة إذ ) – لحظتئذ – إلى لحظات إذ ( لحظاتئذ) . وهنا تقدير بنيوي لا اعتراض عليه برأيي – تلك ربما بصمة للروائي ستضيف إلى منجزه.

السخرية :

وعبر محاولة ذكية من الفانتازيا ليست ببعيدة عن ممكناته سعيا لبلوغ ضربته  يسوق الراوي  صورة منقوعة بالسخرية واصفا فصيلين من البشر فقعا اثر احتلال بلاده يتطاولان، وإن بالغ قصديّا في توصيفه لهما ، عراة ملتحين موشومي الجباه  بصأصأة متداخلة متخمي الخناصر والبناصر ذوي غدارات معلقة الى اكتافهم  بقضبان منتصبة ( كأن كلا منهم بلغ من اهتياجه أنه سينقضُّ الآن…. على امرأة تستدعيه. لم أرَ قضيبا من قضبانهم قد تدلّى مستخذياً طوال فترة تحليقي فوق مدينتي. ) ص 239 ( .. كانوا مهرةً حقاً في قضاء أوطارهم من الناس في الفصيل الأول أو من زملائهم ) (ما كانوا يكتفون بمواقعة نساء ورجال الفصيل الأول.. المنبهتين مما يُفعل بهم ، وانما كانوا يضعون هؤلاء الذين يواقعونهم على حمير مع صرر .. زوّادة واحدة لا اكثر ، كزوّادتي التي فقدتها) ! ص239 ويعلق مستأنفا : ( انما الذي ليس بوسعي فهمه هو لماذا كان اولئك العراة الملتحون يطأون الحمير ايضا قبل ان يسوطوها؟!!)

( … اللعنة والف لعنة  اذ نسيت ان اذكر لكم ان العراة يصلّون ايضا. لا بل انهم أول الملبين لدعوة المؤذنين  الناس إلى الصلاة) .توصيف غاية في السخرية الدالّة.

وكما يستعرض الحكّاء  ص 293: ( اذ نطّ أحدهم منتصبا ومد ذراعه اليمنى على طولها الى اعلى وطفق يهمزها في وجهي وهو يهتف بحرقة : بالروح بالدم نفديك يا .. ” وقد نسيت اسم هذا الذي اراد ان يفديه الهاتف المتحمّس بروحه ودمه”.

في حين كل ما صاغه الروائي جاء بقصدية وسابق دراية .

في مفازة أخرى : أخذني بالاحضان ، وقبلني الف قبلة .. أي انه لم يترك أنملةً في وجهي إلاّ وقبلها ، وكل قبلة بلا استثناء كانت ذات قوام يحس به ، اذ انها جميعاً تركت رطوبةً حيث انطبعت ، فضلاً عن أنَّ كل قبلة كانت تحدِثُ أصواتاً مفرقِعةً تحفر عميقاً في أذني . ولا أظنني بحاجة الى ان أشير الى أنَّ قُبلَه الالف جميعها فرقعت على وجهي ونحن عند باب بيتهم.”

لعل ما يميز تقدم السرد الروائي هنا هو مشهد الفانتازيا الذي ركّز عليه الروائي بدقّة متناهية مستفيدا من عالمها الرحب في تكثيف ما رام من اشارة اضافة لتناوله جماليات المخيال الشعري وتحليقه في سماوات الوجود.

(لولا تلك الجُزئية التي وصلتني من المعنى العام لقصص الاطفال ، لما وسعني قَط ان أقدّر أنني انما أرى الى الحمير التي وطأها العراة اُلملتحون موشومو الجِباه.)

مثلما  تأنّى في وصفه المخيالي لمشهد نمو الأجنحة الصغيرة النابتة على أكتاف الحمير ، اذ يعقّب السارد مواصلا : (فلا حميرَ على وجه الكوكب الأرضي، غير حمير بلدنا، قد استجاب الله سبحانه لتضرّعاتها فأنبت لها تلك الأجنحة تشقّ بها طريقا الى ملكوته في السماء..) ص284

وكذا في استدراك تال 🙁 لعلهم رأوني أصلي فهالهم أني لا أقيم الصلاة كما يقيمونها هم…. فمالوا عليّ عند ذاك وفعلوها بي.) ص274

ومثل ذلك الوعظ الساخر باتجاه موشومي الجباه اذ ينبههم الى عدم دوام الحال واذا ما تغير الوضع بقدوم القائد الجديد (بلحية خفيفة جدا يسبغ سوادها الأخّاذ بهاءً على خدّيه الُمترعين عافيةً ) فسيكون من الصعوبة بمكان مسح تلكم العلامات البائسة ( ما كان يقلقني تلك الساعة حقاً، ويقلقني الى حد كبير، هو الجباه الموشومة. كيف سيتصرف اصحابها وقد آلت الدنيا الى صاحب الصورة الواحدة الموحدة، هذا الذي كما هو واضح، لم يكن ليسمح إلآ بظلّ لحية باهتة… لحية ذات مضامين جنسية أكثر من أي شيء آخر؟. كيف لهم أن يخفوا الوشم من جباههم؟ … على هذا فقد سمعتُ عن عطّارين سريين راجت تجارتهم وهم يصفون لصاحب الوشم، من القوم، أعشاباً ونقائع وسموم حيّات، وما الى ذلك، توضع على الوشم لسبعة أيام بلياليها فيمحى الوشم من جَذّره.) وقد تنجح تلك الخلطات عند البعض ( ولا تظهر نجاعتُها  عند البعض الآخر.) ص296.

هكذا يسرد الراوي رؤاه بسخريته اللاذعة ثم ينتقل بها الى : – (المُعْظَم) باتوا يحتوشـونني أنّـى حطّتْ قدماي-. على انه يغيل في سخريته : واخطر (سمّاعي ) هُم زملائي (المُعْظَم) … الذين سيشون بي الى الجهات الأمنية.

التحديات :

ينحى الروائي في تقدم راكز لسردياته الثلاث عشرة باعتماد أسلوب ملفت في مجريات السرد، اذ يضمّن روايته هذه  لتسعة تحديات حيثما يرى فيها محفزا لإشراك السُمّاع ليتأملوا كلماته وما يصبو اليه من نصح بغاية الوعي.

– ( حسنا لماذا بكيت بتلك المرارة ؟ أعني .. أعني .. لا لن اتورط بالتوضيح أكثر، وسأترك لذكائكم تخمين الأجابة .. ولعل هذا أول تحدٍّ أضعكم أمامه، فأقبلوه.)، لاحظ كيف ينبّه سمّاعه للأصغاء إلى ما يروم من القول 🙁 ستجدوني واضعكم أمام تحديات اخرى وأنا أمضي في القص، ..) ص 43

– كما يطرح الروائي على لسان السارد تحديين آخرين ، ففي الصفحة 87 يتساءل: ( ليس امامهم لطيّ الزمن المكدّس في تلكم الليلة واستقدام الصباح غير أن يناموا، فناموا جميعا. من الذي وشى لي بانهم ناموا جميعا؟ هذا تحد جديد اضعكم  أمامه).

– اما التحدي الآخر( الذي أردف به هذه اللحظات فاضعكم أمامه بحق. .. ماذا حدث لي شخصيا في خواتيم ليلتي تلك، وتحديدا حين اخترق صوت المؤذن نوافذ بيت عمتي…) ص87 .

– في صفحة  151 يصوغ تحديا آخر يدور حول شغف فاضل  بسلوى .( أي أنك يا فاضل محمد علي البلدي، في واقع الأمر، كنت مشغوفا بها فعلا وانت تصف لنا مفاتنها في بدايات حديثك المتقدمة. كيف تحل هذه العقدة ..؟ ويجيب السارد ( لم يتلبّث طيفُها في قلبي بعد) ص 152 .

– في الصفحة 213  يسأل السارد كيف اهتدى زملاؤه المعظم إلى وجوده قريبا منهم على الرغم من هيئة المشرّد التي تبرز شخصه الجديد المتحفّي والمحمي بواسطة لاوعيه  ( سأدعكم انتم بانفسكم تحدسون كيف اهتدى زملائي من ( المُعْظَم). الى وجودي قريبا منهم ،على الرغم من هيئة المشرّد التي كنت اتسربل بها. أي اني ساضعكم أمام تحد آخر جديد فاقبلوا التحدي).

– ص233  ( ثم فهمت منه ان (فاضل محمد علي البلدي، .. اسم محايد إلى حد كبير لا يسمح موضوع انتمائي الى طائفة ابي سامح ( النجسين الكفرة) والى طائفته هو .. ودونما ايما تردد اطلق ثلاث رصاصات فوق رأسي ..  ارجوكم أن تتدبروا أمر صوغ السؤال بانفسكم والأجابة عنه. انه تحد آخر كما تلاحظون.. اضعكم امامه.)

– ص 249 ) تحد آخر اضعكم أمامه عسى أن تفلحوا بما لم افلح به إلى يومنا هذا. تحد جديد اقبلوه ارجوكم ) .

– ( وقد يكون آخر تحدّ أن أضع ( سُمّاعي) ، زملائي ( المُعْظَم) أزاء تحدّ آخر جديد.. فاسألهم عن أيّن يا ترى كنتُ خلل تلك السنوات التي غبت فيها عنهم؟

على ان الذي يبتغيه من وراء كل ذلك الأستنفار في اثارة التحديات هو الفرز الى مركز الفعل المشع المتمثل بعائلة ابي سامح التي اغتيل معظم رجالها عدا من تشرّد وتغرّب وجُرح ولم يبق منها سوى النساء. هذه العائلة التي لها الفضل في التمرد والأنتفاض تتعرض لفعل الأغتصاب والقتل من قبل اولئك العراة الملتحين موشومي الجباه ممن هجّروا ما تبقى واقصوا النساء وأستولوا على الدار . اولئك الوحوش الذين سرعان ما استحوذوا على الفعل الجمعي ورمّوا ثماره الفجة قبل النضوج . بمثل ذلك المنحى يُؤسَّس الى مسخ ( الأنتفاضة) ويُعمَل على افراغها من مضامينها النبيلة.

مشاهد ضاغطة في الذاكرة :

– مشهد عراك القائد ( الملهم) مع الذبابة عند استقباله من قبل ممثلي العشائر.

– مشهد القبض على – ابي ناهي- وجرّه الى خارج السيارة، ومثله  خطبة ابو ناهي قبل نزوله منها.

– مشهد عالم الغيبوبة الذي يعيش هلوسته الشخصية الرئيسة فاضل محمد علي البلدي لسنوات.

– مشهد مواجهة فاضل مع مثقف السلطة صالح مهدي السلوان ومسخه الى كومة من زبالة ملطخّة  بمزيج من دم ومخاط ولعاب .ص257

– مشهد الفانتازيا وترحيل الحمير والمظلومين من الموطوئين الى السماء السابعة.

– مشهد عروج السارد في شخص فاضل البطل فيما يشق طريقه عبر (سديم منقوع بالموسيقى) حين تناهى الى سمعه ذلكم اللحن الألهي اللافكاك منه ( نغمٌ فريدٌ .. جدا .. لا اظن ان احدا من بني البشر قد سمع مثله من قبل .. انه نغمٌ  يُرى).

– مشهد العجائز الثلاث بمنزلهن العجيب  بـ (خزانة الغيب). والذي يذكّرن  بساحرات – ماكبث- شكسبير.

– المونولوج الداخلي للسارد ونبوءة الراوي بشأن القائد الجديد.

– مشهد تعنيف الذات ص 117: ” أمسكت بكلتا يديّ بتلابيب نفسي .. هززتها .. هززتها بعنف وبصقت في وجهها ثم صفعتها صفعتين ، صفعت نفسي صفعتين ، ثم رحت أوبخها بكلمات محددة مفهومة ، اذ كيف قمتم بتوبيخ مخيلتي ، تلكم العظيمة ، التي لم يتبق لي سواها . اجل لم يتبق لي سوى مخيلتي ، انا الكائن اُلمنسحِق تحت شعوري ، اُلمطارد من قبل شعوري في كوني: معظم ابن معظم.”

– التوصيف الرامز بدلالة  صفتي النقاء والنظافة العراقيتين لقميص ابي ناهي في الحافلة : ( قميص ابيض كان، لا أدري إن كنتم رأيتم من قبل شيخا من شيوخنا يرتدي تحت (صايته) قميصا ليس  ابيضَ، مهما كان لون (صايته)!! ودعكم من أمر لون القميص الآن ) ص137.

– الأشارة الضمنية بشأن اللونين- الأزرق والأحمر-  المتقاطعة خطوطهما في الغمز الى العلم الأمريكي ، اذ وردت الأشارة مرتان ، ص 170 وص 226 على التوالي :

( جليسي قميصهُ كما أراه تحت ذينكم الضوء البعيد، أما بني  فاتح أو ابيض متسخ، بينما قميص الرجل الثاني مخطط  بخطوط متقاطعة .. في الواقع لم تكن سوى لونين فقط: أزرق وأحمر فاتح).

( الملاءة التي استر بها عجيزتي وفخذي مخططة ايضا بخطوط حمر وزرق متقاطعة!! انه القماش ذاته، لا شك.. قماش قميص ذي الصرّة ذاته، لا شك. ولكن ، دعكم من هذه المصادفة ولأعد بكم الى حيرتي.)

لكأني بالراوي يريد بها اشارة الى الأصبع الأمريكي والتدخل في شأن ما جرى ويجري اليوم!

لمحات فلسفية  :

يرى الكاتب المسرحي بيتر فايس في الثورة : “إن السجون الذاتية ، أبشع من أكثر الزنزانات صلابة ، وطالما لم تفتح بعد هذه السجون فأن كل ثوراتكم مجرد سجن للثورة ، إنها الحرية الفردية تطالب بتوسيع حدودها في مواجهة الثورة الاجتماعية”.

هنا في هذه الرواية يركز الروائي على عزلة المثقف التي تتآكل المجتمعات بأثرها وأهمية وعي الشخص المرتبط بوعي الآخرين في الجماعة.

خلل الرواية وخاتمتها  نتلمّس بعضا من افكار ورؤى فلسفية  اهمها:

–  ما يتضمنه سؤال الراوي عن خلاصة الوجود ، لتصحيح مسار ما اجترحته صدور الناس من ايمان  عبر دعائه الواضح وهو يخاطب الذات الألهية : ( أما آن الأوان لك أن تطلق صوتك الراعد الرهيب محذرا بني البشر من أنها لم تكن سوى كذبة كبرى، انت براء منها، إفتراها البعض منهم وصدّقوها ، ثم فرّخت كذبات شنيعات بسبب منها تُقترَفُ الفضائعُ  كلّ يوم  حتى كاد الكوكب الأرضي يخلو من قاطنيه؟؟؟) ص246.

وفيها اشارة واضحة الى الفهم الخاطيء لمهمة الدين الذي كشفت الألفيتان عن ” فسادٍ” غالبٍ في توظيف الدين لغير غايته التي جاءت لخدمة الأنسان لا العكس، وكيف فرّخت تلك الرؤى الضيّقة والمصلحية  لتعزز من سعيها  في تبشيع الدين وحرفه عن مساره  الرحب الذي أوجد ليسهّل حياة البشر لا أن يخلق معاركا  وتقاطعات لا منطقية كالتي تشاهد من على شاشات سينما هوليوود من ثم عكسها على المجتمعات.

من جانب آخر يستعرض الروائي فلسفة الحب والألم  عبر مونولوج داخلي للشخصية الرئيسة : ( لا اريد ان اعثر على سلوى قبل ان ادفع أبهضَ ثمنٍ يدفعهُ عاشق .. ألا يا الهي العادل فاستجب..)ص281

اشارة اخرى ذات دلالة ( ان المجانين في أحايين كثيرة يرون ما لا نراه، واننا انما نخسر الكثير من الحقيقة اذ لا نعبأ بما يقولون.) ص238

خاتمة :

يركز الراوي في مشغله الأدبي هذا على مقترب جمالي بالأمكان حدسه من غلاف الكتاب: ان كان لا بد للنور من أن يتخذ سبيلا ، فهلموا نعينه بدلا من الفرْجة والسكوت.

وتلك برأيي هي الفيصل الفاصل لمهمّة المثقف بـ ” التهمة ” إياها في عقلنة  أيّ حراك لأستفزاز ما هو سابت.

فائدة/ لمن بهتم بقراءة النص الاتصال بواضع القراءة لتزويده بنسخة من الرواية على برنامج pdf

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق