ثقافة السرد

قصص قصيرة جدًا

نجوى مصلية

كان كلما أتى إليَّ يطلب اهتمامًا شعرت به يفتقد شيئًا كبيرًا، كان وحيدًا تائهًا في عالم لا يرحم، ومهما تكاثرت الأيدي الحنونة التي تقترب منه وبحثت عنه العيون الحالمة بغد أفضل، بل ومهما أدمعتْ عيون الأمهات البريئات والعجائز اللاتي يذهبن ويجئن، وسالت قلوبهن عليه، لا يشعر بنفسه حرًا أو بأمان. دائمًا ما أجده جالسًا في ركن الحي أو في مكانٍ قريب من إحدى الدور الآيلة للسقوط كأنه يعلن سقوطه وضياعه من خلالها.
كان يرفض بعناده الكبير والمرفوض مني مساعدة أي أحد كيفما كان، حتى ولو كان طفلًا في مثل سنه. كان يحب التراب واللعب به كلما شعر بالوحدة والخوف. كان يجد في التراب مفرًا يقيه الحاجة إلى حضن أمٍ أو صدر أبٍ. لم أكنْ أرفض طلبًا له، حتى لو كان هذا الطلب هو اللعب معه لعبًا طفوليًا. كنت مثل أمه. بل مثل أخته الكبرى التي تحتضن مشاكله وتقبل هفواته وأخطائه الصغيرة والبريئة.
كان يرفض رفضًا مطلقًا مشاركة أي صغير مثله له في اللعب بالتراب، وكأن التراب كان من بقية أشيائه الصغيرة أو من أموره الخاصة، ولذلك كان اللعب معه بالتراب دائمًا يؤدي إلى صدام طفولي مع أحد أقرانه. كنت أراقبه بعين الأم مرة وبعين الأستاذة المسؤولة عليه مرة أخرى. كنت أندهش حين كان يخاطبني دون الآخرين: يا أستاذة! هل تلعبي معي بهذه اللعبة الجميلة؟ وكان يشير إلى لعبة صنعها من التراب لم أتعرفها… تصوروا معي أن يكون هناك طفل في زمننا هذا محروم من الأمان ويبحث عن ما يقربه من الموت…

مخدر قوي

دخل إلى الفصل ضاحكًا، مستهزئًا لا يبالي بأحد. كان في حالة انتشاء قوية أفقدته صوابه وعقله. سألته أستاذته: ما بكَ يا أحمد؟ نظر إليها نظرة استهزاء ورمقها بعينين حمراوين وقد ازداد حنقه وغضبه، ثم أجابها: وما شأنكِ أنتِ أيتها الشمطاء؟ لماذا تحشرين نفسكِ في شؤون غيرك؟.
تفاجأتِ الأستاذة بجوابه المهين هذا. ثم توجهت إليه لتوبخه وتلقنه درسًا في الاحترام والتقدير. وعندما اقتربتْ منه، لم تشعرْ بنفسها إلا وهي مطروحة على الأرض وأنفها الصغير ينزف من شدة اللكمة التي وجهها إليها بغضب وحقد…

مصالحة ظالمة

تحسس رأسه فشعر بدوار ثقيل وبألم قوي يعصف باتزانه. كان في موقف محرج وهو يضع يده في يد شخص لا يكنُّ له أية محبة أو احترام. حاول مواجهة البلاء الأكبر ببلاء أصغر. فرضوا عليه أن يتصالح مع من أهانه وضربه واستولى على أرضه بالقتل أمام الناس.
في الصباح الباكر، استيقظ سالم كعادته دائمًا. توجه إلى حقله لمباشرة أشغاله. تفاجأ بوجود خصمه وقد استولى على أرضه دون موجب حق. تساءل: كيف يفعل ذلك ونحن قد تصالحنا أمس على أساس أن يتركني وشأني؟.
فجأة، لاحظ سالم بيده فأسًا، لم يكلم خصمه أو يسلم عليه. توجه إليه مباشرة. هوى عليه بفأسه التي انقلبت من أداة عمل وحرث إلى أداة جريمة قتل بقدرة قادر…

لا مهنة له

أخذت نفَسًا عميقًا. مرتبكة في جلستها في صالونها تنتظر هاتفًا يعلن الخبر السعيد. طرقت جميع الشركات والمؤسسات من أجل أن تجد عملًا يناسب شهادتها الجامعية لكنها لم تتلق غير التأسف والرفض. شربت قهوتها على مضض وهي التي نادرًا ما تشربها. كانت تنظر إلى هاتفها نظرة استعطاف وتوسل. كانت مثل متسولة تطلب الناس إلحافًا.
لم يرنَّ الهاتف، بل لم يتركْ لها بدًا من أن تؤمن بمقولة أحد السياسيين بأن الأدب لا قيمة له اليوم.
في الأخير، آمنت بقدرها في وطنٍ يورث الفقد أكثر مما يورث الأمان…

*كاتبة من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق