ثقافة السرد

المتعبة

علي السعيدي*

يرخي رأسه فوق صدرها .. يحدق بعينيها تدنو بشفتيها إلى جبينه، تطبع قبلة ممزوجة بدمع العينين .. ترفع رأسها يمد يده أسفل جفنيها يكفكف دمعها “آه يا زهرة .. ماذا أفعل؟ تعبت .. تعبت.. لقمة العيش يا حبيبتي تساوي الكثير، مررت بكل المصانع والشركات حاملا شهادتي تصفعني الشفاه بأن لا نريد أحدا .. لقمة العيش صعبة .. آه حبيبتي.. ماذا أفعل؟”
– هو الرغيف يكفينا يوما


– الطموح لا يقف عند الرغيف
– في الوقت الحاضر على الأقلّ
يهزّ رأسه .. يديره في الاتجاهات .. يقلّب كفّيه .. يقف، يجلس، يرفع رأسه.. يحدق بسقف الغرفة .. يشعل سيجارة .. الليل سدوله السوداء .. يقوم إلى النافذة، المدينة مضاءة ومشرقة الضوء. يرجّ ذراعه على الحديد الصدئ بينما تقوم زهرة بتحضير فنجان قهوة .. تشعل “بابور الغاز” ينظر إليها ، يبتسم ويعود إلى المدينة من جديد.
” كم أنت طيبة يا زهرة، آه كم أنت طيّبة تقفين معي صابرة لا أظنّ واحدة غيرك تصبر هكذا كنت تلعنين الفقر عندما كنّا نلتقي خلسة وراء السور .. وكنت طموحة يا زهرة .. تودّين التربع على قمة العرش وعندما اصطدمت أحلامك بالحقيقة صبرت يا زهرة، أربع أشهر يا زهرة ، أربع أشهر وأنا أحمل شهادتي في الصباح متهللا وأعود في المشاء خائبا .. أربعة أشهر ونحن نعشش الصبر في قلبينا .. تعبت .. تعبت”
يفرك عينيه .. يضرب الحديد الصدئ بقبضة يده .. تسرع زهرة صوبه .. تلتقط يده بحنان
– لماذا؟
– تعبت .. تعبت
– قليل من الأمل
– اليأس صخرة تجثم فوق الصدر
– الأمل السرابي كالصحراء
– إنه الأفضل..
– كفاني يا زهرة .. كفاني..
تضرب كفها بفخذها .. تتنهد.. تسكب فنجان القهوة تقدمه له. يرشفه ويعود إلى المدينة من جديد : ” كم من فقير يقف الآن وراء نافذنه كم من فقير تجول بخاطرته أفكار الليل الماحلة أن المدينة واسعة والفقراء بعدد النجوم” يتنهد.. “لست الفقير الوحيد فالفقر سحابة رمادية بطيئة الحركة”
تتمدد زهرة في فراشها عاقدة يديها خلف رأسها مصوبة نظرها صوب الحائط، يحتويها بعينيه “أنت متعبة با زهرة أعرف، لكن ماذا أفعل؟ قولي؟؟؟ لا يريدون أحدا تسد أبواب الشركات والمؤسسات حتى المدارس اكتفت بمعلميها يا زهرة. قلت لك لنؤجل زواجنا عاما .. غضبت يا زهرة وكنت ترفضين وضع السرقة التي كنا نعيشها.. وأصررت على الزواج.. قلت لك ستتعبين .. قلت لي : لابهم الأمر فيكفيني وجودك معي.. آه كم أنت طيبة يا زهرة .. أعرف انك متعبة وربما تدور في رأسك أفكار وحكايات وربما ترفضين هذا الوضع .. لكن الصبر في قلبك اتخذ له منزلا .. قبل أيام قلت لي بأن المولود الذي ننتظره يتحرك في أحشائك .. فرحت يا زهرة فرحت، لكني وعندما مر سطر أسود في ذاكرتي وقفت مشدوها، أربعة أشهر ونحن نعيش بالكاد يا زهرة .. وهذا الطفل القادم أتكفيه قطرات من الحليب تسكبينها من ثدييك إلى فمه .. لا أظن فأنت ضعيفة يا زهرة.. ضعيفة..كم أنت طيبة.. آه .. ماذا أفعل؟”
يدير وجهه صوب المدينة .. نسمات باردة تصفع وجهه .. يغلق النافذة.. يحني جذعه صوب زهرة.. يقبلها .. يتمدد إلى جوارها:
– بماذا تفكرين؟
– بحياة كأنها الليل
– عميقة الياس كذلك
– بل نحن ..
– ماذا تقصدين؟؟
– لاشيء
بضيق قال:
– أعرف أنت متعبة.. لكن، ماذا أفعل؟؟
– تستطيع أن تفعل الكثير
– مثل؟
– العمل؟
– وماذا أعمل؟؟
– أيّ شيء
– لم يبق مكتب في المدينة إلا وطرقت بابه لقد مللت
– المكاتب وحدها لا تكفي
– قدراتي لا تستوعب أكثر
تتنهد
– وأين الطموح؟
تتنهد.. يسكت.. تدفن زهرة رأسها بالغطاء.. يتسامى لسمعه صوت بكائها يكشف الغطاء عن وجهها.. يكفكف دمعها.. يتنهد

*كاتب من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق