قراءات ودراسات

تثوير المنجز الرومانتيكى لطائر العشق السيموطيقى

في ديوان: " بَقَايا من زَوَايا شَمْعتِك"

بقلم حاتم عبدالهادى السيد 

غابت الرومانسية عن عالمنا بسبب جفاف الواقع وتشظى قضايانا الحياتية ، كما هجر كثير من الشعراء ذلك الرافد الرومانتيكى ليهيموا في فضاء الذات والعالم والحياة ، وفى سبات الليل حيث الوحدة وخلو الذات الى نفسها تبدأ مرحلة التذكر والتخييل في عوالم الماضى ، وبقايا الذات ، فما الذى تحيلنا اليه دوال الذات ومدلولاتها وعلامتها السيمولوجية في ديوان : ” بقايا من زوايا شمعتك ” للشاعر المصرى السكندرى / أحمد فضل شبلول ؟!. ثم مادلالة الرماد الذاتى لبقايا الذكرى من زوايا وأبعاد الحياة التى دللت اليها مفردة ” الشمعة ” التى تشير الى الانكسار والذبول والانتهاء بعد أن تهطل دموعها السيموطيقية على بقايا الذات والعالم والمجتمع والحياة؟ . وهل تشير عناوين قصائده الى فك شيفرات هذه الزوايا ، أو الافصاح عن بعض من جوانبها الخفية الغامضة ، أو التى تختبىء خلف دوال السيموطيقا التى عبّرت عنها علامات العناوين الدالة كما سيجىء ؟!! .
هذا وتتغيا لغة الشعر لديه ثوباً شيفونياً هادئاً ليعبر عن المضامين التى يقدمها للقارىء في صفاء متنام ، أو هارمونى يسيل مثل عسجد متهدّج من سيمفونية الجمال اللغوى السامق ، والبسيط والحانى من جهة ، والذى يستفيد من المنجز التراثى والقرآنى والصوفى من جهة أخرى ، علاوة على أنه يطوّع مفردات التكنولوجيا ليعطيها حياة انسانية موازية ، فتنظر بدهشة الى الطائر الآلى وهو يصدح في فضاء بريّة الجمال السيموطيقية ، حيث الأنترنت وتقنيات الحداثة تحادثك وتكشف عن هواجسك وذاتك المختبئة بين تلافيف الجسد الفيزيقى ، فنراه يعطى لها حياة بكامل تفاصيلها ، ويطلق لها العنان لتسبح وتتشكل ، بل وتستكنه ذاته المختبئة بين ركام شمعة الحياة المحترقة ، ويتجلى ذلك في قصائده : ” أوامر اشعاعية ” ، و” ذاكرة الأنترنت ” ، ” الشاعر في عصر العولمة ” ، و ” شيخوخة الأرقام ” وغير ذلك ، يقول :
لا تُبحرْ في ذاكرتِكَ قط ،
أبحرْ في ذاكرةِ الإنترنت
وتمدَّدْ في شبكاتِ الأسلاكْ
أنتَ الآنَ مُحَاصَرْ
مثلَ الأسماكْ
تنتظرُ شعاعَ أوامر
كي تَصْهِرَ ذاتَكَ في الأفلاكْ .

اذن هو يتماهى مع شاعرنا / صلاح عبدالصبور في ديوانه ” الابحار في الذاكرة ” ، لكنها ذاكرة مغايرة ، ذاكرة صنعها الواقع التكنولوجى حيث اللغة فضاء يتسع لطيور العولمة ولبلابل تويتر ، ولعصافير الأنترنت الصادحة عبر سماوات الميتافيزيقا ، في مجرة الفضاء العنكبوتى المتنامى داخل ذواتنا التى تحجّرت ، أو ربما تم تأطيرها بغلاف أيديولوجى اخترق طبلة الروح ليأخذها عبر فضاء ثقب الأوزون ليعبر بالجينوم البشرى الى عوالم جديدة ، يسنطق الحجر فنراه يدمع لمشاعره الرقيقة وللغته الصافية التى تميل الى السرد الحكائى في أحايين كثيرة ، لتتشابك وتتلاحم الأجناس الأدبية في تكاملية مشاهداتية – عبر النوعية – غاية في السموق والروعة ، والبساطة والرقة والعذوبة كذلك ، ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدته : ” شيخوخة الأرقام “، يقول :
( كنَّا هُنَا بالأمْسِ / نقرأُ النجومَ / صارَ عمرُنَا حكايا للخَطَرْ / فِرَاشُنَا وجلدُنَا من الإبَرْ / وأكلُنا دوائرٌ من الحبوبْ / حياتُنَا بداخلِ الأُنْبُوبْ / نسيرُ في حِمْضِ المَطَرْ / نستنسخُ النباتَ والبَشَرْ / فينتقي الوليدُ أمَّه / ينْتخبُ الحكَّامُ من شعوبِهِم ../ شعوبًا / ويلعبونَ بالمَصَائرْ / ويعبثونَ بالمَقَابرْ / فتدخلُ الحياةُ في تجاربِ الجنون / وتُسرقُ / الخلايا / وتَعكسُ المرايا .. / شيخوخةَ الأرْقام :
هلْ آنَ للحاسوبِ
أن يُبرمجَ المشاعرْ
ويفتحَ القلوبَ للأحلام
ويَفْهَمَ الأيَّامَ والبَصَائِرْ
هَلْ آنَ لي
أن أربطَ السماءَ بالأراضي
وأصعدَ الجبالَ ..
أحملَ الألواحَ والحجارة
وأُعلنَ البشارة ) .
انه الشاعر الذى ينقل المشاعر التى تحجرت عبر فضاء علوم الحداثة والاستنساخ والوراثة والجينوم البشرى ، حيث الحاسوب غدا يبرمج المشاعر الانسانية الرقيقة ليحلنا الى : ” الحب الآلى ” عبر ” تويتر ” أوصفحات ” الفيس بوك ” أو قنوات التواصل الاجتماعى التى يزخر بها الحاسوب وتقنياته الهائلة ، والشاعر هنا ينتقد الأوضاع أو يتماهى معها ، فنراه يصدق ذاته والواقع الوهمى لفضاء الحاسوب فظن أنه شمشمون الذى يربط السماء بالأرض ويصعد الجبال ويحمل حجارة الجبال العاتية ليعلن من فوق سماء التكنولوجيا الافتراضية البشارة ، فكأنه عيسى عليه السلام ، أو شمشمون العصر الرقمى ، أو ” شجيع السينما ” – كما وصف فى قصيدة أخرى – وهذا الوهم الاليكترونى قد أحال الحياة الى رتم نمطى مبرمج فتحجرت المشاعر ، أو ربما تأرجحت وصدّق ذاته الافتراضية ، لكنه بفلسفة المنتقد لأمراض الحداثة ومابعد الحداثة يحيلنا الى ذواتنا لنهرب ، ويهرب منا الشاعر الى ذاته والعالم والكون والحياة ، فلربما يصبح زعيم قراصنة الأنترنت ، وربما تحلم الفتاة بفارسها عبر أبحديات الحروف الخارجة من سماعة الهاتف الجوال ، أو من قلب المطر الحمضى الذى يجلب العاشق من بلاد التكنولوجيا السيموطيقية ليرتمى فى أحضانها على الشاشة الافتراضية !! .
ان الديوان يحيلنا الى قضايا كثيرة منها : افتقاد الرومانتيكية والعشق والتوق والحب فى زمن الآلة وديمومة المشاعر الحجرية عبر الفضاءات المتخيلة ، أو انسياب المشاعر التأملية الحالمة التى تنتهى فجأة باغلاق الجهاز لتفضى الذات الى وحدتها من جديد ، كما يعتمد الشاعر استكناه النص القرآنى – عبر التضمينات السياقية – التى أعطته أبعاداً احالية ومفارقات متجددة حسب السياق التأويلى ، وعبر تداولية المعانى وسياقاتها النصية فنراه يحيلنا الى جو المتصوفة ، أو الفلاسفة ، عبر تقمصه دور الفيلسوف كما في قصيدته : ” المتفلسف ” أو الى التراث عبر قصيدته : ” ميرامار ” التى ينقلنا فيها الى عبق مدينة الشاعر في الأسكندرية ، ثم نراه يطوف بنا العالم الى أوربا ، ويقارن بين شتاء أوروبا ومدينته الأسكندرية بأحيائها وشوارعها ومقاهيها ونسائها ، وجوّها الشعبى الدافىء ، كما في قصيدته : ” الهارب من ملكوت صقيع ” ، و ” ربيع ” وغيرها .. وكأنه يتنقل بنا في رحلة عالمية عبر فضاء الحاسوب ليجوب البحار والمحيطات وهو جالس فى شرفته يحتسى القهوة ، وتلك لعمرى الحداثة بعينها ، والهروب من الذات كذلك الى فضاءات افتراضية مدهشة لديه ، ينتقدها حيناً ، ويتحمس لها أحياناً ، ويتجسدها مرة ثالثة ، ثم نراه ينتصر لها رغم ارادته لأنها لغة العصر ، التى فرضت أن أولاده لا يأتمرون بأمره ، بل بأمر ” طائر الأنترنت العجيب ” وكأنه المسيطر على مقدراتهم ، والموجّه لحياتهم ، فكيف لهم أن يحكموا البلاد كما يقول في قصيدته الرائعة المفارقة التى تنتقد الواقع الافتراضى ، لا لتلغيه لأنه أساس المعاصرة ، وانما لتوجه النشء ، والجيل القادم الى أضرار تلك الآلة ، والى سوء ادارتهم للوقت ، والاستعمال غير المفيد لأدوات الحداثة وتقنياتها الهائلة ، لأنه يخشى عليهم غداً من سوء العواقب يقول :
( بحرٌ .. بجوارِ المنزلِ / أجلسُ فوق شواطئهِ ليلاً / أكتبُ شعرًا / وأغنِّي بلدًا / وأناجي قمراً / يومَ الجمعةِ .. قلتُ لأولادي : هيَّا نذهبُ عند البحرِ / أشاحوا بالأيدي/ دخلوا طَقْسَ الإنترنتِ/وألعابِ الفيديو/ طلبوا مني أن يزدادَ المصروفُ اليومي / في منتصفِ الليلِ .. أعودُ وحيدا .. / لا يفتحُ لي أولادي / تركوا أنوارَ البيتِ مُضَاءةْ / والتلفازَ يحدثهم عن رقصاتِ الفجر الولهى / أولادي: لا يأتمرون بأمري / قلتُ لهم: إن فواتيرَ النورِ تشكِّلُ عبئًا ماليًّا / لا يأتمرون بأمري / يا بحري .. / هُمْ .. لا يأتمرون بأمري / بجوارِ المنزلِ / شجرةْ .. قطعوا منها فرعاً / ذهبوا عند البحر / رموه إلى الأمواجِ / وعادوا بالزَّبدِ الضاحكِ / أولادي .. / آهٍ من أولادي / حبَّةُ عيني .. / فَلْذَةُ كبدي .. / نهرٌ في قلبي .. / أمشي .. لا يمشون معي ..
​أقرأُ في التاريخِ .. / فلا يقفون على شيءٍ :
​كيف تصيرُ بلادي ..
​إذْ يحكُمُها بعدَ عقودٍ …
​​​أولادي ..؟ ) .

انه هنا يلخص كل ما يود أن يقوله لشباب وفتيات وأطفال المستقبل المستهتر بالقيم والتراث والهوية ، الذين لا يأبهون لشظف العيش ، ولا يقرأون التاريخ ، ولايستمعون لكلام الآباء والأجداد ، ولا يستفيدون من تراثهم ويعظموا ثوابتهم ، فوصف ” الواقع المرّ ” القادم كشجرة اجتثت من جذورها ، لتلقى في زبد الماء ، وهم يتلهون ويقتلعون ثوابتهم لفضاء غريب مناف للقيم والتراث والهوية العربية الاسلامية ، ومن خلال الكلمة الدافئة العذبة والعادات والتقاليد الأصيلة للحياة الشرقية نراه يسبح بنا في فضاء الكون والحياة ، ينتقد العالم والمجتمع بفلسفة عارف بتفاصيل الأيام ورهقها ، وبهدوء وحكمة عارف بنفسية هؤلاء الشباب الطامحين والمغمورين في ملذات الحياة يوجههم لعدم العبث عبر أزرار الحاسوب دون أن يحافظوا على الثوابت ، أو أنه يحذرهم ويعزز فيهم القيم الايجابية – بطريق غير مباشر – ليبتعدوا عن غير المفيد ، ويستفيدوا من تقنيات الحداثة والعلم ويتجهوا الى ما يخدم مجتمعاتهم ، لأنهم عماد المستقبل وقادته ، وعليهم أن يتسلحوا بالعلم والحداثة وتقنياتها ، مع الحفاظ على مقدراتنا العربية ، وقيمنا وثوابتنا الوطنية والمجتمعية الراسخة ، والا فهو قلق وحزين جداً على مصير الأجيال القادمة : كيف سيحكم هؤلاء البلاد بعد طمس معالم التراث والهوية والقيم العربية الأصيلة .
انها فلسفة الشاعر الذى يصرخ عبر فضاء العالم ، ينادى بالحب وبالقيم الشرقية النبيلة ، لذا ليس غريباً أن يفتتح قصائده بالحب الحقيقى للأنثى / الوطن / الحبيبة ، يقول :
( حبيبتي:
هل قلتِ للتفَّاح أن يسقطَ في فمي ..؟ / أو قلتِ للعُنَّابِ أن يجولَ في دمي ..؟ / أم ( للآيسْ كريمِ والجاتوهِ ) / في مساءِ فرحتي / أم أنَّه العُنبْ / وخمرُهُ .. / في هدأةِ الصَّخَبْ / يروحُ أو يجئُ في خدودِنا / والتينُ والزيتونُ والنعناعُ في عروقنا / فانهمري حبيبتي / على شفاهِ وحدتي / تمدَّدِي على ذراعي .. / فُلَّةً أو ياسمينةْ / فوحي كما النسيمِ في حدائقِ الجَسَدْ / تسلَّلي إلى أنوفِ الذكرياتِ والغُدَدْ / وأمطم حبيبته الفطرية ري عشقًا .. / إلى الأبدْ ) .​
انه يطوف بنا عبر جزائر الأنثى الدافئة ، أنثاه الشعبية / مصر / الأسكندرية / حبيبته الناعسة الخدين ، والعنّاب المنسال فى دمه المترقرق بالعشق وبالحب العذرى العفيف الطاهر .
هذا وتغدو بساطة اللغة هى الفارس في هذا الديوان الشاهق الذى عبّر عن الكثير من قضايانا العامة والخاصة ، بلغة سلسة هادئة بعيدة عن المعاظلة ، وان جنحت الى المباشرة أحياناً ، الا أن سيميائية السياقات الشعرية قد أحالتنا الى ترميزات لطيفة كاستخدامه للترميز الدينى عبر لغته الاحالية المفارقة والتى تستنطق الذات الشاعرة لتحيلها الى جسر السيموطيقا عبر دوال ومدلولات المعانى المتواشجة ، والمتوالدة عن المعنى الجديد الناشىء عبر تلاحم هذه السياقات بالنصوص القرآنية المقدسة ، فهو لا يستخدم ” تناص التضمين ” ، بل نراه يتوشح خرقة الرهبان ، وجلال المتصوفة ، وبردة الفلاسفة ليعيد توليد المعانى – كما تطيق الذات – لا كما في معانيها السياقية ، وكأنك أمام ” مزامير شبلول ” – الخاصة – التى يصدح بها في صحراء العالم وهو يمسك بأرغول الصحراء ليغنى وحيداً على موسيقا الشموع الكونية ، وليقف شاهقاً ، سادراً يصدح في بريّة فضاء صاحب الجلالة خالق الأكوان ، يهرب من فضاء السيموطيقا المتجمد الديناميكى ، الى فضاء الله – عز وجل – الرحب ليعطينا ويعطى الأجيال القادمة خبرته الحياتية ، لذا لاغرو عندما أرادوا اختباره ليختار بين : ” الآلة والاله ” ، أو بين ” ” الشعر – الذى هو أنفاس الرب – وبين الانسان الآلى ، نراه يفرّ الى ملكوت الله ، والى القرآن الكريم ، وكأنه يفر عبر رحلته الشعرية منذ صدور ديوانه الأول : ” مسافر الى الله ” ، ليهرب من ملكوت الله ، الى ملكوت الله ، ليؤكد وحدانية الخالق وحكمته وعظمته ، ويتجلى ذلك عبر قصيدته الشاهقة في نهاية الديوان التى استدعت منا بداياته الأولى ، وكأنه يختم رحلته الشعرية كما بدأها بفلسفة الذات الباحثة في الكون والعالم عن الاله الذى صنع للبشر العقل كى يخترع الحاسوب والآلة الكونية ، ليقر الانسان بعجائب صنع وخلق الله ، داخل عقل الانسان المخلوق ، يقول في آخر المطاف :
( كان عنيدًا / يمتلكُ السِّحْرَ / وأنا .. / أمتلكُ الصبرَ / مع الإيمانْ / كان الإنسان الباهتُ / والصامتُ دوماً / يجري خلفي يوماً / كي أُطْعِمَهُ من بَحْري / أو من نَهْري / كنتُ المالكَ للكونِ / وللحبِّ / لا أعرفُ غيرَ إلهٍ واحدْ / وضميرٍ واحدْ / وسلامٍ دائمْ / ونبيٍّ خاتمْ / جاءَ الإنسانُ المتعدِّدُ / يصنعُ من عينيهِ .. / قنابلَ / من قدميهِ .. / مدافعَ / من فخذيهِ .. / جنودًا ومعاقلَ / من كتفيهِ .. / مصانعَ .. / ومنصاتِ صواريخْ / يلعبُ بالمريخْ / ويطيرُ إلى الوقتِ / فَيَنْسِفُهُ/ ويُخَبِّئُهُ / في ذاكرةِ النسيانْ / جاء الإنسانُ المتعدِّدُ / فرأيتُ الآلهةَ / وقد هبطتْ أرضاً / تسجدُ للآلةِ والشيطانْ / تعبدُ كيمياءَ الألوانْ / تلبسُ أقنعةَ البهجةِ والأحزانْ /جاء الإنسانُ الأنبوبة / فتكاثرَ في الأفْقِ الغربانْ / وانْطفأتْ أنوارُ الأرحامْ / انْكسرَ زجاجُ الأحلام/ وامتدَّتْ في الأرضِ / مزارعُ الاستنساخ / ومشاتلُ للإفْرَاخ ..
جاءوا لي
لمقايضةِ الشعرِ
مع الإنسانِ الآلي
لأتوئِمَ نفسي
وأبيعَ الأملَ البشري
بزجاجةِ أوهام
غنيتُ لمجدِ الإنسانْ / لربيعِ الفنَّانْ / يئسوا منِّي / فأنا أملكُ حسِّي / أملكُ تاريخي / لغتي / أملكُ بأسي / مازلتُ أغني / لليلِ .. / وللفجرِ .. / وللشمسِ / مازالتْ تلك الوردةُ / تَأْسِرُني / والدمعةُ / تَجرحُني / والبسمةُ /تُفرحُني / والموجةُ تحملُني / من أوزانِ المتداركِ / لخليج عربيٍّ / من شطِّ الأنفوشي / لسواحلَ مرسيليا / واستانبول / مازالتْ تلك الموجةُ تحملُني / والقرآنُ يجدِّدُني / واللون الأخضر يُبْهجني / مازالتْ أنثايَ على فطرتِها / رغم نداءِ الذهبِ / ورغم حدائقَ زينتِها / لم تطلبْ مني / ـ وقتَ صفائي معها ـ/ توأمةَ أنوثتِها / ولذا .. / فأنا ..
لا أخشى الإنسانَ
الهاربَ من ملكوت اللهْ
لا ..
أخشاهْ…. ) .
ان الرحلة – هنا – عبر ديوان الشاعر / أحمد فضل شبلول تطول لأنها رحلة حياة ، وخبرة جوّال انتقل من الأسكندرية فى فضاءه المحلى الى الفضاء العالمى عبر شواطىء مرسيليا ، مروراً بأسطنبول الى تركيا والى بولونيا عبر مضيق البسفور وغير ذلك ، ثم العودة الى مصر حيث ماسبيرو وتمثال مختار : ” نهضة مصر ” ، والأهرام ” والأسكندرية ، ثم لا يلبث أن يجوب بنا القفار والبحار والجبال فى آفاق العالم ، عبر رحلته الحياتية الذاتية من جانب ، وعبر رحلته السيموطيقية الافتراضية الكونية المابعد حداثية بطائرة الحاسوب الافتراضية – الواقع الافتراضى – ، فوجدناه يفرّ – فى النهاية – من صخب العالم وضجيجه وحروبه ومؤامراته وفضاءاته الافتراضية ، الى الفضاءات الحقيقية ، فضاءات الله الكونية العظيمة ، فكان له أن يختار ، فاختار الفرار الى ملكوت الله ، والتسلّح بالقرآن الكريم ونوره الذى يشرق على الانسانية بالعلم والحكمة ، والقيم النبيلة الانسانية السامقة فى كل ربوع وأرجاء الكون والعالم والحياة .
ان الديوان هنا يطرح العديد من القضايا ويطوف بنا عبر سياقات الشعرية فى رحلة كونية حياتية ذاتية مجتمعية انسانية غاية فى السموق الباذخ ، والصورة البسيطة التى تشى بجمالية متنامية ، وربما قيدتها الآلة لتتجلى مشهدية السياقات الشعرية لتعيد تشكيل الصورة الكلية بمعناها العام والسياقى فى جمالية تتغيا المعنى وتتكىء الى اللغة التى تصنع الصورة القريبة الى ذهن المتلقى ، وأراه هنا يخاطب جميع المستويات القرائية عبر لغة صافية خالية من شوائب التصوير وتدويرية المعانى الترميزية ، لكنه صنع صورته من خلال الذات السادرة فى الكون والعالم ليعطينا صوراً حقيقية غير غارقة فى رمزية بعيدة ن وتتغيا جمالية لحظية تشكل مفرداتها فى الموضوع ذاته ، وكأنه ، الا انه قد صنع لنا صورة المعنى ، والمعنى التصورى المشاهداتى الرائع عبر فلسفة اللغة وفلسفته الذاتية وانتقالاته البديعة بين الأقطار لينقل لنا العالم كما هو ، وكما تصوره ورآه كذلك فنراه يصف لنا تصوراته الذاتية كما يراها هو ، وكما يفهمها عبر ديوانه الذى حمل الكثير من المضموناتية عبر لغة الذات ولغة الأنترنت بتشعباته الهائلة ، كما استطاع بمهارة مبدع أن يرسم بريشة اللغة صورته الخاصة ، أو ” مزامير شبلول ” المتأرجحة عبر سيمفونية فضاءات الشعر الذى يصدح داخله ككروان يزعق بهدوء ، وبصمت زاعق فى كل أرجاء الكون ، يستصرخ الانسان والعالم ، ويشكو الى الله ، فتستنير بصيرته ويطمئن ، فبعد أن كان يبحث عن الوحدة والتأمل ، وجدناه يعثر عليها ويلوذ بها ، ثم رأيناه بسرعة هائلة يهرب بوحدته وتأملاته وهيامه – كمجذوب ، أو راهب ، أو متصوف محب وعاشق – الى ملكوت الله ، عبر فضاءات وسماوات الايمان المقدس الطاهر فى برية العالم المتناثرة الأرجاء .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق