ثقافة المقال

مساحة الروائي وبقعه اللونية

سامي البدري

لعله من المدهش فعلا أن تبدأ الحياة، كل الحياة، بقصة (قصة الخطيئة الأولى) وأن تكون الأديان السماوية بالذات هي مصدر هذه القصة… هل يعني هذا، أن فعل القص ـ الذي هو الأب الشرعي لفن الرواية ـ كان جزءا أساسيا من فعل وإرادة الوجود وميكانزم بنائه وحركيته، وبالتالي فعل ديمومته وبقائه؟ كما إن على تلك القصة بالذات ومن فعل حركيتها، نشأت ونمت وتفرعت حركية التفكير والرؤية، وبالتالي الرؤى التي أوصلت العقل البشري إلى الفلسفة وأشكال التنظيم العقلي والعلم وأسس البناء الحضاري والفكري والثقافي، والذي تمثل الرواية الآن أحد أهم وسائل تمظهره والتعبير عنه، أعني الجانب الثقافي.

وبقدر ما كانت الرواية بساطا لعرض الأفكار، فهي، من جانب آخر، تمثل ـ إستنادا إلى جذرها القصصي الأول ـ نزهة وردية في عالم الخيال الحلمي التعويضي عن خيبات الانسان في واقعه، إلى جهدها التفسيري لإشكالية الوجود، وبدايته قبلها.

وبسبب من تطور الحياة وتعقدها و (غموض العالم غموضا رهيبا؛  تفتتت الحقيقة المطلقة الوحيدة إلى مئات من الحقائق النسبية التي يتقاسمها الناس.. وهكذا ولد عالم الأزمنة الحديثة والرواية، صورته ونموذجه، معه، بحسب الروائي ميلان كونديرا) صارت، القصة/ الرواية، وسيلة التعبير الأنضج في طرح التصورات والأفكار، وكذلك وسيلة الإنماء الفلسفي للإشكالية التي جاءت بها قصة الخطيئة الأولى، القصة الأم أو أم القصص، فنا وفكرا..، ثم جاءت عملية إنمائها وتعقيدها الفني والبنيوي والرؤيوي تباعا، لينهض الروائي، صانع الرواية وفعل القص والنسج فيها، كأحد أعمدة الثقافة الحديثة ، وكمجترح للرؤى والأحلام، وكعارض لمشكلات عصره بالدقة والحيوية والشفافية والجمال الذي إفتقدته تجريدية الفلسفة.

ولكن، ومع زيادة إتساع مساحة غموض العالم والحياة وزيادة تعقيدهما، تعمقت هوة الرهانات أمام الروائي، صانع الرواية وفعل القص، وأيضا مساحة الإشكاليات والمشاكل التي أفرزتها الحضارة الحديثة، وهذا ما إنعكس على نفسية العالم وفكره ككل، وبالتالي على نفسية وتفكير وطرق تفكير الروائي، كفاعل وخالق ومسوّق للمعالجات الفكرية وأساليب طرحها في الرواية، وكمتلقي أول لخيبات الحراك الحياتي، الذي زادته تعقيدات حياة ما بعد الثورة الصناعية (سلبيات وقهر وشعور بفقدان المعنى واللاهدفية وتشاؤما ويأسا من مصير الحياة والبشرية) صار، المبدع عموما، والروائي على وجه الخصوص، متلقي خيبات أمل المجتمع والعملية الحياتية الأول، وكذلك المثالي الذي يجب عليه التمرغ ومماحكة نكوصات الفكر والفلسفة وتسليط الضوء عليها.

إلا أن هذا الفعل مرهون (بمثالية) ومساحة خيبة أمل الروائي، لأن الروائي هو بالأساس متشائم، أو نستطيع أن ننظر إليه عبر فكرة نيتشه الفيلسوف (المتشائم هو مثالي مسّت كرامته)، وليس أكثر من الروائي مثالية فعلا وأكثر شعورا منه بما يتهدد كرامة الانسان، وإلا لما كان أول المتصدين لخلق عوالم جديدة وبديلة للواقع الحياتي المأزوم، وليس أكثر منه شعورا بإستلاب كرامته وحريته، وإلا لما غضب وإحتج وأعلن عصيانه ورفضه للواقع… وكتب بديلا حلميا عنه، بديل يفضح ويقاوم القهر والإستلاب.

إن تاريخ الرواية الإنتاجي، والذي تعود بدايته إلى، دون كيشوت سرفانتس، يؤشر لقضية بمنتهى الأهمية، ألا وهي جدية إحتجاج وتمرد هذا الصنف من المثاليين (الروائي) وجدية دفاعه عن الكرامة الانسانية التي سحقتها أنظمة الحضارة على مر العصور، بعد خروجه من الغابة، وأنظمة وقوانين الحضارة الحديثة بعجلة الإنتاج المادي والصناعي والتكالب على مصادر الثروة..، وأيضا هو ـ الروائي الحديث على وجه الخصوص ـ كان معول تهشيم جميع الأصنام، الأيديولوجية والطقوسية، التي ظلت تحكم عالم ما قبل سقوط تفاحة نيوتن، واللاهوتية والسلوكية الحمراء، التي مازالت تحكمنا، رغم أن في جيوبنا الإصدار الخامس من أجهزة الهاتف الذكية.

ورغم أن الرواية هي ساحة عرض لا منبر حكم، إلا أن هذا المثالي المتشائم لبى حاجات أخرى مما فطر عليه الانسان، وخاصة (رغبة الانسان الفطرية في الحكم على الامور قبل فهمها، تلك الرغبة التي قامت عليها الأديان والايديولوجيات)، بتعبير ميلان كونديرا، رغم إنه رفض أن يكون نبيا أو حتى أن يدعي النبوة، ورغم عدم تنازله عن مثاليته، بسبب من شعوره بمحدودية المساحة التي تدمغ فعل حراكه؛ ومن هنا ولد تشاؤمه وخيبة أمله.

إن أهم ما أصرت الرواية عليه، عبر مسيرة تطورها الفكري والرؤيوي، هو تمسكها بجذر فعل القص كأساس لطرح إشكالية الوجود المعلقة، منذ لحظة نسج قصة الخطيئة الأولى، كبداية للوجود، وعدم تنازلها عن فكرة أو مبدأ اللايقين ونسبية كل العناصر والأشياء، في عرض تلك الإشكالية. وهذا يعني أن الروائي أصر على (فعل الحياة) أبدا، أو القفز من قطار التأريخ، السائر منذ بداية قصة الخطيئة الأولى بإتجاه واحد ولنهاية مجهولة، وطريق مسيرته بلا لوحات توضيح أو إرشاد… بل إن بعض منعطفاته تسكنها أشباح مرعبة!، رغم أن بعض عربات هذا القطار ـ وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره ـ تحتوي على مطعم فاخر وحمامات نظيفة وقاعة للحفلات الراقصة… وأحيانا منتجعات خضراء للراحة والإستجمام!

ولكن، وربما بسبب وجود هذه العربات الملونة بالذات، يصر الروائي على القفز من هذا القطار ـ رغم صعوبة هذه القفزة ـ من أجل العودة إلى الأرض، رغم مجهولية هذه الأرض أو مرجعية إستقرارها، بحثا عن مستقر نهائي وحقيقي… ولو كان شاهدة قبر على هاوية سحيقة!

هل هذه هي بقع الروائي اللونية التي تميزه بدقة وفداحة ألوانها؟

إذا ما عدت إلى لحظة إطلاق ارنست همنغواي للنار على رأسه، وإلى دوام رزوح (كـ) كافكا تحت دوامة عدم وضوح الهدف من قبل القصر والمحكمة، على حد سواء، ومطالبة (قدره) له بأن يمارس مسح مساحات التيه التي تفصلنا عن لحظة الموت، أستطيع أن أقول: نعم هذه هي بقع الروائي اللونية التي لن يتنازل عنها، وبها وحدها سيبقى مصرا على القفز من قطار التاريخ، رغم صعوبة أو إستحالة ذلك القفز، لأن (التاريخ) لا يقبل إلا بمنطقه، أولا، ولأنه يرزح تحت قدر (كـ) كافكا ذاته ثانيا، والذي أطلق عليه أحد الروائيين: (وحدة الانسانية التي لا يستطيع أي انسان الهرب منها إلى أي مكان).. إلا الروائي، دائب المحاولة، بصناعة بقعه اللونية وإعادة رسم بوابات أخرى بتلك البقع، على جدار وعينا وعلى جدار محطة قطار التأريخ الذي دفعنا إلى ركوبه دفعا، دون أمل في توقفه أو فرصة للقفز منه.

روائي وناقد*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق