ثقافة المقال

روح المدينة

عمار حميد مهدي*

كثيرا ما نعمد الى تشبيه المدينة على انها جسدٌ يمتلك قلبا نابضا واطرافا ممتدة ، جسد لديه بداية ونهاية ، يمينا ويسارا ولكن نادرا ما يشدّنا الاهتمام او ننتبه الى روح هذا “الجسد”.

نعم للمدينة روح تكمن في الشوارع والأبنية والناس والأحجار العتيقة وفي الأركان والحدائق والميادين ، وما تقوم هذه الروح هو ارسال الرسائل لمن يفهمها ويشعر بها فيصغي الى صوتها في كل الأوقات ، ولمن يصغي جيدا يستطيع سماع نبرةً وروحاً جديدة خلال الاوقات المختلفة التي تصنعها الاحداث الرتيبة احيانا والمتسارعة احيانا اخرى في ساعات النهار بالإضافة الى روح الليل حين ترتدي المدينة ثوب المساء في حفلة السكون التي يتراقص فيها ضوء القمر مع ضوء اعمدة الانارة عندما يذهب الجميع الى النوم.

السكون والضجيج هما بمثابة الشهيق والزفير لهذا الكائن الأسمنتي والأسفلتي الذي تنتشر فيه الاشجار والبشر والمقاهي وضحكات الاطفال في الملاعب وحديث النسوة في الاسواق ، شريانه الذي يضخ الحياة في هذه الجسد هو الأنهر ، فالمدينة لا تحيا الا بوجود الأنهر تشق طريقاً عبرها ولا ملامح للمدينة بدون الجسور ، لأن الجسور وصل بين المحبين وعليها ولدت ألف قصة عشق وحملت بعض جسور المدن اقفالا ترى فيها أوسمة النصر الذي حققه المحبون في معركة انتصرت فيها ارادتهم ووَسَمَ عشقا للمدينة واحيائها.

رئة المدينة التي تتنفس منها هي اشجارها ومتنزهاتها واعشاش الطيور وعبير الازهار وبدون هذه الرئة او شحتها ستختنق المدينة وتعاني روحها من ضيق الفضاء والكبت لدى ساكنيها لذلك فأن روح المدينة مرتبطة دوما بروح من يعيش فيها ان كان قادرا على الاعتناء بها وترك فيها علامات محبته من غرس او عناية صادقة مخلصة أظهرت له جمالها ومباهج حدائقها وساحاتها وميادينها وان اهملها واطلق عليها سهام الأنانية وسموم الإهمال وقيح الفساد فستبخل عليه وتظهر الجانب القبيح منها ولن تعطف عليه وتحرمه من جمال الوجود ولو بزهرة يقع عليها ناظريه لأنها ستكون مغطاة بالأتربة والوحول فالمجازاة لما ترك من سكنها أثرا جميلا او قبيحا فيها.

وبما ان المدينة كالجسد كما ذكرت اول مرة فأن روح المدينة قد تفارقها في يوم ما لتموت المدينة بشكل حقيقي عندما ينقطع فيها شريان الحياة فلا نهر ولا متنزهات ولا ألوان وأسواق ، في البداية سيفتك بها المرض وستمتلئ اجوائها بأدخنة الحرائق والحروب وستزحف الرطوبة والتشققات لمبانيها حتى تضمحل وستهجر الاسماك نهرها ليكون مكبّا للنفايات ولتغدو الجسور التي عليه صدئةً حزينة خالية من العشاق والحالمين وكل شيء فيها استحال الى الرمادي ثم الاحتضار.

 العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق