ثقافة المقال

الكتاب

 سعيد الشجاعي

في بعض الأحيان، لا يود المرء قلب الصفحة وحسب، بل يريد قراءة كتاب آخر تماما؛ وكما يحدث وأن ينتبه إلى تفاصيل أشياء كانت تحت نظره منذ مدة طويلة، لم تثر خلالها اهتمامه ولم توقظ فيه أدنى قدر من الفضول، لكن وبمجرد أن يتغير ترتيب تجاورها في المكان أو إهتمام الآخرين بها حتى تحوز في عينه جاذبية لم تكن لها.. هاهو الآن يهتم بها؛ يتحدث عنها بأريحية صاحب الإختصاص ويأخذ معها صورا يضعها في أرشيفه الخاص بل وفي ألبوم العائلة حتى…ويقول بنوع من الإعتزاز: -هذا الغصن من تلكم الشجرة !
حين يغرس البستاني شتلة في الحديقة لا يتورع يرعاها حتى تنمو؛ ويحرص كل الحرص أن تكون جذورها ثابتة في الأرض والأغصان تعانق سحب السماء…تلك هي الشجرة! أما هذا المرء فلم يتردد ولو لمح بصر في حسم الأمر :
-هذه شجرة عائلتي !
وكان يريد في جبلة نفسه أكل الثمر لوحده، وأن يكون ظلها له ولمن يرضى أن يشاركه إياه. ويقول: – هذا ظلي!
هكذا ظهر الكرم!
لم يكن البستاني ليرى الغابة وهو يغرس الشتلة، ضعيفة العود؛ بل كانت حدود تفكيره واضحة تماما؛ إنها تحتاج الماء وأشعة الشمس وكثيرا من الرعاية.
لم يكن يدري أن الشجرة إذا اشتد عودها وجثم جذعها الضخم على صدر الأرض، تحالفت مع الزمن، لتصبح غابة لا يحدها البصر. حين كان البستاني طفلا نهرته أمه مرارا؛ إفعل، لاتفعل، إجلس، قم،إذهب.. فلم يتردد كثيرا…وقال:
-أمي هي الدولة!
وضحكت الأم ملء فيها حين علمت على طريقتها أن الغابة تختفي وراء الشجرة ، وحين غلبها النوم حلمت أن الأيديولوجية مزحة…فرس لها اجنحة،كائنات صغيرة تحمل كراسات وأقلام الرصاص، ولما استيقظت بحثت عن الأقلام فلم تجد سوى الرصاص . في الليل أنشئت الوزارات والمحاكم والمخابرات؛ و في اليوم الموالي أخذت الدولة البستاني الصغير عنوة من حضن أمه، فبكت بحرقة؛ يومئذ لم يكن بستانيا بعد. قالت الدولة:
-هذا إبني! وأنشأت مدرسة وروضة للأطفال.
وقال المعلم:
-ينسب كل إنسان إلى شجرة… وتنتهي كل شجرة إلى إنسان: الحمالون، الكتبة،الجباة،البحارة،مصاصو الدماء،الأولياء،الحكماء والأنبياء…
نظر الصغار إلى لسان المعلم يتحرك بتؤدة تحت أرنبة أنفه
-أغلب أسماء هؤلاء مسجلة في مكاتب الحالة المدنية وترد أسماء المشهورين منهم في كتب السيرة!
في البدء أحضر المعلم كمية غير كافية من كتب التلاوة الأولية، لكن لم يغالبه نزع من اليأس واستطاع أن يستخدم رأسه كما يجب؛ فقسم الصغار إلى مجموعات صغيرة. لكل مجموعة كتاب والسبورة الخشبية للجميع…
حين عاد الصغير إلى البيت، وجد أمه أمام الباب تعلف دجاجاتها وتبكي.
-أين أبي؟
لم تجبه ونظرت إليه بحياد.
كان أبوه وراء الجبل يعارك التراب طوال النهار، وحين يعود في المساء يستلقي على جنبه في الفناء، ويشرب كأس شاي يغالب به التعب؛ حتى إذا نام لم يحلم سوى بالمطر.
-أريده أن يشتري لي كتابا يكون لي وحدي؟
-ولماذا لا تقرأ مثل غيرك في كتاب المعلم؟
-لأن الآخرين يمنعونني من قلب الصفحة!
في بعض الأحيان، لايود المرء قلب الصفحة وحسب، بل يريد قراءة كتاب آخر تماما…ونظرت إليه أمه،،،ولكن هذه المرة باهتمام زائد…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق