ثقافة السرد

الذاكرة

أميمة الخش

أريد أيها القرَّاء الأعزاء أن أطرح عليكم سؤالاً أرَّقني لفترة من الزمن: هل يمكن أن يعيش الإنسان حياة إنسانيَّة بكل ما تعنيه هذه الكلمة، من غير ذاكرة؟ أي هل يستطيع أن يشطب على ماضيه كلِّه بجرَّة قلم، وأن يعيش اللحظة الراهنة فقط؟ وأيضًا من غير أن يفكِّر في المستقبل أو يبني له؟

هي مجرَّد أسئلة أطرحها الآن فقط للتفكير في إجابات قد تكون مختلفة بعضها عن بعض، أو متناقضة، فهذا لا يهمُّ. المهم أن التفكير في الجواب يحرِّض البحث عندنا للوصول إلى جواب يقرِّبنا فعلاً من إنسانيَّتنا، لأن كل ما يقرِّبنا منها من تفكير وفعل وسلوك هو الأصيل وهو الصحيح. أعود فأقول: للوصول إلى الجواب سيفكِّر البعض بالبحث فيما حولهم، أي بعيدًا عنهم، أو ربما سيستشيرون حوَّاسهم، أو فكرهم الأدنى، وسيتصارعون مع كل الأجوبة التي ستردهم ممَّا ذكرناه. وفي النهاية لا أظن أنهم سيعثرون على جواب يجعلهم يضعون رؤوسهم فوق وسائدها، ثم يغطُّون في نوم عميق بعد دقائق، إلا إذا كانت ضمائرهم مخدَّرة كأكثر خلق الله في أيامنا هذه. إلى أن يأتي يوم يحلم فيه أحدهم – في ليلة صيفيَّة غاب فيها القمر – بأنه معلَّق بين السماء الخالية إلاَّ من نور ضعيف يأتي من نجوم صغيرة وبعيدة، وبين مكان وجوده، فيرفع رأسه لفوق كي يستطلع ما فوقه علَّه يجد جوابًا مكتوبًا بخط أبيض واضح على صفحتها المُعتمة، فلا يرى شيئًا! ويعود ليخفض رأسه، ويدخل أعماقه الخفيَّة – كما سمع مرة في محاضرة لباحث في النفس الإنسانية – ويظل يغوص، ربما دهرًا، لكنه في النهاية يعرف ما لا يعرفه غيره.

كنَّا مجموعة من الأصدقاء المفكِّرين (ولن أقول المثقَّفين، حتى لا نُحسب من ضمن أولئك الذين تطفَّلوا على الثقافة حين جعلوها ثقافة أقوال لا علاقة لها بسلوكهم في الحياة وضمن مجتمعاتهم. كانت صداقتنا وثيقة، لأنها جاءت نتيجة أفكار مشتركة، عميقة ومتفرِّدة، تنطلق من الإنسان لتشمل العالم والكون. اجتماعاتنا تتمُّ في بيوتنا وبالتناوب، أو في أحد المقاهي التي نختاره مسبقًا. كنَّا نطرح أمامنا أسئلة كبيرة وعميقة: “لماذا وُجدنا؟ ماهي الغاية؟ ما دور الإنسان إبَّان حياته؟ إلى أين يذهب بعد موته؟ ما معنى الموت؟ ما معنى الخلود؟ أين الله؟” أسئلة كثيرة نضعها أمامنا فتبدو كأصداف ملوَّنة على صفحة فكرنا. أمَّا الأجوبة فلم تكن نهائيَّة أبدًا، وتظلُّ مفتوحة، تتقارب أحيانًا فيما تركض وراء كونه حقيقة، وتتباعد أخرى. وكثيرًا ما كان بعضها أو حتى أكثرها يتغيَّر مع تعدُّد وتغيُّر اختباراتنا في الحياة وتطوُّر قراءاتنا واطلاعاتنا على تجارب من سبقونا من المفكِّرين والباحثين.

كان أحد الأصدقاء يقول: “الذاكرة هي الأنا التي تعذِّبنا وتمنع تطوُّرنا الروحي”. وكنتُ أجاوبه: “الأنا ليست ذاكرة رضيَّة انفعاليَّة، كما تقول، بل هي بُعدٌ من أبعاد الشخصيَّة الخارجيَّة، أي القناع، المشحونة بالرغبات والأهواء، تملُّك، حبُّ الظهور، سيطرة، طموح تحوَّل إلى جشع نتيجة إحساس بالنقص. وهي نابعة من الفكر الأدنى الفاعل في مستويات النفس الدنيا”. ولكن صديقنا كان يصرُّ على أن الذاكرة هي “الأنا”. كنتُ أسأله: “هل يستطيع الإنسان، يا صديقي، أن يتخلَّى عن ذاكرته، أعني عن ذلك الجزء العاطفي من الذاكرة، ذلك الجزء المُتعلِّق بالمشاعر، والأحاسيس المرتبطة بالقلب مباشرة، مشاعر الحنين، التعاطف، الألم، الحب، اللهفة لرؤية شارع، أو طريق في بلده أو في بلد آخر عبره في يوم ما مع إنسان كان يحبه؟ الأماكن التي جلس فيها معه، واحتسى قهوته المفضَّلة؟” أو لأقل حين تدخل أنوفنا رائحة اعتدنا أن نشمَّها على جسم حبيب سابق! هل يمكن أن نعطِّل ذلك الجزء العاطفي من ذاكرتنا، فنتمتَّع بالبلاد والأماكن والطرقات والروائح بشكل حياديٍّ تمامًا؟

كان صديقنا يصرُّ على فكرته “بلى نستطيع إن تخلينا عن “أنانا” لأن هذه الذاكرة العاطفيَّة التي تتحدثين عنها، يا صديقتي، لها علاقة بتضخيم “الأنا” فأنا حين أتذكَّر ماضيَّ الذي أحببته أنفخ في ذاتي الظاهرة أي في “أناي” وكأني أقدِّم لها ما يحجبها عن الحاضر الذي يجب أن تعيشه بكل تفاصيله الجديدة”.

في يوم ما تركنا هذا الصديق، وترك على طاولة المقهى الذي شهد حواراتنا، قصاصة ورق يقول فيها: “أصدقائي.. اعذروني.. سأذهب إلى المكان الذي أنتمي إليه”.

لن أقول إننا لم نحزن يومئذٍ وأننا جلسنا حول الطاولة صامتين. لم تخرج كلمة واحدة أو تعليق واحد من فم أحدنا. هكذا ودَّعناه بصمت حزين. ولن أقول إننا لم نفتقده، فهو في النهاية صديقنا، ولكن صديق مختلف عنَّا بأفكاره التي استمعنا لها واحترمناها.

بعد غياب صديقنا بحوالي أسبوع، بعث إلينا برسالة عنوانه عليها. كتب فيها إنه مرتاح، وتغمره السكينة. يقضي معظم وقته في التأمل من على صخرة تُشرف على البحر. ارتحنا لأخباره، وراسلناه باسم الجميع. في رسالة أخرى منه، بعد أشهر، قال فيها: إنه تعرَّف إلى صديقة تحمل أفكاره ذاتها، وهو سعيد بصحبتها. كنَّا نقرأ رسائله حرفًا، حرفًا، ونغوص وراء كلماته علَّنا نجد الحقيقة التي عرفناها فيه منذ أن انضمَّ إلى صُحبتنا، والتي تغيَّرت دون إنذار حتى صعقتنا! لكننا فشلنا، وفشلنا قادنا إلى مراسلته أكثر مَّما كان يفعل. كنَّا جميعًا نترقَّب… ننتظر شيئًا ما، دخل إحساسنا واستقرَّ فيه، وراح يكبر مع كل رسالة تصلنا منه. بعد مرور سنة على غيابه، وصلتنا رسالة عليها عنوانه، لكنها لم تكن بخط يده! قالت صديقته فيها: “أراد صديقي أن يُعيد له البحر ذاكرته التي قتلها بقسوة. في ورقة تركها على مكتبه قال لي: اذهبي يا صديقتي إلى الصخرة التي كنتُ أجلس عليها، أتأمل البحر”. على الصخرة كتب بخط يده: “أردتُ أن أستعيد ذاكرتي، الحياة التي بدأت من هنا”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق