قراءات ودراسات

رهانات العملية الإبداعية الخلود/ الاندثار

قلم :  فاطمة نصير*

قديما برعت شهرزاد في فعل الحكي ، حيث ظلَت ألف ليلة وليلة ، تحكي للملك السعيد / شهريار ، قصصاً خيالية مشوقة قوامها البطولة ومغامرات العشق والغرام وكواليس الملوك والحريم والغلمان في القصور، إضافة حضور الخرافات والأساطير وكل ما له علاقة بالغيبيات (العفاريت والجان …). كانت القصص التي ابتدعتها المرأة الداهية / شهرزاد عبارة عن فِدية لحياتها وحفاظاً على بقائها، ليس البقاء فقط بل البقاء الذي يضمنُ لها شوق ولهفة شهريار كلّ ليلة حتى تواصل له حكاية كانت قد سردت جزءا كبيرا منها في الليلة الفارطة وتوقفت عند  نقطة حاسمة ومشوقة من محور سيرورة  الأحداث، وطبعا التوقف عن السرد عند شهرزاد ـ كما هو معلوم ـ كان مرتبطاً ببزوغ الفجر وصياح الديك.

مارست شهرزاد قوتها  ، استنادا إلى الغواية السردية التي كان لها سلطان أكثر قوة من الغواية الأنثوية  ، فعاشت مع ملك متجبر سفَاح أخذ عهداً على نفسه أن يتزوج كل ليلة ويقتل زوجته/ الضحية في الصباح بل نجحت في ترويض رجل شرس يسكن في أعماق الملك شهريار  ..

فسَر بعض الدارسون بأنّ شهريار كان يقتل النساء اللواتي يتزوجهن خوفاً على ملكه وعدم استئمانه للنساء وخوفه من غدرهن ، وهناك من رأى أنَه كان يقتلهن تعبيرا عن الترف الذي كان يعيشه فهنَ بالنسبة له في عداد المتاع الذي يتوجب عليه أن يغيره باستمرار..بل كل يوم!!

عندما نقرأ خطَة شهرزاد في الحفاظ على البقاء عن طريق العملية السردية نرى أنها مغامرة جريئة كانت تحتمل النجاح والفشل ، لكن لو أمعنا النظر لوجدناها قد اتكأت إلى قناعة راسخة بأنَ حكاياتها هي صفقة ناجحة لاستمرارية حياتها ، إذ أن ّ ما قدَمته في حكاياتها على مدار ألف ليلة وليلة جذب المتلقي الأول / شهرزاد (الملك والزوج) وقد كان ذلك قبل قرون غابرة ، ولا يزال نفس النص لأيامنا هذه يستقطب القراء/المتلقين .

هنا يقف المتلقي في كل عصر  متسائلا ً عن سرَ نجاح هذا النص ، الذي كان في الأساس رهاناً للحفاظ على حياة شهرزاد ، للإجابة على مثل هذا السؤال نستطيع القول أن نجاح النص السردي ، لا يكمن في نقل القصة وصوغها لغويا بالتركيز على المورفيمات والمونيمات ، بل إن العملية السردية أعمق من ذلك بكثير ، فعلى السارد إتقان العديد من الآليات ـ بعد اللغة طبعا ـ كالحبكة الفنية ، وتوظيف الشخصيات وحسن اختيار أسمائها المطابقة لأدوارها وهيأتها كما هو مرسوم داخل النسيج السردي ، الأمكنة/مسارح الأحداث ، الأزمنة المطابقة للأحداث والمعبرة عن جيل الشخصيات،الموضوعات ، ولا ننسى ثقافة السارد التي لها دور كبير جدا في الكتابة السردية  ، بالإضافة إلى الأسلوب الذي هو بصمة السارد وجواز عبوره إلى قلب وعقل المتلقي، فالأسلوب وإلى جانبه اللغة والبناء هي مكونات  بإمكانها أن تضمن للنص الخلود أو الاندثار في سنواته الأولى .

كثيرا ما نلاحظ عدداً هائلاً من الروايات تجذب القراء بعنوان تجاري أو بتصدر اسم مؤلفها الذي ملأ الدنيا وشغل الأقلام ، ولكن بمجرد قراءة صفحتين أو ثلاثة من الرواية لا نعثر على ذلك الخيط الخفي الذي يكون بين بعض الروايات وقرائها ، وبذلك يكون مآل تلك الرواية الاصطفاف في رفوف المكتبة لأجل غير مسمى وفي انتظار ما لا يعلم .

في المقابل يوجد الكثير من الأعمال السردية لروائيات وروائيين ، أثبتوا بجدارة استحقاقهم لامتلاك مفاتيح القلاع السردية ، ولا علاقة للشهرة  والحملات الإعلامية و الإشهارية  بذلك ، فهناك الكثير من الأسماء المغمورة تكتب باحترافية عالية وجودة منقطعة النظير ، تلك هي الأقلام التي اكتشفت سرَ المهنة ـ إن صحً القول أو التعبير ـ هي أقلام لا تأخذها بهاريج الأضواء والشهرة وحفلات التوقيع …وغيرها ، هذه الأقلام ظلت مغمورة لأنَنا حاليا نعيش في زمن رأسماله المجاملات والزيف ، فحتى الكتابة أصابتها حمى النقد المجاملاتي  وانفلوانزا التكرار  وتيفوئيد العبثية  ، فالأديب المشهور يزداد شهرة والمغمور يزداد تغييبا وتهميشا ، والأساس الوحيد في ذلك هو المجاملة دوماً  .

إن كانت شهرزاد قد حققت  شيئان  بفعل العملية السردية ، في الوقت الذي كانت تراهن على شيء واحد هو حياتها وبقاؤها وخلاصها من موت مخطط لها سلفاً  ، الشيئان هما :

أولا : هو خلود حكاياتها المغرية والقابلة لاستمرارية القراءة والمتابعة رغم المآخذ التي كتبت حولها ، خاصة من ناحية الطرح أخلاقياً وعقائديا  .

ثانياً : هو انتساب السرد للمرأة بشكل عام وشهرزاد بشكل خاص ، فهي التي فتحت بوابة الحكي والقص واقتحمتها ، ثم سار على خطاها الرجل ، الذي كثيرا ما برع في الشعر واستفحل في قوله ، حتى أطلق قديما على  الشاعر الفذَ لقب ” فحل ” ، فيقال الشاعر فلان من قبيلة كذا هو من فحول الشعراء ، وفي هذا إشارة إلى الرجل عندهم عندما يكون شاعراً ناجحاً يضاف إلى شخصيته وحضوره أمر يفتقده من لم يؤت موهبة الشعر ، هذا الأمر هو التأثير بالقول على شيوخ القبائل  وترهيب العدوَ ولمَ شمل العامة …وغيرها ، أمّا الاعتراف بوجوده  فقد كان يعلن رسميا يوم يبزغ نجمه ويفيض بالقول شعرا، حيث تذبح على شرفه الذبائح وتقام الحفلات ، إيذاناً وإعلاناً بشاعريته .

الشعر للرجال والسرد للنساء ..!! تلك مقولة تراجعت آلاف الأميال في زمننا الحالي، حيث اقتحم الرجل عالم السرد وبرع فيه مثل براعته في الشعر ، بل ربما يفوق المرأة  في بعض الأحيان ، وولجت المرأة عوالم الشعر فأبلت فيها بلاءً حسناً وأثبتت المرأة المبدعة / شهرزاد ، حضورها سردياً وشعرياً .

سجلت شهرزاد اسمها وحكاياتها في سجل الأعمال الخالدة ، من حيث لا تعلم أن حكاياتها التي افتدت بها نفسها قد شقّت طريقها للبقاء لقرون وقرون بعد موتها وموت شهريار وزوال ملكه .

فهل ينجح أدباؤنا اليوم في تخليد إبداعاتهم ؟ هذا السؤال نستطيع طرحه ولا نستطيع الإدلاء بإجابة قطعية له ، فكلَ الإجابات تدخل في حيَز الممكن ،وتتمرد لتخرج من الدائرة نفسها وتتحول إلى اللاممكن .

الجواب المقنع تمتلكه الأجيال القادمة بعد قرون إن وصلت لهم بعض الإبداعات التي خطَها أدباؤنا المعاصرون ، فطريقة استقبالهم للنص المعاصر الذي سيغدو يوماً ما قديماً هي التي تقرر غيابياً خلوده أو اندثاره .

ــــــــــــــــــ

* ـ أستاذة بقسم اللغة والأدب العربي (جامعة 20 أوت 1955 سكيكدة)/ الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق