قراءات ودراسات

بحثا عن الخلاص المفقود: قراءة في “بخور السراب” لبشير مفتي[1]

د.محمد الداهي *

أ-ينهض النص، وفق ما يوحي به عنوانه، على ثنائية ضدية عميقة: خداع اليومي وعطونته من جهة وحلم المستقبل وطيبوبته من جهة ثانية. يتشح حاضر الجزائر بغلالة سوداوية من جراء الترهيب والقتل اللذين تمارساهما الجماعات المتطرفة سعيا إلى زرع البلبلة بين المواطنين وتعتيم آفاق المستقبل. ويرهص السارد برائحة طيبة ستنبعث مستقبلا من مخاض احتراق الجسد الجزائري واكتوائه بحرقة الجمرات خلال عقود من الزمن..

من يحكي النص؟

لا تنكشف لعبة السرد إلا في الصفة 123 إذ سيتضح أن كاتب الرواية ( الكاتب الضمني) هو أستاذ جامعي اسمه حداد غادر العاصمة إلى قسنطينة للتدريس بجامعتها. انسحب عن مسرح الأحداث، قبل أن تقتله أيادي الغدر، مسندا دور البطولة إلى سارد آخر، ومكلفا إياه بالنيابة عنه في سرد الأحداث وتنظيم محتوياتها وموادها الحكائية. وفي إحدى الرسائل المتبادلة بينهما يقترح حداد على صديقه بوسم روايته بهذا العنوان ” بخور السراب”.

أيهما أجدر بالثقة؟

أ هو السارد الأصلي الذي كتب مسودة الرواية أم البطل الخيالي الذي ينقل أطوار القصة باسمه الشخصي؟ و يصبح المحفل السردي أكثر التباسا لما نعلم أن المؤلف الحقيقي اضطر إلى  ارتداء قناعين مختلفين لتعميق المسافة الجمالية والأخلاقية والثقافية بينه وبين ما يسرد القصة بالقوة أو الفعل. وقد لجأ المؤلف الحقيقي إلى هذه التقنية للابتعاد عن ذاته ما أمكن، والتعامل معها كما لو كانت طرفا مناقضا له. وبقدر ما يموه ذاته ويتنكر لصورته، يعكس، من حيث لا يدري، عاطفة وعيه وقانونه الداخلي. ” لما يشوه صورته يكشف عن واقع أكثر أهمية وعن النظرة التي يحملها عن ذاته. وعليه لا نبقى في مجال الحقيقة (القصة الحقيقية) وإنما ننتقل إلى مجال المطابقة Authenticité  (خطاب طبق الأصل)”([2]).

ب-يستحضر السارد أصواتا مختلفة ومتناقضة لإعادة تشخيص حالة  الجزائر في منتصف عقد التسعينات . يمثل هو صوت فئة توفق بين البعد الإنساني ( الدفاع عن حقوق المحرومين) والميتافزيقي (البحث عن حقيقة متعالية ملونة بأصباغ ذاتية ودينية وصوفية) والأخلاقي (الخبث الجماعي الذي أدى الجميع ثمنه). ويجسد ابن عمه الإنسان العقلاني الذي يعتبر الثقافة  والتعليم مدخلين أساسيين لتغيير الذهنية التقليدية ومواجهة أشكال التحجر والوصاية. ويشخص الطاهر سمين المواطنين الذين غرر بهم للتخلي عن أسرهم ومهنهم للالتحاق بالجماعات المسلحة في الجبال. ويؤدي أحمد صوت السلطة التي تأخذ زمام الأمور بيد من حديد للحفاظ على أمن البلاد وسلامتها وحماية المواطنين العزل. ويتماهي خالد رضوان مع صوت  اليسارية الوهمية (الشيوعية) التي تدخل في صراع محتدم مع القيم المتقادمة في المجتمع. ويعبر صالح كبير عن فئة تنكرت، مر الزمن، لنضالاتها الثقافية ( ظاهريا) والإيديولوجية( باطنيا) المراهنة على إحداث نهضة فكرية ذات بعد تقليدوي traditionnaliste . و يمثل حداد صوت المثقفين الجزائريين الأحرار الذين الحوا على المكوث في الجزائر، عوض التخلي عنها في أوقات حرجة، وهم يترقبون موتهم في أي لحظة. ظاهريا، يرصد السارد ما يعاينه في الواقع من مؤامرات للارتداد بالجزائر إلى الوراء، صادعا بانتقاداته التي تستمد نسغها من الأبعاد الإنسانية والميتافزيقية والأخلاقية. أما باطنيا، فهو يكشف عن استيهاماته الهاربة ونزواته المنفلتة (البحث عن الطمأنينة المفتقدة، والتمتع بمباهج الحياة، ونقد السلطة ومعانقتها، وقتل الأب وبعثه) من خلال رصد علاقاته بثلة من النساء، وفي مقدمتهن ميعاد التي تستحوذ على قلبه، وتستأثر باهتماماته .  لم يكن يعلم ، رغم معرفته بأنها متزوجة  بصحافي وناشط حقوقي اختفى في ظروف غامضة ، بأنه سيكون عرضة للرصد والمراقبة من لدن البوليس توخيا لحمايته من موت محقق، وبأن الصورة الطهرانية التي كان يحملها عن زوجها ستتبدد إثر اضطلاع أحمد ( مفتش شرطة) بالكشف عن هويته الحقيقية (انضمامه إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة).

ج- يتماهى الروائي جزئيا مع ضعفه الخيالي، ثم سرعان ما يبتعد عنه مسندا له صفات وسمات افتراضية واحتمالية. فهو على عكس حداد ليس أستاذا جامعيا. وهو على نقيض الشخصية الرئيسة ليس محاميا. كما أن مسار حياته يختلف كثيرا عن مساريهما في الحياة. ويمكن أن نجمل ما قصده ،من تضعيف السرد وإقامة الثنائيات السردية،فيما يلي:

* إضفاء مسحات من الخيال على الحقائق المعيشة، وإفراغ الوهمي والحقيقي في سبيكة واحدة يصعب إثرها التمييز بينهما.

*بعث صورة الأب في أشكال متعدد لمساءلة السلطوية التي تزيح الصوت المعارض، وتحول الإنسان من حمل وديع إلى ذئب متوحش ( حالة الطاهر سمين)، وتؤزم العلاقات بين البشر بحجة أن كل واحد منهم يدعي بأنه مالك الحقيقة ( ما يسميه الروائي بالخبث الجماعي والحمق الأعمى ص182).

*  الكشف عن حقائق مغفية لتمييز ما كان ( تراكم أخطاء كثيرة) عما يجب أن يكون ( قبول الأخطاء لكونها تكشف عن الجوانب المظلمة)، وتبين معالم التناقض الوجداني : ما يظهره الرواي من سلوكات  تؤشر على انسلاخه عن الهوية العمياء  ( ما يصطلح عليه عبد الكبير الخطيبي بالاختلاف الوحشي([3])) وما يستضمره من قيم متقادمة  تبين عمقه الميتافزيقي.

د- لقد كان من نتائج إيمان السارد بالحلول الميتافزيقية أن انتهت حياته بالفشل الذريع . فهو -عكس ابن عمه أستاذ المشبع بالفكر الغربي وأستاذ اللغة الفرنسية في قرية المعزوزية- ظل وفيا لحمل الأمانة التي توارثها عن الأسلاف وتكريس القيم التقليدية لعلها تصلح أعطاب الذاكرة أو تعيد جزءا من ألق الماضي ومجده.  وفي هذا الصدد أصر على الاحتفاظ بالكتاب اللغز ” كتاب اللاأدرية” و إعادة بناء قبة قبر جده ( المعزوز) لتحدي الإرهابيين في عقر دارهم. ولو لا تدخل ابن عمه في الوقت المناسب لنهيه عن عدم المكوث في القبة لوقع في فخ الإرهابيين الذين يترصدون به لقتله سر قتل. ولما قاموا بإحراق القبة تعبيرا على تحديهم له واستفزاز مشاعره، لم يجد بدا من التخلص من الكتاب اللغز  برميه في النار المشتعلة. وقد أراد، بهذا الصنيع، أن يتحرر من كل ما يربطه بذلك العالم الغيبي ( الوالد، والعائلة المقدسة، والتربية)، وينفلت مما يضيق عليه العيش أو يحول حياته إلى متاهة تيهاء أو يصرفه عن الاهتمام  بالمعيشي والدنيوي. وما زاد من ذر الملح في جراحه هو توصله بخبر وفاة حبيبته ميعاد. وبينما هو يشعر بالدوار والفجيعة لهول الحدث سمع صوت رصاص يلعلع خلفه. وفي الوقت الذي التفت ليعرف من القاتل، كانت روحه قد زهقت لينضاف إلى عداد القتلى الذين حصدتهم أيادي الغدر.

ه- ينتسب النص إلى التخييل الذاتي الفنطاستيكي Autofiction fantastaique  الذي يصبح ضعف المؤلف، بمقتضاه، ” شخصية خارجة عن المعيار، ومجرد شخصية خيالية لا توحي لأي إنسان بصورة الكاتب. على نقيض الوضعية السيرية لا ينحصر التخييل الذاتي في مطابقة الوجود، إنه ينكره. وهكذا يصبح التباعد بين الحياة والكتابة غير قابل للاختزال”([4]). لقد سعى المؤلف الحقيقي، من خلال التقنيات السردية المعتمدة، إلى الكشف عن “الحقيقة الداخلية” التي يتقاسمها مع مجايليه الذين استفاقوا على واقع الإرهاب المدمر ، فوجدوا أنفسهم مرغمين على اقتلاع الهموم الميتافزيقية من منابتها ، أسوة بابن عم السارد، إن هم أرادوا مواجهة الاتجاهات التقليدوية المتطرفة واستنبات قيم الحداثة والعقلانية.

الهوامش:

[1] – من منشورات دار الحوار،ط2، 2005.

[2] Jean Starobinski , Jean-jacques raousseau la transparence et l’obstacle, Gallimard, 1971,p237.

[3] –  ” لنسم ” الاختلاف الوحشي” بالانفصال الزائف الذي يقذف بالآخر خارج مطلق . الاختلاف الوحشي يؤدي بشكل حتمي إلى ضلال الهويات  المجنونة : الثقافوية والتاريخوية والقوموية والتزمتية الوطنية والعرقية ” . انظر،عبد الكبير الخطيبي : النقد المزدوج، دار العودة، بيروت، 1980، ص14.

[4] -Vincent Colonna :  Autofiction & autres Mythomanies littéraires , Tristram, 2004, p74.

* أديب وناقد من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق