قراءات ودراسات

رائحة الأسرار

مجموعة قصصية قصيرة بقلم صباح عبد النبي

دراسة د.عطيات أبو العينين

رائحة الأسرار مجموعة قصصية قصيرة للكاتبة صباح عبد النبي صادرة عن إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي فرع ثقافة الجيزة عام،2019 تقع في ثمانين صفحة وتحتوي على اثنين وثلاثين قصة قصيرة تمس الواقع المرير الذي نعيشه، وتكشف المستور عن علاقة الرجل بالمرأة أي تفشي الأسرار، العمل بداية يقرأ من العنوان أو العتبة الأولى للنص وهو “رائحة الأسرار”، العنوان من كلمتين الكلمة الأولى رائحة والثانية الأسرار، وبرغم أن الكلمة الأولى جاءت نكرة إلا أنها عرفت بما أضيفت له وهي كلمة الأسرار، بل ومنحتها صفة مجازية ليست بها، فالرائحة هنا للأطعمة ، ولا تفوح الرائحة إلا عندما ينضج الطعام، فتنتشر الرائحة مثلا ودائما يقول العامة الموضوع رائحته فاحت بمعنى أن السر ذاع وانتشر، فلقد حمل العنوان بلاغة وتشبيها من خلال استعارة مكنية، وفي الغالب لا تذاع الأسرار التي لها رائحة جيدة أو الأخبار السارة ولكن تذاع الأخبار ذات الروائح النفاذة، أو بمعنى آخر الفضائح.

يطالعنا اهداء الكاتبة:” إلى عمري الذي عاشته الأيام وحدها” الحرمان حرمان الإنسان، وما بالك بحرمان الأنثى من أشياء كثيرة لم يعشها، فالحرمان هو ما يولد الشعور بالألم، وغالبا ما يكون الألم ملهما للإبداع، وفقت الكاتبة منذ البداية في اختيار عنوان للمجموعة القصصية رائحة الأسرار، البداية استعارة مكنية فهل للأسرار رائحة هل تستعير رائحة من العطور برائحتها الجميلة الأخاذة، أومنها الروائح النفاذة ويمكن تطبيق ذلك على الأطعمة منها أيضا ما يحمل الرائحة الطيبة ومنها أيضا ما يحمل روائح نفاذة.

1-موت نصفي: القصة الأولى جاءت اللغة بسيطة غير متكلفة أو مصطنعة أتقنت الكاتبة، تصعيد الحوار، توضح لنا مدى ما يعاني منه المجتمع من تفسخ في العلاقات العائلية، والمتأمل للعنوان إذا ماربطناه بالنهاية نجده يرتبط ارتباطا وثيقا، فلم يهتم البطل بالرد على أخيه الأكبر، وخشي أن يعزمهم على إفطار في رمضان، وهنا كأن الكاتبة تربط بين البخل في العطاء والبخل في الحب والمشاعر، فالكرم لا يرتبط بالفقر أو الغنى، ولكن الكريم من يجود بما لديه ولا يعطي حججا واهية، استعانت الكاتبة بمثل شعبي على لسان الزوج” قالوا للجمل زمر قال ياريت صوابعي مبرومة ولا شفايفي مضمومة” فهو يعبر عن ضيق ذات اليد، وتراثنا العربي مليء بالحكم والمواعظ والأمثال، وهنا معنى المثل طلبوا من البعير أن يزمر فاعتذر عن غلظة شفتيه وخفه أي كناية عن صعوبة ظروفه المادية. وهذا المثل يروي على عدة وجوه مثلا قال لا أصابع ملمومة ولا حنك يفسر وهي رواية لأهل الصعيد، وهذا المثل يضرب لتكليف شخص ما بشيء لا يحسن عمله ولا يليق به.

قصة هذا المثل: أنه في قديم الزمان في إحدى القرى، مرت عجوز من القرية على إحدى الدور وكانت هوزه العجوز تتاجر في الأقمشة وتبيعها إلى نساء القرية، فرأت طفلة تلعب أمام الدار التي قصدتها، فاستأذنت العجوز في الدخول، واستقبلتا صاحبة الدار وأثناء حديثهما تذكرت العجوز أنها نسيت إحدى الأقمشة في دارها، فطلبت من صحبة الدار إرسال الطفلة لتحضر الثوب من دار العجوز، فردت صاحبة الدار قائلة: قالوا للجمل زمر قال لا شفايف ملمومة ولا صوابع مبرومة، وهذا كناية عن صغر سن الطفلة وعدم استطاعتها الذهاب لأي مكان، لأنها لا تدرك الطرقات بعدها صار قولها مثلا. وتشير الكاتبة أننا نعيش في غيبوبة تتفسخ علاقاتنا وإنكارنا إلى صلة أرحامنا.

-رائحة الأسرار: القصة الثانية التي حملت المجموعة اسمها رائحة الأسرار، وسوف أطلق عليها بالمعنى الدارج “قد الكف ويقتل ميه وألف” أو سر الأسرار أو خزانة الأسرار أو ميدالية مفاتيح الأسرار حيث:

تسر لنا صباح عبد النبي في كل قصة بسر من الأسرار التي فاحت رائحتها واستشرت في المجتمع، لكن في قصة رائحة الأسرار في كل سطر سر، وفي كل جملة سر من الأسرار، كل شيء زائف وغير حقيقي ومصطنع فالسر الأول:

أ-“كنت أعرف أن اللمعة التي تضيء في عينيه تحت النظارة الشفافة ذات الإطار المذهب، ما هي إلا عدسات لاصقة من نوع غالي الثمن”، أي أنها ليست لمعة الحب أو الذكاء.

ب- السر الثاني: “وأعرف أن الأسنان المصطنعة بدقة ونظام، ما هي إلا طقم من “البرسلين، بمهارة فائقة رصه طبيب في حي راق بمهارة فائقة”.

ج- السر الثالث: أن أسنانه صناعية وسر الحبوب الوردية حيث دمجت الكاتبة بين عدم استطاعته أن يأكل بأسنان طبيعية أو يمارس فحولته بشكل طبيعي فطري دون الحبوب الوردية، فهي تعتبر أيضا صناعية، تلك “التي يناولها إياه الصيدلاني بعد همس حذر أعرفها حين يدسها في جيب سترته البيضاء الفرنسية الصنع تحت المعطف الأسود والتي تفوح منها رائحة العطور اللندنية”، أي أنها تتهمه في فحولته.

د‌- السر الرابع: “أعرف أنه يصف في حافظة نقوده أوراقا خضراء متساوية كل يوم، عند خروجه صباحا، وأسمع طقطقة باب الخزينة عند المساء”.

ربما هذا السر الوحيد الذي يميزه كصاحب مال، لكنها سرعان ما تسحب الميزة لأنها تتهمه بالبرود وكأنه ينقل هذه المشاعر إليها، عندما يضمها إلى صدره” ترعش قلبي تراكمات ثلجية” أي أنه ينقل لها ويتعامل معها دون مشاعر ودون حب وتنهي هذا السر بأنها تتقوقع لأنها فقدت الأحلام والدفء ” أتقوقع فيما تبقى لي من دفء الأحلام”.

ه- السر الخامس: السر الخامس في قصة رائحة الأسرار ” أعرف ماذا يجري كل مساء على صفحة اللاب توب مع فتيات المغرب وروسيا والقاهرة ومومباي، فتهرب من انحرافاته وشطحاته أنها تتناوم لتنسى أو تغض الطرف عن أعماله” يقوى الدمع على جفوني يقببها ، تفيض” ونجد هنا القصة القصيرة أو الومضة داخل ومضات وهي ميزة تمتاز بها كتابات صباح عبد النبي.

و- السر السادس: سر الأموال الطائلة التي هرب بها إثر الغزو، ليذوب في العاصمة الكبرى ينشد الدفء ودوام الثراء، تربط صباح عبد النبي بين كل الفواحش ما ظهر منها وما بطن والبرود والخيانة فهو لا يلتمس من إمرأته الدفء ولا يحقق لها الدفء ولا يسبر غور مشاعرها، ولكن يتلمس الدفء في الأموال والثراء حتى ولو على حساب وطنه، ويذوب في العاصمة الكبرى .

ي- السر السابع: “أعرف أنه رجل بلا قلب بلا صدر بلا روح لكنه لا يعرف”

وهنا تفصيل ثم إجمال فلقد فصلت الكاتبة لنا الأسرار جميعها ثم أجملتها في هذ الومضة الأخيرة والتي تصلح بمفردها لأن تكون قصة ومضة لقد عرفت هي لكنه لم يعرف نفسه وكل مساوئها، بكل القحط الذي فيه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق