ثقافة السرد

الهروب من الذات

حجار خرفان أمينة

أنا الان في السيارة إلى طبيب، أعجز عن نطق الاسم كاملا ، يعتبرونني مجنونة، حسنا أنا كذلك، أنا ذاهبة إلى ما يدعى بالطبيب النفسي .
مازلت أذكر ذلك جيدا ، مشيت بخطوات متثاقلة صوب العيادة ، أجر قدماي الهزيلتين.
لم تكن غرفة الانتظار بالحجم الكبير.كنا اربعة أشخاص في انتظار الدكتورة فضيلة، أحسست ببعض الإختناق، جاءتني رغبة ملحة في البكاء، تململت في مقعدي، ثم أخذت أتصفح في وجوه من هم حولي. تشابهت لي الوجوه.
كسر أحدهم حاجز الصمت الذي دام مدة، قائلا: لماذا أنتم هنا؟؟ أخدت أناظره بشيء من الفضول المصحوب بالدهشة.
صوت رخيم انتشلني من هواجسي قائلا بشيء من التهكم و الضيق :أتدري؟؟ حتى أنا لا أجد سببا لجلوسي في هذه الغرفة الغريبة، مع أناس أغبياء معتوهين .
خيل إلي أن الإضاءة أخذت تضعف شيئا فشيئا، تمتم الرجل مرة أخرى قائلا: حسنا، كم مرة فكرتم بالانتحار قبل هذه المرة ؟
أطبق صمت رهيب على المكان، استجمعت شتات نفسي، و قلت بصوت مخنوق النبرات: فكرت، صمتُّ قليلا ثم أردفت: لكني لم أقدم على ذلك حتى الآن. ما يميز هذه المرة عن سابقاتها هو تصميمي .
انفجر الشخص الجالس بمحاذاتي في نوبة من الضحك الساخر قائلا : انت مصممة ؟؟ رائع.
لم أعقب و استرسلت في كلامي،: في السابق كنت أفكر بطرق انتحارية شتى، فيها بعض الرفق، كتناول أدوية فاسدة، أو ترشف السم كما فعل الكثير غيري …… لكنها بقيت أوهام أهدد بها نفسي، كلما تعرضت لخيبة.
تنهد أحدهم وقال بصوت متلعثم، بدا وكأنه يزيح ثقلا عن كاهله: أما أنا، فكنت أريد أن أنتحر بطرق وحشية، أريد دما، ألما، ينسيني اوجاعي .
صاح أحدهم قائلا ببرودة : لما أردتم الإنتحار بالضبط ؟ شهقت في جزع، وقلت بشجاعة مبتذلة: لأرى إن كنت أحب نفسي. سكت قليلا ثم تابع مغمغما: وماذا اكتشفتي ؟؟
قلت ببساطة: أحبها كثيرا.، رغم عنصريتهم التي كانت في كل مكان. كنت أقضي ساعات و ساعات أمام المرآة، أسرح شعري ليصبح أملس، كان شعري المجعد مأساة وجودية، و لون بشرتي السمراء حاجز بيني وبين المجتمع. كثيرا ما نادوني تشيماماندا، حاولت التجاهل، لكني لم أُفلح. أريد أن أرتاح، أرتاح فقط لا أكثر.
ـ “أريد أن أرتاح أيضا” تمتم أحدهم و أضاف قائلا: أتدرون، لا أتذكر متى كانت أخر مرة ضحكت فيها أو حتى أظهرت بوادر إبتسامة لشخص ما. سكت و طال صمته، ثم استطرد محاولا كبت مشاعره ودموعه: لقد فقدت عائلتي في حادث مريع. أني أستعجل القاء بهم. مستقبلي أراه يتلاشى أمامي , الفراغ يقتلني . بحثت في كل مكان عن عمل يعطي لحياتي معنى، لكن دون جدوى، فبدون واسطة يصبح البحث عن عمل مجرد ضربا من الخيال .
بنبرة هادئة غمغم أحدهم: وجودنا من عدمه سيان. أخدت أفرك يدي بعصبية مفرطة، مرهفة السمع لأستوعب كل كلمة من كلماته. أشعر بالاختناق، أحس بأني غريب بين الناس، أقسم أني بذلت قصارى جهدي لأبقى متماسكا. نطق بهذه الكلمات الاخيرة في حزن كئيب. أردف بصعوبة: منذ سنوات, وأنا أريد المغادرة …. كل شيء يرهقني، حياتي مؤلمة، عائلتي مشتتة، لا أحد يحاول مساعدتك أو تفهمك، يحاولون رسم حياتك فقط، لن أسمح لهم أن يؤشروا أين أقف، أو أين أسير. أنا أستحق أفضل من ذلك بكثير. تنهد، صمت قليلا، ثم صاح بصوت حالم مكتئب: صحيح أني أفكر بالانتحار. لكن أقسم أني لا أريد الموت، أريد أن أتخلص من الألم ففط .
أخذت أحملق في عقارب الساعة منتظرة دخولي على الدكتورة فضيلة، فلا يفصلنا عن بدء مناوبتها سوى نصف ساعة لا أكثر.كان دوري الثاني في القائمة. مر الوقت بطيئا متثاقلا.
أشارت الساعة إلى التاسعة بالضبط، لكن الممرضة أمل لم تناد احدا منا. طال انتظارنا كثيرا جدا. أخيرا دخلت الممرضة بخطوات مضطربة، ممسكة بيدها قصاصة ورق، لم تفه بشيء ، ارتمت بكامل جسدها على الكرسي، اغمضت عينيها، تنهدت وقالت بصعوبة شديدة تخنقها النبرات : غادرتنا فضيلة ، والى الابد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق