قراءات ودراسات

ثقافة العنف ودلالاتها النسقية في رواية (حائط المبكى)

لعز الدين جلاوجي

 1. د. سمير الخليل

تعدَّ ثقافة العنف نسقاً ثقافياً مضمراً وممتداً تغذيه مساحة واسعة من تاريخنا وأدبنا العربي وتلك الثقافة بتمثلاتها الظاهرة هي نتاج واقع مؤلم مليء بالصراعات والتحديات والحروب والقتل والمذابح لشتى الأسباب، وفي العصر الحديث كان للاستعمار الغربي الدور الأهم في إشاعة العنف باحتلاله للبلاد العربية وقيام الشعب العربي ولاسيما الجزائري بحقه في التحرر، فضلاً عن الانقلابات العسكرية الدموية التي حصلت في أكثر من بلد عربي من أجل الهيمنة على السلطة والتمسك بها مما أشاع روح العداء والعنف في سلوك الشعوب إذ لم تبنَ الدول بعد تحررها من الاستعمار على أسس مدنية مؤسساتية تشيع فيها روح المواطنة والعدالة والمساواة والتعايش السلمي.
نعني بثقافة العنف في الرواية عموماً حضور ثيمة العنف بنوعية الجسدي والنفسي فضلاًَ عن شيوع لغة تعمق تلك الثقافة وتدل عليها وتردد نسقها المضمر المتمكن من النفوس مما يجعل الإيذاء بالعنف والتعامل بقوة مع الآخر أمراً نلمسه في كثير من الجمل الثقافية الدالة على طبيعة نسق العنف بأشكاله وتمثلاته المختلفة بغض النظر عن الموقف الإيديولوجي للروائي ((حيث تحول العنف الى سلطة تمارسها المجتمعات بوسائل مختلفة تدفعها غريزة التسلط والسيطرة على الآخر))().
وبهذا يمكن القول أن العنف بكل تراكماته الزمنية عبر الأجيال البشرية سواء أكان سلوكاً فردياً أم نسقاً ثقافياً ذهنياً ذا بعدٍ اجتماعي يوجّه الفرد في تعاملاته الحياتية إذ قد يتحول إلى صراع خارجي أو عنف داخل الإنسان نفسه لا يدَ له فيه يغذيه اللاوعي التراكمي لنسق العنف المضمر، وثقافة العنف تتلخص في أي ((خطاب أو فعل مفردٍ أم مدّمر يقوم به فرد أو جماعة ضد أفراد وجماعات أخرى))()، ومن الجدير بالذكر أن ثقافة العنف ليست مختصة بفرد دون أخرى إنما هي نسق ثقافي متمكن في النفوس يأتي في لا وعي الفرد ولاسيما المبدع والكاتب والروائي أو غيره.
يختلف مفهوم (ثقافة العنف) عن مفهوم مقارب هو (العنف الثقافي) لكون الثاني يعرّف على أنه ((أي جانب في الثقافة يمكن أن يستخدم لشرعنة العنف بشكله المباشر أو غير المباشر لأنّ العنف الثقافي المبني على ثقافة ما لا يعني القتل أو التعويق مثل العنف المباشر فهو يقوم على شرعنة أحد الطرفين أو كليهما))()، ويرتبط بما يسمى بالقتل الرمزي أي خلق الدافع إلى العنف بإيجاد المبررات التي تقنع الآخر في شرعيته، أما ثقافة العنف فتعني مظاهر تمثلات نسق تلك الثقافة في لغة النص الأدبي أو غيره إذ تشيع مفردات دالة على العنف في ثنايا العمل الأدبي من دون وعي الكاتب لكونها تعبّر عن تمكن النسق الثقافي المضمر في لا وعي المتكلم مما انتج ما يسمى بـ (الدلالة النسقية) التي ((ترتبط في علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصراً ثقافياً أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصراً فاعلاً، لكنه وبسبب نشوئه التدريجي تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظل كامناً هناك في أعماق الخطابات وصار يتقبل ما بين اللغة والذهن البشري فاعلاً أفعاله من دون رقيب نقدي لانشغال النقد الأدبي بالجمالي أولاً ثم لقدرة العناصر النسقية على الكمون والاختباء))().
ٍإنَّ ثقافة العنف تتجسد في لغة الروائي بطريقة تداولية تستند إلى هوية المتكلم وتداعيات أفكاره ومرجعياته الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية بوصفه شخصية روائية أو قصصية أو هو راوٍ له دور في قص الأحداث فتظهر على صفحة لغته مفردات وعبارات ذات منحى عنفي ظاهر ونعني هنا ((كل معنى مباشر أو موحٍ أو علامة بصرية تحيل إلى تفسير لغوي تظهره الذات بسبب -نسق ثقافي- في استهداف الآخر موقفاً أو سلوكاً))()، بمعنى أن دلالة النسق تمثلها مفردات عنف مصاغة في جمل ثقافية تحيل إلى المضمر النسقي، ويتنوع مفهوم العنف سوسيولوجياً ويتعدد وفق صيغة المألوفة مثل: العنف الجسدي والعنف النفسي وهناك أنماط وصيغ حديثة للعنف ظهرت في أتون التطور الفكري الحداثي مثل: العنف اللغوي والعنف الفكري والعنف الرمزي والعنف الثقافي والعنف السياسي وهي ليست من وكدنا هنا، إنما نحن نتحدث عن (ثقافة العنف) المرتبطة بمفهوم العنف كونه علاقة صراع أولية بين القوة الكامنة والقوة الفاعلة وهذا يعني بأن العنف هو تحوّل القدرة من حالة الوجود الكموني إلى حالة الوجود بالفعل من أجل الهيمنة على الآخر ()، وتبقى ثقافة العنف صورة لمؤثرات النسق الثقافي المضمر في أي عمل أدبي.
لعلّ الاعتقاد بطبيعة العنف لكونه نسقاً ثقافياً فاعلاً في كتابات الروائيين وغيرهم ((ينتقل عبر الأعراف والمعتقدات المعتمدة في الثقافة ويسهم اسهاماً مباشراً في قبول العنف وتمثلاته في الثقافة ومن ثم في تصديره إلى المجموعة الكونية الأكبر))().
ويفترض مصطلح (ثقافة العنف) وجود مظاهر لغوية تشيع في الكتابات الروائية وغيرها مثل مفردات القتل، الاغتصاب، الضرب، الركل، الاعتداء بأنواعه، مفردات الدماء، الذبح، الجريمة، الانتحار، الخنق، الجريمة المنظمة… فضلاً عن الوسائل المستخدمة في العنف، السكين، المسدس، البندقية، المدفع، أو أي وسيلة يمكن أن تستخدم في الاعتداء على الآخر، فوجود المصطلح يفترض ((وجود ثقافة للعنف تجسد اتجاهات المجتمع نحو العنف مثل تمجيد العنف في الروايات والأفلام ووسائل الاعلام بصفة عامة، واعتناق معايير اجتماعية تقوم على أفكار مثل (الغاية تبرر الوسيلة)، بحيث يصبح العنف جزءاً من طرق الحياة بالنسبة لبعض أعضاء المجتمع الذين يفضلون الأسلوب العنيف في التعامل مع الآخرين من دون الشعور بالذنب نتيجة العدوان عليهم))()، فقد جرى ترحيل واقحام مفهوم الثقافة بوصفه نخبوياً تهذيباً إلى توجهات هامشية متدنية وهو معطى لما أشاعه (غراميشي) من عدم وجود فاصل بين (الثقافة) و (اللاثقافة) فكل إنسان في مفهومه مثقف مهما بلغ تدني وعيه أو كانت طبيعة عمله (ذهني) أو (يدوي) هو في النهاية مثقف ما دام يمتلك تصوراً معيناً للعالم، ((فمشروع غراميشي يتحدد في طموحه الطليق إلى كسر نخبوية الثقافة وإلى انتاج معرفة جديدة تغيب فيها الفروق بين الثقافة العالية والثقافة الشعبية ولقد تمت بالفعل طموحاته إلى معطيات ثقافية مألوفة وشائعة فبرزت بشكل واقعي ما سمّي بالثقافة العمالية والثقافة الفلاحية وثقافة الريف مقابل ثقافة المدينة))(). ثم توسعت المصطلحات حتى صرنا نقرأ: ثقافة السجن، ثقافة الجريمة، ثقافة الجهل، ثقافة الجنس، ثقافة الخراب، ثقافة العنف… الخ وبذلك أقحم مفهوم الثقافة النخبوي وتم ترحيله إلى حقول أخرى بعيدة كل البعد عن مضمون الثقافة المعروف ومقاصده المهذبة الراقية وصرنا نقرأ ثقافة الكراهية وثقافة الإقصاء وثقافة الغنيمة وثقافة الانحطاط وغيرها.
ترتكز نظرية (ثقافة العنف) على رؤى معاصرة في تفسير النسق الثقافي للعنف في المجتمعات العربية وتفترض وجود ثقافة للعنف تشيعها وسائل الاعلام والمسلسلات التلفزيونية والسينما والانترنت والقصص والروايات التي تبث فيها الفاظ العنف الموظفة في عبارات تثير نزعة العنف في اطار اشاعة ((ضعف الوازع الأخلاقي وعدم تعزيز فكرة الإيثار والمحبة والتسامح والتعايش السلمي وسيطرة فكرة المصلحة الفردية على المصلحة العامة))()، ويبدو أن مفردات العنف المصاغة بطريقة مباشرة أو موحية تدعو إلى ثقافة العنف على المستوى الإعلامي والأدبي مما يسهم في تعزيز النسق الثقافي الكامن في نفوس أبناء المجتمع وتأجج ما يثير الصراعات بين الأفراد والجماعات بل حتى بين بعض الدول.
لقد تمثلت ثقافة العنف بصورة جلية في رواية (حائط المبكى) للروائي الجزائري عزالدين جلاوجي لكونها رواية أقرب إلى الرومانسية في رقة المشاعر والعلاقات الإنسانية الجميلة وتسرد أحداثها بأسلوب السرد الذاتي بلسان الراوي للشخصية إذ تتحدث عن علاقة حب تربط الراوي بفتاة سمراء يهيم بها ومن ثمَّ يتزوجها وينجب منها طفلين توأم وهو شاب فنان يحترف الرسم ويعشق الجمال واللوحات العالمية وفتاته فنانة تشكيلية أيضاً ذات عواطف رومانسية تهيم بالفن والحب والتراث الفلكلوري لمدينة وهران، ومع كل المشاعر الغرامية وعلاقة الحب والفن بين الشخصيتين المحوريتين في هذه الرواية تطفو مفردات العنف في لغة النص الروائي بطريقة لافتة، ويبدو أنَّ الخزين النسقي في لا وعي الروائي ينفلت فيغطي مساحة من اسلوبه وكما يقول (بول آرون): ((ٍإنَّ المؤلفات الأدبية تكتب في الحقيقة وتقرأ داخل فضاء اجتماعي من التمثلات الذهنية واللغوية وهي تمثلات داخل الأعمال وخارجها))()، فألفاظ العنف في الرواية على الرغم من رومانسيتها تحيل إلى ثقافة ذات دلالة نسقية لا يستطيع الروائي أن يتخلص منها فتأتي على لسان شخصياته الروائية، ونعزو ذلك إلى أن هناك علاقة بين النسق الثقافي للعنف وبين الأسلوب الأدبي الذي يجسده فذلك النسق المضمر وجد في الرواية مجالاً لتمثيله، ((ولعل من أبرز التوجهات الحديثة في النقد الأدبي هو المزاوجة بين معطيات علم السرد والتحليل الثقافي من أجل فهم أعمق للنص السردي فإذا كان السرد موقفاً ثقافياً فإن علمّ السرد منظور على الثقافة))().
ينساب العنف بمفرداته الاستفزازية في أحداث الرواية من خلال تداعيات النسق الثقافي المضمر الحامل له فيحفر في متخيل المثقف أو الروائي صوراً ظلامية تجعله أسير عقدة نسقية يعبّر عنها بتمثلات واضحة في خطابه الروائي().
حاولنا رصد مفردات العنف التي شاعت في رواية (حائط المبكى) فوجدناها تتوزع على الشكل الآتي (الدماء، الدم) تكررت أكثر من خمس عشرة مرّة، (الذبح ومشتقاته) تكررت أكثر من ست عشرة مرَّة، (النحر ومشتقاته) أكثر من اثنتي عشرة مرَّة والأكثر إلفاتاً في الرواية أن الكاتب يختار مفردة (النحر) بدلاً من (الجيد) أو (الرقبة) إلاّ في بعض المرات يستخدمها معاً، و (القتل ومشتقاته) أكثر من عشر مرات، و (فصل الرأس عن الجسد) بحدود عشر مرات، و (الجريمة) خمس مرات و (السفاح) ثماني مرات و (المسدس) و (الجثة) و (الرُعَّب) و (مشنوق) و (مفخخ، منفجر) و (يركل) و (وحش) بحدود مرّتين لكل منهما.
تنهض هذه الدراسة على الوقوف في منهجيتها عند نظرية ذات صلة بالنقد الثقافي في ارهاصاته الأولى المتمثلة بـ (الجمالية الثقافية) والتي انبثقت عند (غرين بلات) عن (التاريخانية الجديدة) التي تفترض أن الأدب ملفوظ شكلي مضموني فضلاً عن التحليل الثقافي للنصوص السردية من أجل مسك النسق الثقافي المضمر للعنف المجتمعي ولاسيما العنف الجسدي الذي مثلته رواية (حائط المبكى)، ولعلّ في التاريخانية الجديدة ما يشي بالعودة الى دراسة الأدب عموماً والنصوص السردية على وجه الخصوص في اطار سياقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية ((فلقد اعادت التاريخانية الجديدة الاعتبار إلى سياق النص، ورفضت اقتصار دراسة النص على مستواه الشكلاني.. فهي تنكر ميل شكلانيي النقد الجديد لمعالجة العمل الفني بوصفه موضوعاً مكتفياً بذاته منفصلاً عن اطاره الثقافي))(). فالتاريخانية الجديدة تعتقد بأن النص الأدبي نتاج سياق متفاعل مع العناصر الأخرى وجمالياته تكمن في علاقاته المضمرة في اطار السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي وكما يقول د. حفناوي بعلي أنَّ قراءة النص الأدبي ((قراءة تفسيرية في ضوء مبادئ التاريخانية الجديدة يمكن تلخيصها في مقولة مبسطة هي: الغاء سلطة النص الأدبي ورفض استقلاليته عن القوى التاريخية والثقافية التي انتجته من جهة وعن الخطابات الأدبية وغير الأدبية التي انتجتها أيضاً القوى التاريخية))()، والخلاصة أننا نريد أن نستفيد من معطيات ((علم السرد والتحليل الثقافي من أجل فهم أعمق للنص السردي فإذا كان السرد موقفاً ثقافياً فإن علم السرد منظور على الثقافة))()، من أجل الوصول إلى مبتغانا في دراسة النسق الثقافي للعنف في عمل روائي محسوب على نزعة عاطفية ومشاعر رقيقة وعلاقة حب بين شاب وشابة من الوسط الفني بمنتهى الشاعرية، والرواية التي نحن بصددها لا تخرج عن فضاءات العنف بكل أشكاله ومظاهره فيصبح من مكونات السرد وبناءاته النفسية على مستوى الحوار وحركة الشخصيات والمكان والاستغراق في فهم إشكالية العنف ودوافعه))()، المرتبطة بنسق مضمر يفعل فعلته في توجيه المؤلف الثقافي.
ولعلَّ من أبرز مظاهر العنف الجسدي ومفرداته القاسية تتمثل في مقولة الراوي وهو يسرد لنا رؤيته للفتاة السمراء منذ الصفحة الاولى للرواية ((حين انحدرت عيناي إلى جسدها تلامعت بين عيني مئات الصور لرقاب منحورة، هل تصلح هذه الفاتنة للحب أم للذبح))()، فحينما تتداعى مثل هذه المفردات والصور إلى ذهن الراوي الشخصية فلا يعني ذلك غير نسق للعنف ضاغط يفرض نفسه ويلح على منتج النص ومن ثم الشخصية المحورية في الرواية، ولو غيبنا المؤلف وتبنينا وجهة نظر (موت المؤلف) فالموقف لا يستدعي مثل تلك المفردات المعبأة بالعنف في موقف ذي بعد عاطفي جمالي لكونه ينظر إلى جيد فتاة جميلة فما الذي يدفعه إلى تلك الصور لرقاب منحورة؟!!
ولم يكتف الراوي المشارك بذلك بل تزداد نزعة العنف لديه إذ تتمثل بمفردات وعبارات لا صلة لها بصورة فتاة سمراء يعشقها، ويقول ((وبدا لي رأسها مفصولاً عن جسدها وقد امتلأ دماء.. أصرخ في أعماقي لست سفاحاً.. ما الذي يجعلني أفكر فجأة في قتل هذه السمراء المدهشة؟ وفي فصل رأسها عن جسدها كما يُفعل بجثة أي حيوان؟ لم تخلق إلا للحياة… وتردد صدى الوحش في أعماقي، أقطع رأسها أيها القذر وهي الصرخة ذاتها التي ظلت لسنوات تتردد في أعماق كأنما اسمعها لأول مرّة))()، هذه الأفكار التي تراود الشخصية ما هي إلاّ ضغوط النسق العنفي في أعماقه والذي تراكم في ذهنه ولا وعيه من دون أن تكون له يد فيه والنسق الثقافي للعنف ليس وليد هذه اللحظة إنما هي تراكمات تاريخية ومجتمعية وثقافية ملأت روحه فتمثلت بمفردات في سياق عبارات ذات منحى لعنف جسدي متوحش بل هو يحاكي نفسه ((ٍإنَّ هذه الفتاة خلقت للحياة)) ولكنّ وحش العنف في أعماقه يدعوه إلى الرغبة في قطع عنقها وظلت هذه الفكرة الوحشية مثل صرخة تراود ذهنه وتدعوه للعنف.
يضمن الروائي قصة السفاح الذي التقاه بمحض الصدفة بسبب عطل ألمَّ بسيارته مع أنَّ هذه الحكاية بصورها البشعة ليست ضرورية لتقنيات السرد الروائي بمعنى يمكن أن تأخذ شكلاً آخر أقل وحشية وعنفاً ولكن الأمر أخذ منحى آخر، ولنواجه هذه الجريمة بصفات العنف المرعب فيها على لسان الراوي بسرد ذاتي ((استلّ من باب السيارة مسدساً وضعه أمامه، فهمت الرسالة فسكتَّ وقد ازدادت دقات قلبي.. حين لحقتُ به كان كل شيء قد انتهى، كانت الفتاة جثة هامدة أمامي، وكان رأسها شبه مفصول عن جسدها… ما زال الدم يتدفق ساخناً يعانق سيول الأمطار، هزتني الدهشة لزمت مكاني كتمثال صخري بارد، أيَّ وحش قذر يفعل هذا؟))().
لم ينظر (ميشيل فوكو) إلى الجسد بوصفه شيئاً يمكن اختزاله بل نظر إليه بوصفه ((ذلك الحيز الذي تنزل عليه قوى القمع والتنشئة الاجتماعية والضبط والعقاب))()، فممارسة السفاح للقتل جزء من تكوينه السيكولوجي المدمر غير أن ما يلفت هي تلك الأفكار التي تنتاب الراوي الشخصية وهو فنان تشكيلي وديع يرغب هو أيضاً في فصل رأس الحسناء السمراء عن جسدها وهو يحبها ومع ذلك يرغب في ذبحها وإن كان على مستوى التفكير الذهني، وما نلاحظه أن الراوي حينما يواجه جريمة القتل بأم عينيه يصاب بالرعب والهلع النفسي وتهزه دهشة الواقعة بل يتهم السفاح بالقذارة لفعله الدنيء في القتل لكن ما يلفت النظر أنَّ الفاظ العنف تتكرر كثيراً في سياقات عباراته حتى في وصف لوحة مثلاً، فالنسق الثقافي للعنف قائم وضاغط على الروائي ومن ثم الراوي الذي هو قناع الكاتب أو هو صورة منه في بعض الأحيان وهو دور يقوم به الراوي بتحريك من الكاتب على أقل تقدير، فألفاظ القتل والتعذيب والتمثيل بالجسد تمثلات النسق العنف المتراكم في المضمر.
تتضمن الرواية أساليب للعنف أخرى متمثلة بالضرب والإذلال والركل فضلاً عن استخدام مفردة (الرعب) مصاحبة لتلك الحالة ((فجأة دفع حذاءه الملطخ طيناً في صدري مقهقهاً، دفعني لأهوي إلى عمق الوادي وانطلق مبتعداً… لم أكن خائفاً من رصاص القاتل الذي يمكن أن يعود أيضاً لتصفيتي… بقدر ما كان الرأس المنحور يطاردني يلعنني))()، ويبدو أن الراوي بإحساسه المرهف ومشاعره الإنسانية بدأ يحسس بتأنيب الضمير بسبب الموقف السلبي الذي دعاه إلى الصمت وهو يرى جريمة أمام عينيه ترتكب بحق امرأة جميلة بريئة وليس لديه الآن سوى الندم والشعور بالخيبة وهو يتخيل أنَّ الرأس المنحور يطارده في خلوته واطمئنانه بل يلعنه لأنه لم يفعل شيئاً سوى أن يهرب إلى الفراش، ((ثم تسللت داخل الأغطية لا لأنام ولكن لأقطع مسالك وعرة من الرعب الشديد))().
لم يصحُ (الراوي/ الشخصية) من هول الجريمة أو حادثة القتل التي تمت أمامه ببرود أعصاب مرتكبها، وظل –الراوي- يعيش في رعب متواصل ولكن بقيت مفردات العنف قائمة في أقواله وتعابيره ولاسيما حواره الداخلي (المونولوج) وهو يشعر بالهلع بل الصراخ وحيداً، ((اشتدّ صراخي وأنا أغسل يديَّ من الدم للمرة الألف دون جدوى، لم يكن أمامي هذه المرة إلاّ رأس السمراء ملقىً على الطاولة والدم يتفجر من أوردة الرقبة.. لم يبرح مشهد القتيلة خيالي، كم هو سهل أن تقتل أن تذبح ((يكفي أن تمتلك جرعة أكبر من الوحشية))()، فالجريمة بقيت تقلق نومه وتضغط عليه حتى في أحلامه فيفز مرعوباً من منظر الدماء والقتل وفصل الرأس عن الجسد، وكل ذلك يصب في ثقافة العنف وفي الدلالة النسقية له.
يعكس السرد الذاتي للراوي الشخصية صور القتل العنيف وقطع رأس الضحية بعد ذبحها مع أنه فنان يخلق الجمال ويرسمه بل تمثلت لغة العنف في وصف لوحاته التي رسمها فهو يراها ((كمشنوق يتدلى مصفراً من حبل العقد… فيما برزت أذنابها كألسنة أفاعٍ سامَّة))()، والغريب أن عدوى العنف بدأت تجتاحه على الرغم من اعتراضه ووساوسه على ما رأى لكن المضمر النسقي يتمثل في جمل ثقافية ذات دلالة نسقية كقوله ((حين ثبت بصري على جيدها تبادرت إلى ذهني الرغبة الجامحة في الذبح، ورأيت أوداجها تعجَّ دماً فوّاراً قانياً))()، وما يلفت النظر هنا هو الموقف العاطفي إذ يتحدث عن لوحة رسمها لحبيبته تفوح منها ألوان الحياة مع إضافة عقد أحمر (لاحظ احمر) على جيدها مع أنها لم تلبس عقداً في الواقع لكن نزعة العنف في أعماقه جعلته يلبسها عقداً بلون الدم مع رغبته الجامحة في الذبح وتدفق الدم القاني.
تختلط الرؤى على الشخصية المحورية التي تروي الحدث في هذه الرواية فيضيع بين الواقع والخيال ففي الوقت الذي يرغب برحلة مع حبيبته السمراء إلى البحر تحاصره فجأة نزعة العنف ووساوسها فإذا به وهو في لذة اللقاء مع الحبيبة على شاطئ البحر يقول: ((يتلون الماء حمرة، خيطٍ خيطان ثم تهدر أمواج الدم أراها مفصولة الرأس أحدّق في سمرائي جيداً إنها الفتاة المقتولة، يداهمنا قرش شرس يأخذ جزءاً منها اسحب من فكيه ما تبقى ابتعد صارخاً.. اللعنة ما هذه الخيالات المجنونة))()، فالوساوس والخيالات ظلت تطارده في أجمل لحظات حياته وهو يحاول جاهداً أن يبعدها عن مخيلته كونها وساوس حمقاء وهو يريد أن يعيش للحياة لا للموت في حبه للسمراء.
الغريب في هذه الرواية أننا لم نجد للراوي الشخصية اسماً ولا لحبيبته إنما نعثر على اسم صديق والده وشيء من ذكر لاسم والدته ولكننا نجد تغييباً لاسم الشخصية المحورية ولحبيبته التي يسميها (سمرائي) وأرى في ذلك شيئاً من جعل شخصية هي الإنسان في كل زمان ومكان يعني (آدم) الرجل وهمومه وكذلك (حواء) فتاته السمراء بأنوثتها وما يقع عليهما واقع على كل البشر من محن ومتاعب وممارسات لا إنسانية من أبناء جلدتهما في إطار الواقع الاجتماعي والثقافي والتاريخي، ((وحين كانت تشير بأناملها لحركة الصوفية في حلقات الذكر وبحالة الوجد التي يعيشها الحلاج أثناء صلبه.. كنت أرى الحلقات منشاراً الكترونياً للذبح وليس الصليب الأحمر إلاّ نهراً من الدماء))()، فالعنف كما يبدو من حديث الراوي يحاصر الإنسان على مدى التاريخ منذ هابيل وقابيل وما الحلاج إلاّ صورة لامتداد ذلك العنف في تاريخنا العربي الإسلامي حتى صار نسقاً ثقافياً يمتد في اعماق الجميع، بل ينقل (الراوي/ الشخصية) صورة بشعة لوالده بغطرسته العسكرية الفارغة ((تذكرت والدي العسكري في هذه اللحظة برز أمامي بمنهجيته وغطرسته رغم احتقاري له يوماً..))()، فالواقع العائلي نفسه مشحون بالغطرسة والعنف والانتهاك الجسدي إذ اغتصبه الجندي الذي كلفه والده بتعليمه وعاد مرّة أخرى بعد أن رفض الطفل ذلك الجندي من دون أن يذكر السبب خوفاً من والده الذي فرض الجندي مرّة أخرى، بأن يكون مرافقاً له بفرض حالة من القبول به، ((كان والدي يعهد بي إلى جندي يعلمني ولم أتجاوز السادسة من عمري غير أنّ اللعين استغل ثقة والدي فيه واعتدى عليَّ جنسياً في حديقة البيت الذي كنا نقضي فيه عطلتنا الصيفية.. وكم كان حنقي عاصفاً حين عهد إليه ثانية ورغم كل الضرب الذي تلقيته من والدي رفضت أن أبقى مع الجندي اللعين ثانية واحدة، أفٍّ والدي تريدني أن أكون جنرالاً ثم تسلمني لمريض حقير؟!))(). ((ورثت البيت عن والدي الضابط المتغطرس… أبي مات مقتولاً وأدركت للتو من فعلها لن يكون إلاّ الجيش الذي ينتمي إليه هنا سر ما يقف وراء تصفيته.. وجدنا والدي ميتاً أو مقتولاً في خلوته.. ظلت جثة والدي تطاردني أينما اتلفت))()، وبقيت تلك الصورة المؤذية المقترنة بالعنف تطارد الراوي بل يتذكر من طفولته كيف ذبح والده الديك وكيف تدفقت الدماء حتى تلطخت ملابسه ((وبمجرد أن صاح الديك ذبحه والدي، كان الديك يرقص رقصات الموت المعهودة .. وكانت دماؤه ترشني في كل جسدي))()، وعلى الرغم من المبالغة في وصول الدماء إلى كل جسده فهي تعبّر عن منظر بشع ظل يعاني منه الطفل الذي لا يجد تفسيراً له سوى قسوة الإنسان ووحشتيه وبشاعته.
لم تكن حياة الراوي المشارك بمنأى عن العنف منذ طفولته فهو لا ينقطع عن تذكر الممارسات العنيفة التي كان يقوم بها والده وهو يضربه أو يركله أو يخاطبه باحتقار يقول: ((كم بكيت بحرقة حين هاجمني كالكاسر المارد وهو يمزق كرّاسي الخاص الذي كنت أرسم عليه خربشاتي الأولى، ثم وهو يركلني بقدمه الضخمة فيسقطني أرضاً، ثم حين جفاني تماماً وأنا أرفض أن انتظم في الجندية معيَّراً إياي بالجبن.. مذ ذاك بدأت تكتشف لي عيوب والدي، كان مجرد وحش غليظ الطباع، عصبي المزاج، أناني الخلق، لم يكن الناس يحترمونه ولكنهم كانوا يخافونه وما كانت أمي إلاّ مخدوعة فيه))()، فالواقع الأسري اسهم كثيراً في تضخم نزعة العنف في ذهن الشخصية المحورية على ثقافتها وإنسانيتها وقدراتها الفنية لكنها لم تتخلص من النسق الكامن في أعماق الكاتب الروائي.
بقي العنف حاضراً في مجمل مفاصل الرواية متوزعاً بين العنف العائلي والعنف المجتمعي و العنف الجسدي و العنف النفسي وكل عنف يخلق عنفاً بسبب الخوف من الآخر وأنَّ صناعة العنف تكمن في العنف المضاد المصاحب له وإنَّ القاتل والضحية يعيشان ثيمة الموت بقوة العنف واستلاب الآخر ولهذا جعل الروائي السفاح بلا اسم والراوي بلا اسم والضحية (الفتاة) بلا اسم، ولغياب التسميات في تلك الرواية ما يدل على أنَّ العنف ليس محصوراً بأفراد إنما هو نسق متراكم في النفوس يتجسد بالسياقات الحياتية للناس بكل فئاتهم، وذلك بانتهاك جسد الإنسان بالقتل أو بالتعذيب أو بالضرب أو بالانتهاك أو الاغتصاب وعلى رأي (فوكو) أنَّ جسد الإنسان ما هو إلاّ ((الحد النهائي للتكيف الكامل مع تداول علاقات القوة))()، لقد اقترن العنف بانتهاك جسد الإنسان منذ فجر التاريخ الذي يحمل صوراً للعنف تبدأ بقصة القتل الأولى، المتمثلة بقتل قابيل لأخيه هابيل ولم تتوقف مسيرة العنف حتى صارت نسقاً ثقافياً يحمل بذرة الصراعات واقصاء الآخر وتغييبه، فالراوي على الرغم من رعبه من جريمة قتل الفتاة الحسناء نراه لا يتحاشى ذكر ما يدل على القتل وما يجتلبه من عنف تتدفق فيه الدماء وتذبح فيه حبيبته السمراء ولو في وساوس حمقاء ((لعلّة يريد لي أن أذبح سمرائي وإن لم أفعل هل سيفعل هو بدلي؟ ربما كل شيء ممكن وتخيلت سمرائي تسبح في بركة دم بالضبط كما كان يسبح فيها ديكنا ذو العرف الوردي العملاق))()، ولعلّ في تداخل الطفولة مع الواقع الحاضر ما ينم عن تداعيات صور العنف في نفس الراوي منذ أن ذبح أبوه الديك وهو طفل وتدفق الدم حتى غطىّ جسده ومن ثم ركل والده له وقسوته في ضربه فضلاً عن انتهاك جسده بالاغتصاب من لدن الجندي الذي كلفه الوالد بتعليم ابنه.
على الرغم من هموم الشخصية المحورية (الراوي/ المشارك) باقترانه بحبيبته السمراء وزواجه معها وتحكّم والدة الحبيبة بها لكنه ظلّ محكوماً بتداعيات العنف بل حتى مخيلته باتت مثقلة بذكريات العنف وهو يختار لوحات فنية عالمية يقول ((انتصبت في مخيلتي جدارية الجورنيكا المفزعة المدينة لهمجية الإنسان ضد أخيه الإنسان المنددة بالحروب وسفك الدماء))()، بل حتّى دموع والدته يراها من زاوية ثقافة العنف فهي ((دموع منتحرة)) يقول: ((ولاحظت حيرة لدموع اضطربت في عينيها تشتت بشرفة الرموش ثم تهاوت منتحرة))()، وكأن ليس هناك من صفة للدموع سوى لفظة الانتحار الدالة على الموت العنيف وانتهاك الجسد، بل حتى حينما ولدت أمّه طفلة جميلة أختاً له نراه يفكر بطريقة فحولية عنيفة صادمة ((قدمتها لي والدتي لأقبلها لم أزد على أن دفعتها بعيداً وأنا أشير بيدي الصغيرة أني سأذبحها))()، ويبدو أن النسق الثقافي للعنف متمكن من ذهنية الطفل من دون وعي لأنَّ قوله سأذبحها لا يناسب المقام ولكن تداعيّات النسق الفحولي العربي الرافض للبنت كونها مصدراً للعار والأسر والعبودية هو الذي دفعه إلى قول ذلك بكل بساطة وإلاّ ما الذي يدفعه إلى مثل ذلك الكلام العنيف في موقف عاطفي بمناسبة سعيدة هي ولادة أخته الصغيرة؟! فمن هذا المنطلق نرى أن النسق المضمر للعنف يتداعى في لا وعي الشخصية ومن ورائه لا وعي الروائي كما يتضح.
بدت عواطف الشخصية المحورية ذات تداعيات عنيفة كما لحظنا قبل قليل إذ تلاحقه مفردات العنف وهو في أوج فيضه العاطفي تجاه والدته أو والده أو أخته أو حبيبته السمراء وهو بذلك يجسد نسقاً ثقافياً مضمراً للعنف له تمثلاته الخارجية بعبارات العنف الصارمة المعبرة عن ذهنيته وتداعياته النفسية إذ ليست العواطف ((مجرد شعور داخلي إنما لديها مرجعية خارجية بالإشارة إلى وضع شخص أو أداة أو حالة ما، وتصبح العواطف في نظريات تقييم العاطفة (هادفة) بمعنى أنها موجهة نحو أهداف في العالم، بأنَّ العواطف أكثر من مجرد احاسيس حول العالم أنها طرق للوعي بالعالم.. تحرض الإثارة المؤلمة بعض الأعمال العدائية فمعظم الحالات التي تقود الناس إلى العنف تتمثل بالإهانات أو التحديات الكلامية أو المعاملة غير العادلة… يتعلم الناس كره الناس الآخرين أو مهاجمتهم أما عبر مواجهات مباشرة وعنيفة معهم أو عبر تجارب إنابة رمزية تستحضر الكره))()، ومن ثم العنف فالشخصية المحورية تشعر أنها مستهدفة من السفاح الذي ارتكب الجريمة وحينما جيء بـ(الراوي/ الشخصية) للاستفسار عن التهديد الذي تعرض له بناء على اخبار أمّه للشرطة شعر في اعماقه أنه تلميذ لذلك السفاح وكأنّ السفاح أعطاه المبرر لأفكاره التي تحمل طابع العنف ((ماذا لو طلب مني أستاذي السفاح أن أزهق روح الضابط المسكين سأعلقه كجرذ في سلك ثخين وسيشاع أنه انتحر والسلام)) وتخيلته أمامي يترجاني باكياً ألاّ أفعل وهو يذرف دموعاً منافقة… ولكني كنت صارماً انفذ التعاليم بدقة وأهيئ نفسي لذبحه من الوريد إلى الوريد…))()، فالتخيلات الحمقاء لمثل هذا العنف لها أساس من الواقع لكونه يكره الضباط القائمين على التحقيق لعدم عدالتهم أو لأنه يشعر أنهم جزء من النظام السلطوي الظالم ولذا فهم لا يستحقون الرحمة في مخيلته، وبالمحصلة تبقى مفردات العنف قائمة حتى في مخيلته تعبيراً عن رغبته فيه نزولاً عن النسق الثقافي الضاغط داخلياً والحامل لذلك العنف بل إنّه يتخيل أنّ السفاح يطلب منه ذبح حبيبته السمراء بل يتخيل وضع وريقة موضوعة في باب غرفة الفندق الذي جاءا ليستجما فيه مكتوبة بخط واضح ((أذبحها طال انتظارنا))()، فلم تكن تلك الورقة سوى من وساوسه المريضة بالعنف وهو يعترف أن السفاح بكل عنفه الدموي يلاحقه أينما حلّ طلباً لراحة البال ((وقفز إلى ذهني السفاح الذي لا يعدو أن يكون استعماراً مصغراً هل يمكن للفن لو دخل السجون أن يصقل النفوس المريضة ويرتقي بها عن انحرافاتها يقيناً سيفعل ذلك فمن يحب الجمال يحب الخير))()، تلك هي مشاعر الشخصية متناقضة متلاطمة يحركها العنف مرّة والفن والجمال أخرى لكن تبقى مفردات العنف هي الأكثر حضوراً في مفاصل الرواية.
تستحضر الرواية من خلال حاضر الشخصية نسق العنف حيث نجد الراوي المشارك يعيش حالة من التأزم منذ رؤيته للجريمة التي ارتكبت أمام عينيه بل هو قبل ذلك كان يتحدث بلغة العنف ولكن ليس بالتأزم الذي حصل بعد ذلك مما سبب له نزعة فيها كثير من العنف في جمله الملفوظة والمفردات التي تحتويها حتى ولو كان الحوار داخلياً، فكل ما في الشخصية يحيل إلى العنف ذاكراتياً وأعني علاقته بوالده وموقفه من أخته ورغبته في قتل حبيبته بل حتى لوحاته الفنية التي يرسمها كانت مثار عنف حين يتأملها إذ نلحظ أن الراوي الشخصية يستحضر الماضي لا لشيء إلاّ ليثير حنقه على والده وذبح الديك أمامه والجندي الذي اغتصبه، فالثنائية الزمنية الحاضر والماضي تعتمد على ذاكرة الشخصية وهي تحمل تداعيات العنف في مجمل المواقف حتى زيارة قبر الأب صارت تعبيراً عن خنق الشخصية على واقعه الحاضر ((لم أكن أرغب إلاّ في زيارة قبر أبي لا لشيء إلا لأصرخ فيه وألعنه.. يزعم متفاخراً أنه كان ضابطاً كبيراً وها هو الأمر يصلني اليوم بأخلاء المسكن الذي انفقت عليه الكثير ليكون عشّا لي مع حبيبتي ظاناً أنه أجمل ما ورثت عن والدي))()، والماضي متصل بالحاضر والألم ضاغط على ذهن الشخصية مما يثير لديه رغبة في العنف حتى لو كانت متخيلة هو في واقع الحال لم يمارس أي سلوك عدواني ذي منزع عنفي على أي إنسان في الرواية لكن نسق العنف ظل ضاغطاً عليه في كل حين، بل حتى في حديثه عن القهوة نلحظ ألفاظ العنف بادية المعالم مع أنّ الروائي كان يمكن أن يستخدم مفردات غير تلك المتعلقة بالعنف وهو في معرض تسلل رائحة القهوة التي تطهى على مهل ((فتغتال هذا التعب الذي أنشب فينا أظفاره))()، فالأمر لا يستدعي مفردة (الاغتيال) ولا (نشوب) الأظفار لكن نسق العنف لا يترك للروائي اختياراً آخر.
لم يتخلص الراوي الشخصية.. من هلوسات الرعب الذي يعاني منه بعد أن رأى السفاح يقطع رأس الضحية ببرود أعصاب ويسرق حقيبة في سيارة القتيلة وركل الراوي بقدمه ليقع في وحل الوادي إذ بقيت ذاكرته تستدعي الحدث وما صاحبه وظل السفاح هو الهاجس الذي يضغط على مخيلته ليتذكر مفردات الذبح والدم والقتل ((يمكنه أن ينفذ جريمته في حقها حتى وإن يذبحها وهي على فراش المرض.. هل يمكن أن يكون هذا الأحمق من اتباع السفاح أرسل لذبحي أو ذبح سمرائي))()، بقي الشك يحيط به ويكدر عليه صفاء نفسه حتى أنه لا يطمئن لمن هو واقف عند عمود الكهرباء لسبب أو لآخر وبحسب قوله: ((جحافل من الشكوك باتت تهدّد قلاع اليقين في نفسي كلما ضربت أوتاداً للاطمئنان عصفت بها ريح الوساوس.. لفت انتباهي شاب في الثلاثين يقف متكئاً على عمود كهربائي بنفس الوقفة التي رأيته عليها بالأمس أيضاً.. ذكرني ارتفاع شفته العليا قليلاً بتكشيرة الكلاب بل بمصاصي الدماء من البشر، وأرتج وأنا أتذكر السفاح، الويل لي لن يكون هذا إلاّ من اتباعه وما وجوده هاهنا إلاّ للتربص بي وذبحي كما تذبح الشاة، أنا في عرف عصابتهم خائن مرتد ولعلّهم اصدروا فيَّ حكماً بالذبح))()، فالراوي الشخصية يعيش حالة من الوسوسة الحمقاء كما يسميها تجعله يفكر بالقتل والذبح والدماء والعنف إذ تحولت طبيعته الطيبة الفنانة العاشقة للجمال إلى طبيعة تستعذب العنف وتخاف منه في الآن نفسه وصارت طبيعته شريرة في هواجسها فقط.
لقد أعاد الراوي صور العنف المصاحبة للجريمة التي عاش أحداثها وتداعياتها مرّات عدّة ولكن بهواجس مختلفة فمرة يتخيل أن العنف سيطال حتى أمّه وأخرى نفسه وثالثة حبيبته بل ينعكس أحياناً فيتخيل نفسه هو السفاح وفي كل ذلك تظهر الفاظ العنف بصورها البشعة في كل مرّة نراها موظفة في صياغات تعبيره بطريقة تثير الاشمئزاز، وفي ظني أن الروائي بلا وعيه أعاد نسق العنف المختزن في أقصى الذات وجعل الراوي الشخصية امتداداً لذلك النسق وتداعياته ودلالاته العنيفة مع أن الرواية ذات بعدٍ رومانسي جمالي شاعري ترسم علاقة الحب بين فنان تشكيلي وفتاة سمراء هي الأخرى فنانة تشكيلية ترسم لوحات جميلة، ((مع افتراض وجود تاريخية لغوية داخلية على النقيض من الدافع العنيف أو الرغبة في اللاوعي يصبح العنف جزءاً من التاريخ الفعال لبيئة الخطاب الرمزي الاجتماعية التي تؤثر في فهم الذات والسياق اللذين يجد المتشاركون أنفسهم فيها كجزء من موروث محفوظ من التاريخ وهو هنا موروث الانساق الثقافية للعنف))()، ولقد لعبت المخيلة التي يحملها الراوي دوراً في سخرية الأقدار وعبثيتها حين طالت القيم الإنسانية والاجتماعية بسبب العنف الذي حير الشخصية في غربة ومنفى داخلي وهو بين معارفه ومجتمعه بل حتى حبيبته، وسيبقى لنسق العنف ثقافة تعصف بنا حتى نمحو من ذاكرتنا التعصب والتطرف ونؤمن بالتعددية الثقافية وتقبل وجهة نظر الآخر ويؤمن الآخر بتقبل أفكارنا من دون أن يؤمن بها حقاً.
الاحالات :
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق