ثقافة السرد

وجَعْ عبْرَ المتوسّط

زهير عبد الرحمن

كان ينظرُ من النافذة، لمْ يعدْ قادراً على التحمل أكثر. لقد أصبحَ نومه متقطعاً، هاهو ذا قد استيقظَ مذعوراً منذ الرابعة صباحاً، لم يعدْ قادراً أن يحدّد مالذي أيقظه. هل هو صوتُ ضربات الموج للقارب المطاطي حين عبَرَ المتوسط، أم الديون التي راكَمَها حين غادر بلده حالماً بالوصول إلى أوروبا الحلم.
أوروبا التي تفتح ذراعيها كعاشقة تنتظرُ حبيبها المهاجر، وقد اضجعتْ مستلقية على الأريكة ممسكة بكأس نبيذ بيد، واليدُ الأخرى تمتدُ صوبه، وقد غطى الرادء الأبيض الشفاف جزءأ من جسدها ليضفي مزيدأ من الأغواء، ويكشفَ عن رغبة دفينة في أماكن أخرى. أم أوروبا التي تجعّدت القيم فيها كوجوه العجائز. أوروبا التي تحتاج إلى مزيد من الدماء الحارّة لتعيدَ لها شبابها وعنفوان الروح المغامرة.
لا.. لا، لقد اختلطَ عليه الأمر، ربما بسبب الاهانات التي تعرضَ لها في الطريق عابرا لأربع دول. ربما استيقظَ بسبب القلق الذي بدأ يسري في عروقه، فلم يعد القلقُ يحتلُ مساحة عقله فقط، بل ابتدأ ينتشر مع الدماء في كامل جسده. ابتدأت كل خلية في جسده تشعر بالقلق بشكل مستقل، كل عضو من جسمه المرهق، يرصدُ قصته لوحده، يتذكرُ معاناته.
عقله لم يعد يحتمل الصدمة. لسنوات يحلم، ولأشهر وهو يعاني مشقة الوصول، وها هو ذا أخيرا محشورٌ في غرفة صغيرة في الطابق السابع، ينتظرُ ببطء قاتل، السلطات لتعلنَ عن قرارها بقبول اللجوء أو رفضه، لقد اصبحَ قبولُ اللجوء أكثر تعقيداً، المعاناة تزداد، لقد ابتدأ يفقدُ ايمانه في كل شيء. وهو الذي لم يعد لديه أكثر من أمال عجفاء انتهت لتصبحَ صدىً لفراغ رهيب. الوقت يمر ببطء شديد، الزمن يتوقف، لا.. إنه يعود للوراء، أحياناً كان يراقب عقارب الساعة في صالة الانتظار ويتخيلها وقد عكست اتجاهها كساعةٍ رملية.
كان يشعرُ بقهر فظيع يتجاوز حدود الوصف، يتساءل في نفسه: لماذا أنا فقط؟ تعقيد الاجراءات، حاجز اللغة، لعنة المترجمين.
هذا كله جزء يسير، أما الجزء الذي لايحتمل أكثر فهو ظهور الوباء، والحجر في هذا الفندق الحقير، في غرفة لاتطلُ سوى على حائط خلفي لمبنى مجاور. يُذكِرُك دائماً بأن القدرَ يديرُ لك ظهره. انتظرْ هنا… على النافذة… ستبقى لأيام … وشهور … وربما أكثر. ربما يتمُّ رفض اللجوء والترحيل، لقد تذكر ماقرأ في صحيفة الأندبندت حين وصوله عن الضجة التي حصلت في محكمة مشابهة لطالب لجوء، إذ أنَّ محام الادعاء قد نبشَ كل تاريخ المسيحية ليصلَ إلى مقولة مفترضة للمسيح أنه قال: من ليس له سيف فليبِع ثوبه ويشترِ سيفاً، وبالتالي فالمسيحة ليست دين السّلام الذي ينشده. في مكتب اللجوء كان قد ادعى أنه يعاني من اضطهاد ديني في بلده. ادعى أنه لم يعد يؤمن بالدين الذي وَجدَ نفسه عليه، دينُ أبائه، يريدُ أن ينتقل لدين أكثرَ سماحة ومحبة. قالَ في جلسة المحكمة: أن الدين الذي ورثه عن أباءه لايدعوه لمحبة الأخر، لقد وجده عنيفاً. روحه السمحة لاتقبلُ العنف، لا تقبلُ الكره.
حليب الأم الذي رضعَه، وانتشر في خلايا جسده منذ ولادته، وكذلك ذكريات الطفولة البائسة والمشوّهة بالحرمان والألم والانتظار، كلاهما يقصُّ حكاية مختلفة. الأحلام التي تسوقها قراءة القصص، والأمنيات الجميلة بحياة أفضل لا تستطيعُ محيَ مخزون قديم من الحقد والخوف والكره والاضطراب والفشل.
لايمكنُ لكَ أنْ تكونَ جميلاً وبشعاً بآن واحد، رحيماً وعنيفاً بذات اللحظة. أن تكون ملاكاً وشيطاناً بنفس الوقت.
عليكَ أن تختارَ هُويتكَ دائماً، أن تبحثَ في ذاتك المقهورة، أن تدركَ حجم و سبب معاناتك، أن تصلَ إلى قعر البداية لحياتك كإنسان، أن تقتلعَ جذور الرغبة بالعنف في داخلك. وتستبدلها بآمالك المعلقة على جدار الزمن، أن تبحث عن طوق النجاة لروحك بين الأمل والحب والحرية، أن تعتق روحك من أسر المعاناه والماضي. وتستبدلها برؤيا لمستقبل آخر، وربما أجمل.
تتسارعُ الأحداث، لعدة أيام تَطغى أخبارُالاضطهاد العنصري في أمريكا، يشاهدُ مظاهرات العنف تجتاحُ محطات التلفاز، تنتشي روحه. تشعرُ بالحركة، التمساح يتحرك، السباتُ طويلاً ليس جيداً دائماً. نسيَ طلبَ اللجوء خاصته، لم يعد يفكرُ به. الموت بدا شيئاً سهلاً… سهلاً جداً، هكذا بدأ يتصور. كل يوم، هناك تحديثٌ لبيانات ضحايا الوباء، كانت الأرقام مخيفة، كان القلق كبيراً، كان رعباً يملأ القلب أن تقترب من انسان آخر…. اترك مسافة.
الآن، الموتُ صديقُنا، الأرقام تنخفض، إنه مجرد موت. لا آلام…. لا أحد يتحدث عن الآلام، لم تعد الصحف ترصدُ إلا الأرقام. هي حسنة،… لابأس الأرقام تزداد انخفاضاً، الموت لم يعد يعني شيئاً.
التمساح الذي تذكّر أنه لأيام لم يأكل، ابتدأ بالتحرك مجدداً، بالأمس حادث آخر. مصرع ثلاثة في حادث طعن. التمساح يجد فريسة. في خبرآخر، احتفال بالانتصار على النازية، أرقام الموتى ليس مرعباً فهو مجرد رقم. المهم كان الانتصارُ رائعاً، والشعور بالنصر رائع أيضاً. كم هو رائع أن تشعر بالانتصار على الآخر، الصورة الأخرى المجسِّدة للقهر والظلم والمعاناة والتهميش. تتحرضُ داخله رغبة عارمة في الشعور بالانتصار والتخلص من الخوف والقهر…. مرة واحدة وللأبد. إنهم مجرد أرقام، لابأس… الانتصار هو المهم، الانتصار على تاريخ العنصرية والتمييز، كتحطيم التماثيل ليس أكثر.
سأنتصرُ لذاتي المقهورة لسنين، لـ تاريخي المكتوب خطأً، لـ لَوني الذي أساءت الشمس فهمه. أمسكَ سكيناً وهبطَ الدرج مسرعاً. كان يظنُ أنه سيقضي على الفايروس، الذي ارتدى ثوب النازية، وتجسد في تمثال بائع العبيد في بريستول. وصل إلى صالة الفندق، يُشاهد موظف الاستقبال، يرى فيه تاجر العبيد، يسرع إليه… و يهوي عليه بعدة طعنات. هو لا يتذكر هذا الفايروس هل هو صيني كما أعلن في البداية رئيس أمريكا أم أنّ له منشأ آخر. يلتفت إلى يساره، فايروسات أخرى، إنها من نوع الأيبولا الافريقي، يطعنُها أيضاً. يتذكرُ أيضاً أنها من نوع الفايروس الآخر. فاللون ليس مهماً.
إنهم منافسون محتملون للحصول على اللجوء قبله. فايروسات لم تشاركه رغبته بالاحتفال بالانتصار على النازية. يلتفتُ مذعوراً من منظر الدماء وقد غطت المكان. يهرعُ باتجاه الشارع وهو يتسائل: من أين للفايروسات هذه الدماء، لابد أنها كانت شرهة للدم الأدمي. تذكرَ حين غادرَ بلده لآخر مرة، ذكرياته مع بعوض الملاريا، كانت أكثر التصاقاً بمخيلته من ذكرياته مع حبيبته.
على باب الفندق يشاهد شرطياً. يبتسمْ … يسرعُ باتحاهه مبتسماً… ثم مقهقهاً، الآن.. نعم الآن سأعيدُ تصويبَ التاريخ، أنتم رمز القهر عبر تاريخ البشرية، أدوات الطغمات الغاشمة. جلادوا التاريخ، أنتم أقبحُ من ظلمَ الانسان. لقد تجسّدَ له الشرطي بهيأة شيطان يحملُ هراوة ويهوي بها على رؤوس المتظاهرين. لا بأسْ فايروس آخر، قال في نفسه وهو يطعنه.
هرول إلى الشارع صائحاً: نعم سنشنق آخر قس بأمعاء هذا الشرطي. كان يعتقدُ لحظتها أن السلطات قد شددت الاغلاق للإمعان في إذلال الناس، وتطويعهم في جوقة القطيع، كان يتصور المسؤولين مجتمعين في القاعة وهم يضحكون قائلين: لابأس بذلك، لقد ابتدؤا يستجيبوا لمحفزات الاغلاق، لقد تم تدجينهم. إنه لأمر جيد. مع الموجة الثانية للوباء سيصبحون أكثر وأسرع استجابة.
لم يُسعفه الوقت ليسمعَ صوت الرصاصة التي أردتْه. قِيلَ أنها كانت تسير أسرع من الصوت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق