قراءات ودراسات

قراءة نقدية في مجموعة جمال فايز: الرقص على حافة الجرح

أيمن دراوشة*

في مجموعته القصصية القصيرة (الرقص علي حافة الجرح) هناك متغيرات يلمسها قارئ المجموعة علي مستوي اللغة والوظيفة والرؤية والأداة. وهو تغير يمثل درجة من التطور الفني وان خالطها بعض مظاهر مجموعاته السابقة ، فعلي مستوي اللغة بدت التراكيب والأسلوب جميعا أكثر طواعية وألفة للقارئ، مما جعلها تبدو ذات دور وظيفي بعيد عن آفات الاستخدام المقصود لذاته. لكن ما يلحظ علي قصص الرقص علي حافة الجرح طغيان الوظيفة الوعظية عليها. ولعل هذا ما قاد أيضا إلي وقوع أجواء قصص المجموعة تحت طائلة أجواء الرؤية المعتمة، بما فيها من فشل وإحباط ونهايات سلبية، مأساوية.. علي مستوي رؤية الراوي السوداوية وعلاقتها بالمنظور القصصي، فإننا لا نجد من بين قصص المجموعة القصصية الاثنتي عشرة سوي قصة واحدة قدم فيها السارد رؤيته من خلال ما يعرف بالراوي المشارك هي قصة الركض في الوحل ، التي بدا فيها واحدا من شخصياتها، لا يملك سلطة المعرفة المطلقة شأن الراوي العليم، أو أكثر مما تعرفه سائر الشخصيات القصصية. في حين انصرفت قصص المجموعة المتبقية إلي استخدام صيغة الراوي المحايد تارة، في شكل حضور لضمير الغائب وليس لضمير المتكلم كما هو الحال في القصة السابقة الركض في الوحل .
أما علي مستوي التوظيف الفني لوحدة الزمان في مجموعة الرقص علي حافة الجرح ، فإن ثمة نمطين يمكن للقارئ تلمسهما، الأول: ويندرج ضمن التوظيف التقليدي للزمن، إذ تسير أحداث القصة فيه في شكل تصاعد خطي بدءا وانتهاء متابعة بذلك الترتيب المنطقي لها، من الماضي إلي الحاضر. وقد مثلت هذا اللون التقليدي سبع قصص من قصص المجموعة.

أما التوظيف الثاني للزمن، فيمثله الحضور غير المنتظم وغير التقليدي لترتيب الأحداث، وفي هذا الأخير يمكن للقصة أن تبدأ بالزمن الحاضر ثم ترتد إلي الماضي لتعود إلي الحاضر مجددا، في شكل تداخل زمني للأحداث أو مناوبة لمعطياتها الزمنية، وقد مثلت هذا اللون من التوظيف المتداخل خمس قصص فقط من المجموعة هي: فحيح العاصفة، وفئران وحجارة، وتوحد، وحطام المسافات البعيدة، ويوم الحصاد. ويمكن ملاحظة طغيان العظة القصصية التي تهدف إلي تعرية سلوك الجيل الجديد ممثلا في الشاب الذي رفض دخول الكهل غرفة الطبيب قبله لتلقي العلاج في قصة الكهل الصغير علي الرغم من كبر سنه وتداعيه وشدة حاجته للعلاج، فضلا عن تعرية الراوي لظاهرة تخلي المجتمع عن دوره في رعاية الأبناء والعناية بهم، بدلا من تركهم يموتون بين أيدي الخدم. مثلما تجلت العظة في سلوك الابن العاق تجاه أبيه الذي يدخل صافعا الباب وراءه، دونما اكتراث لوجود الأب في قصة حطام المسافات البعيدة . ومثلها قصة فحيح العاصفة التي نلمس العظة فيها من خلال موقف الابن العاق الذي يهمل أباه الذي يفترش رصيف المسجد تاركا إياه لعبث الصبية وأذاهم، وتتجلي هذه العظة في ضياع الأرض وموت حاميها في قصة فئران وحجارة . كما تتجلي في قصة الرقص علي حافة الجرح في تعري الأمتعة التي يتخفي وراءها الناس في مجتمعاتنا.
وتتمثل العظة في قصة المكافأة في تعرية حالة النفاق التي يجسدها زملاء الشخصية المحورية حيال رب العمل، مثلما تتمثل في سلوك الأب التحكمى إزاء الابن وما أدى إليه من لجوء الأخير إلي مغادرة البلاد والرحيل عنه في قصة يوم الحصاد .
وتتجلي هذه العظة في قصة إظلام في جحود الأبناء لأمهم،
إن الموت والتردد وضياع الأم تارة والأب أخري والتنكر للأب ورحيل الابن والتمييز بين الناس علي أساس من اللون وضياع الأرض، كل تلك نهايات سلبية ومصائر مأساوية حاول القاص إشاعتها في نسيج البنية السردية، في مهمة أشبه بدق جرس الإنذار إشعارا بإمكان حدوثها.

وإذا كان الحس المأساوي والنغمة السوداوية هما اللذان يميزان العالم السردي لمجموعة الرقص علي حافة الجرح من جهة، وهيمنة تكنيك القصة – العظة، فإن ملمح تكثيف البنية السردية، تكثيفا ملحوظا يبدو واضحا هو الآخر، حتي أن عددا من هذه القصص لا يمكن تصنيفه إلا ضمن النمط المعروف بالقصة القصيرة جدا. وهو التكنيك.

تعريف النهايات:

وتعددت أشكال النهايات في القصة القصيرة، وأمكن للنقاد أن يروا فيها ستة أنواع من النهايات، هي: النهاية الواضحة أو المغلقة ، وفيها تحل المشكلة دون تعقيدات تذكر. والنهاية المبهمة ، وفيها تبقى المشكلة دون حل. والنهاية المفتوحة ، وفيها يمكن أن يكون الحل من خلال مشاركة القارئ في التوقع ، دون أن يكون هذا الحل هو الحل المثالي الوحيد. والنهاية الواعدة، وفيها يتم التنويه بمخارج كثيرة دون ذكرها صراحة. والنهاية المقلوبة، وفيها يتخذ البطل موقفاً مناقضاً لما كان عليه في البداية، فإذا كان يكره شخصاً في البداية، ينتهي به الأمر إلى أن يحبه في النهاية. والنهاية المفاجئة، وفيها يفاجئ السارد القارئ بحل غير متوقع.

أنواع النهايات في مجموعة جمال فايز القصصية:
الرقص على حافة الجرح:
1-  قصة الكهل الصغير ص5:

سبب الاختيار:

لأنها تعالج قضية اجتماعية ، وهي قضية الأبناء بين يدي الخدم والتقاليد الاجتماعية الأليفة.

نوع النهاية : مغلقة أو واضحة.

2-  في عرض الشارع ص 59:

سبب الاختيار:

لأنها قصة بسيطة وقصيرة جدا لكنها تحمل معها معان غزيرة.

نوع النهاية : مغلقة أو واضحة.

3-  الرقص على حافة الجرح 27:

سبب الاختيار:

لأنها تعري الناس من الأمتعة التي يتخفون وراءها.

نوع النهاية : مبهمة.

4- – الشرنقة ص31:

سبب الإختيار:

لأنها تعري التراكيب الاجتماعية المتناقضة.

نوع النهاية : مغلقة.

5-  تابوت من لحم:

سبب الإختيار:

لأنها تعالج قضيتي الغنى والفقر ويضعهما في مقارنة غي متساوية..

نوع النهاية : مغلقة.

المصدر

(1) انظر جمال فايز: الرقص علي حافة الجرح، مجموعة قصصية، مؤسسة الرحاب الحديثة ، ط 3 ، بيروت

*ناقد أردني مقيم في قطر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق