ثقافة المقال

كنوزٌ من التراث.. السعادة والاتصال وأبو نصر

 حاتم السروي

عرفت الفلسفة الإسلامية نظرية عميقة كانت مثار بحث وتفكير عند الفلاسفة والصوفية، وفيها أدلى كلٌ بدلوه؛ هذه النظرية هي (السعادة والاتصال).

وهي وإن كانت بالأساس نظرية أخلاقية غير أنها ما لبثت أن تحولت على يد فلاسفة الإسلام إلى أبحاثٍ صوفية لها نصيب وافر من الدقة، ولا يفهمها إلا الفطن الأريب، ويرى الإسلاميون أن السعادة تكمن في النقاء والتطهر والمعرفة والثقافة وعندما يتم الاتصال بالله تكون السعادة، وقصيدة الورقاء لابن سينا فيها دليلٌ على ما نقول، ومنها قوله عن النفس:

فلأيِّ شيءٍ أُهبِطَت من شاهقٍ.. سامٍ إلى قعر الحضيض الأَوْضَعِ

إن كان أرسلها الإله لحكمةٍ.. طويت عن الفَطِنِ اللبيب الأَروَعِ

فهبوطها إن كان ضربة لازبٍ.. لتكون سامعةً بما لم تسمعِ

وتعود عالمةً بكل خفيةٍ.. في العالمين فخرقها لم يرفعِ

فالنفس جوهر شفاف هبط إلى هذا العالم وحكم عليها الباري أن تبقى في الجسد مدة محدودة وكانت في أول الأمر آسفة وتشعر بغربتها وتضيق بحصرها في في البدن المادي الضيق، ولكنها ما تلبث أن تشعر بسرورٍ عظيم لأنها ترى ما لم تكن لتراه لو استمرت في عالمها العلوي، فالمعرفة هي منبع السرور إذن.

ومن الواضح هنا تشبع فلاسفة الإسلام بالتصوف، وللتصوف لغة جميلة تناجي القلوب وتخاطب الأرواح وتصل بالإنسان إلى الطهر وتعرج به في السماء مع الملائكة، وبفضلها نهجر البدن حينا، ونفرغ إلى أنفسنا فنزكيها.

والمتأمل في مذاهب الفلاسفة سواءً كانوا من اليونان أو المسلمين يدرك فورًا أنها لم تخلُ من نزعة صوفية؛ بل إن أرسطو المعروف بواقعيته في البحث وإيمانه العميق بالاستقراء والتجربة قد انتهى به المطاف إلى تأسيس نظريته في النفس على شيءٍ من الإلهام والفيض، ثم وضع في قمة الأخلاق فضيلة عقلية هي أسمى درجات المشاهدة الصوفية والتأمل، وللأمانة العلمية نذكر أن د.محمد غلاب أستاذ الفلسفة الإسلامية والعقيدة بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر يرى أن ما وصلنا في النفس عن أرسطو ليس من وضعه بل هو منسوبٌ إليه على سبيل الخطأ، والصواب أن الرسالة التي وصلتنا في هذا الموضوع هي من وضع فلاسفة الإسكندرية أتباع أفلوطين رغم أن الإسلاميين صدقوا نسبتها إلى أرسطو وهذا خلاف الحقيقة.

ونحن لا ننكر أن الإلهامات الروحية أو الكشف قد يكون غير يقيني، وهذه حقيقة يعرفها الصوفيون أنفسهم، وربما كانت حقيقية ولكن يصعب إثباتها بأدلة جازمة حتى يقبلها الآخرون، لكن هذه المكاشفات هي مبعث هدوء وطمأنينة على أية حال؛ لماذا؟ لأنها معرفة شخصية مباشرة وهي تدخل القلب وتظل فيه، وربما أجهد المرء ذهنه في صياغة أدلة عقلية ممتازة؛ ومع هذا لا يشعر بالسكون إلا حين تناجيه روحه ويحدثه قلبه.

وعندما نقرأ سيرة الإمام الغزالي مثلاً نراه قد مر بمراحل مختلفة من النظر العقلي والبحث، واشتغل بدراسات مختلفة، وما عرف الراحة ولا أدركها إلا مع التصوف. ولدينا مدارس كاملة في نطاق الفلسفة قامت بالكامل على المناجاة الروحية والاتصال بالله، ومنها مثلاً الأفلاطونية المحدثة.

وتنسب الأفلاطونية المحدثة إلى أفلوطين، والذي كان يرى أن الجذب والفيض هما السعادة التي ليست بعدها سعادة، وأخذ بجدية ينشد هذه السعادة، والعجيب أنه لم يحظَ بها سوى مراتٍ قليلة.

وفي القرن السابع عشر الميلادي قال مالبرانش بالاتصال الدائم بين العبد والرب؛ فالمعرفة التي هي عند الناس ليست إلا فيض من الله، وما يبدو لنا من عملٍ خارجي هو مناسبات لتحقيق إرادة الله (أسباب).

وإذا حصرنا الكلام في الفلسفة الإسلامية فإنه يمكن القول بارتياح أنها صوفية، ولهذه الصوفية لغة خاصة لا يعرفها أكثر الناس؛ ولذلك نراها قد هوجمت من الغالبية وبلا هوادة، والناس في ذلك معذورون؛ فالمرء عدو ما يجهله، ثم يزداد العذر مع ما نراه من واقع التصوف الآن وهو بالفعل واقع محزن؛ فأصحاب الطرق عادةً لا علاقة لهم بالتصوف ولا يعرفون عنه شيئًا وهم مجدون في اللهو، بارعون في تنفير أصحاب العقول والقلوب من التصوف، والنتيجة أن البعض قديمًا كانوا ينسبون الصوفية إلى البدعة والآن ينسبونهم إلى الشرك! واللوم يتوجه حصريًا إلى دراويش الطرق لأنهم تغالوا في الأولياء ونسبوا إليهم من الخوارق والصفات ما يجعلهم فوق البشر، والله عز وجل يقول لنبيه الكريم في سورة الإسراء ” قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولا” فالقرآن يثبت البشرية الكاملة في حق سيدنا محمد وهم يدعون أنه كان روحًا أثيرية! وساقوا في ذلك حديثًا بادي الوضع والكذب ولا يمكن التعويل عليه، ثم إنه عليه الصلاة والسلام كان يجوع كما جاء في الحديث، وقال في مرض موته: ” إني لأوعك كما يوعك الرجلان منكم”.

ورغم جهل الكثيرين الآن بالتصوف سواءً كانوا من عامة المسلمين أو من المنتسبين للطرق فإن الكتب التي فصَّلت فيه وشرحت غوامضه وجلت مفاهيمه كثيرة وميسورة؛ فقد عُنِيَ الباحثون من قديم بدراسة هذا المجال مدفوعين غالبًا بما فيه من الطرافة، وربما يمكن القول بأن التصوف هو أول ما لفت أنظار المستشرقين ومصنفاتهم فيه تزيد كثيرًا عما سطروه في المباحث الإسلامية الأخرى، ولا نستغرب من ذلك فالغربيين لديهم ولع بصوفية الشرق إذ هي مقر الأسرار الغامضة والقوى الخفية.

وقد عرف القرن العشرون مستشرقين كبارًا أولوا عناية فائقة بموضوع التصوف، كان من أبرزهم النمساوي جولدزيهر، والذي عقد للتصوف ضمن كتابه (عقيدة الإسلام وقانونه) فصلاً كاملاً إلى جانب أبحاث أخرى لها قيمتها. وفي الولايات المتحدة الأمريكية وضَّح ماكدونالد كثيرًا من آراء الإمام الغزالي. كما أن هناك ماسينيون ونكلسون الذي يرجع إليه الفضل في نشر كثير من كتب التصوف ورسائله وتعريفنا به، وماسينيون عرفناه باهتمامه الواسع بالحلاج، وعمومًا يمكن القول بأن ماسينيون ونكلسون يقفان على رأس المهتمين بالتصوف من المستشرقين.

كما تنبه المستشرق الدنماركي “مهرن” إلى بعض مؤلفات ابن سينا الصوفية وقام بترجمتها ونشرها، ولمح البارون كاردي فو عند الفارابي نزعة صوفية واضحة.

وحيث وصل بنا الحديث إلى شاطئ الفارابي فلابد من الإشارة إليه والتنويه بدوره؛ إذ هو أول من صاغ الفلسفة الإسلامية بشكلها المتعارف عليه حيث وضع أصولها ومبادئها، وإن كان الكندي الذي هو من المعتزلة قد تنبه قبله إلى دراسة أفلاطون وأرسطو وشرح بعض نظرياتهما، غير أننا لا نجد عنده مذهبًا فلسفيًا كاملا، وإنما هي نظرات متفرقة في موضوعات لا رابط بينها، وقد نعتبره فيلسوفًا فليست تلك هي المشكلة؛ غير أن الفارابي هو أول من أقام دعائم فلسفة متصلة الحلقات بحيث أصبح له مذهب، وهذا المذهب من أهم أجزائه وعلى قمته نظرية الفارابي الصوفية والتي هي قطعة من فلسفته وليست ظاهرة عرضية كما يرى البعض.

وتصوف الفارابي نلمحه لديه في الأخلاق والسياسة وعلم النفس، ولا نعدو الحقيقة إذ نقول أن تصوف أبي نصر الفارابي ونظريته في السعادة والاتصال كان لهما أثر واضح على تصوف الجنيد والبسطامي وسائر الطائفة، وهو تصوف يحترم العقل ويستند إلى الدرس والتأمل، وفيه أن طهارة النفس تأتي كذلك عن طريق الفكر، والفكر أولاً وبالذات، ولئن كانت الأعمال الطيبة والصفات الحميدة بعض الخير فإن الخير كله في حقيقة نكشفها ومعرفة بها تسمو عقولنا وتتهذب نفوسنا، وبهذا نصل إلى السعادة وهي: أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود بحيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة، وتصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام.

وأخيرًا نقول إن الفارابي قد اعتنى بقضية السعادة قولاً وعملا، وألف عنها كتابين هما: (تحصيل السعادة) و(التنبيه على السعادة) وكلاهما تم طبعه في الهند بمدينة حيدرآباد وفيهما الكثير من التصوف، ولم يكتف الفارابي بالنظر بل عمل على تذوق السعادة بنفسه، وأن يصل بالفكر والتأمل إلى مرتبة الإلهام والفيض، وبالفعل وصل إليها مرتين على ما يقال، والخلاصة عنده أن السعادة لا يعرفها إلا أصحاب النفوس الطاهرة القدسية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق