قراءات ودراسات

قراءة في قصيدة: “لا تكتبوا…إني سأكتب”

للشاعر العراقي المميز كريم الأسدي

حسين فاعور الساعدي

مرة أخرى قراءة في قصيدة من قصائد هذا الشاعر العراقي الكبير الملتزم والمميز.
وللمتقولين، وهم كثر والحمد لله، أقول: لا أعرف كريم الأسدي إلا مما يكتب. ولا تربطني به أي علاقة شخصية سوى حب عميق لما يصوغه يراعه. لا أعرف ماذا يعمل وليس لدي أي معطيات عن حياته الشخصية لتكون سبباً لخلق تعاطف ما معه.
لكنني أحبه كما أحب محمود درويش الذي لم أعرفه شخصياً ولم أحاول التعرف عليه رغم علاقتي الوطيدة والشخصية مع أفراد أسرته الكريمة. عرفت والديه رحمهما الله وأعرف إخوته وأخواته (ما عدى رمزي). لم أحاول التعرف علي محمود درويش لفرط حبي له. وربما أردت أن يظل محاطاً بهالة من الإجلال أو القدسية. وهذا ما أشعره مع كريم الاسدي الذي ربما يكون في جيل أبنائي أو أحفادي.
عندما أكتب عن نص كريم الأسدي لا أتجاهل شخصه. صحيح أنني اكتب عن النص وأنادي للكتابة عنه وليس عن الشخص. لكن الواقع أقوى منا جميعاً. بمعنى أنني حتى وأنا أكتب عن النص هنالك صورة تراودني وتحوم في اللاوعي عن الشخص. هذه الصورة هي الخلفية، التي حتى وإن كانت بعيدة أحياناً، هي التي تشكلت عليها لوحة النص ولذلك لا يمكن تجاهلها. ومن الأفضل أن تكون هذه الخلفية دائمة التشكل والتبلور المعتمد على خيال الناقد أو اجتهاده الفانتازي وليس على معطيات جامدة ماثلة وملموسة من الواقع المر والقبيح في معظم الحالات. لأن المعطيات الملموسة تلقي بظلالها على النص في عيني الناقد مهما تجرد فهو من لحم ودم.
هنالك سبب آخر، وربما أكثر وجاهة، يجعلني اكتب عن نصوص كريم الاسدي وهو أن هذا الشاعر يشبهني كثيرا كما اشعر كلما قرأت نصوصه. يشبهني ليس في الشكل ولكن فيما يمر به أثناء مخاض الكتابة. ربما يكون ذلك مجرد فنتازيا ليس لها أي وجود في حيثيات الواقع. لكنها تجعل نصوصه قريبة من روحي وتدفعني لفهمها من زوايا خاصة جداً.
فهذه القصيدة، في رأيي، هي صرخة في وجه الظلم. كريم يعرف، أو أنا أعرف أن الظلم لا يدوم ومهما تجبر الظالم فإنه يحفر قبره بيده. هذه هي سنة الحياة. لكن شوق الشاعر ولهفته لرؤية هذه النهاية الحتمية تجعله يغضب وينفعل بسبب تأخر حدوثها. هذا الغضب في جوهره هو على عمرنا القصير وخوفنا ألا يتيح لنا رؤية هذه النهاية والمشاركة فيها والاحتفال بها. لذلك يحدث هذا الغضب غير الإرادي وهذا العنفوان الذي يرفض الضعف رفضاً تاماً. يرفضه بقوة ويتحرر من كل ما هو معيق ومقيّد كالجسم، العمر القصير، الفناء، الموت وعدم القدرة على الفعل المباشر. أمام هذه العوائق أو المعيقات التي تجعل الإنسان يشعر بضعفه يحلّق الشاعر عالياً في النجوم والكواكب والمجرات كرد فعل على هذه العقبات التي هي من صفات المخلوق الذي اسمه الإنسان والتي سببت له الضعف.
وأمام هذه العوائق التي تجعل الشاعر يتوجس أنه ربما لن يتمكن من رؤية تبدل الأوضاع وانتصار الحق على الباطل يتحرر الشاعر من هذه العوائق بمغادرته لجسده والتسرب لما هو أكثر بقاءاً ودواماً وهو الوطن أو التراث. في الحقيقة يتمنى لو يكون إلهاً طمعاً في البقاء والمشاركة في النصر على الباطل لكنه يخفي ذلك لروادع دينية واجتماعية . الوطن أو التراث أيضاً عصي على الفناء لذلك هو الملجأ الآمن لكريم الأسدي ولكل الأرواح التي تحلق باحثة عن السبل لدحر الباطل البشع والقبيح.
من هنا على كريم أن يكون كبيراً بحجم الوطن الذي يحاول الإمتزاج أو الاختلاط فيه وشامخاً كشموخ حيثيات التراث الذي يتجه نحوه.
سأتناول بداية ونهاية هذه القصيدة ولن أدخل أعماقها خوفاً من الغرق ولأن ذلك يحتاج إلى مساحة كبيرة لا أملكها الآن.
تبدأ القصيدة بهذه الأبيات:
لا تكتبوا…إني سأكتب قائلا ولسوف تسمعني النجوم جلاجلا
ولسوف تنفذ في الأديم قصائدي ولسوف أسري في الأثير قوافلا

في هذين البيتين يقول الشاعر أنه سيكتب. واستعداداً لطقس الكتابة وفي حضرة المخاض يطلب من الجميع إلقاء أقلامهم والتوقف عما يكتبون. لأنه سيكتب ما لم يكتبه أحد. هذه هي نيته والأعمال بالنيات ولكل امرئٍ ما نوى. لا تكتبوا! لان غضب الشاعر لا يمكن لأحد غيره التعبير عنه. غضبه شديد وعنيف لذلك أيها الكتاب ألقوا أقلامكم. لأن ما سيكتبه الشاعر سيصل دويه إلى النجوم. فهو مهم وعظيم لأنه يعالج قضية مهمة وعظيمة هي قضية العراق وتحرر العراق وعودته إلى الصدارة. الشاعر ملتزم بقضيته التي هي قضية القضايا بالنسبة له. لأن العراق في نظره هو أب وأم العالم. منه خرجت الحضارة وفيه ولدت الأحرف.
عندما يحمل الشاعر قضية ويكتب لها ومن أجلها ينكر ذاته ويصبح بحجم القضية. لكنه في الوقت ذاته ينتابه الشعور الباطن بالغصب الشديد على عوائقه ككائن من لحم ودم: عمره محدود قدراته محدودة ومجال تحركه محدود ولا يلبي متطلبات القضية التي يحملها.
هذه الفجوة بين ممارسة البطولة وبين التغني بها أنتج شحنة الغضب المتقدة في نفس الشاعر وأوصلها إلى هذا المدى من العمق والاشتعال الذي جعل ليس النجوم فقط تستمع لقصائده وإنما الأديم أيضاً. قد يكون أديم الأرض وقد يكون أديم السماء فهو لم يحدد ذلك لأنه قصد كل الاتجاهات.
الشاعر يمزج بين القصيدة وبين ذاته فالقصيدة كريم وكريم القصيدة. يبدو ذلك واضحاً وجلياً في هذين البيتين كما في كل القصيدة. فهي ستنفذ إلى الأديم وهو سيسري في الأثير. والنجوم ستسمعه من خلال قصيدته.
غضب الشاعر يعلو وينخفض خلال القصيدة كموجات بحر متموج بفعل تحركات باطنية داخله توطئة لانفجار كبير قادم. هو كل شيء لأنه العراق: هو الماء متفرتاً أو داجلا ومن الماء خلقنا كل شيء وهو الحقول والسنابل. هو الموسيقى في أشجار النجوم وهو أبناء وبنات سومر قلم وسيف ينصر الحق ويزهق الباطل حتى لو أمطرت عليه الدنيا المصائب. هو حروف الأبجدية والنار والماء شاء من شاء وأبى من أبى. غضب كألسنة اللهب يسري في كل شيء ويضع حقيقة لا لبس فيها: إذا خسرت فكل العالم سيخسر وإن زلت فكل العالم سيزول.
في وسط نار الغضب هذه لا ينسى الحب فهو أهله وروحه وهو من يحيل به الصحارى سواحل خضراء نضرة.
أما بيتي النهاية فهما:

ورسمتُ فيهن السماءَ، دروبها زرقٌ وخضرٌ: كم وصلتُ فواصلا
ما غبتُ لكنْ غيّبوني عنوةً وبقيتُ وصلاً واصلاً متواصلا

الحر الأبي هو الذي يقدر على الحب. فالعبد الذليل لا يقدر على ذلك لان الحب عطاء والذليل لا يعطي.
الحب يجعل الإنسان فارساً فكل الفرسان على مدار التاريخ كانوا عشاقاً ولهين. الحب أوقد في قلوبهم شعلة العطاء والتضحية وجعلهم يستصغرون هذه الدنيا أمام سمو وأنفة نفوسهم الكبيرة.
البيت الأخير من هذه القصيدة هو طعنة قاسية يوجهها كريم الأسدي أو أوجهها أنا لذوي القربى من الأهل أو من الزملاء المدعين الأدب. هذا الظلم هو الأشد مضاضة لأنه يأتي ممن من المفروض أن يكونوا هم الداعمين والمساندين.
الأديب الذي لا يحب زميله ليس أديباً والشاعر الذي لا يشعر مع غيره ليس شاعراً. الناقد أو الشاعر أو الأديب الذي يغيّب أبن بلده ويتنكر له لأنه يرى فيه تهديداً لمكانته أو لأنه يغار منه ويحسده لا يمت إلى الأدب بصلة ولا يمكن أن يكون إلا صعلوكاً ضعيفاً مزيفاً ومهزوماً. الناقد الشجاع يتناول النص الجيد بمبادرته وليس بطلب من صاحب النص أو إرضاءً له. لا أدري ما هو الوضع في العراق في هذا المجال. ما اعرفه هو أن الوضع عندنا في الداخل لا يطاق فكل شيء مبني على الأحزاب والعلاقات الفئوية والشخصية التي تحدد قيمة النص وليس لمضمونه أية قيمة.
هذه المحاولات القذرة لتغييب المبدعين هي جرائم يقترفها أناس وقحون يلبسون ثياباً عصرية ويحملون في كثير من الأحيان ألقاباً جامعية ويتحدثون في القيم والمبادئ والأخلاق وهم أبعد ما يكون عنها. هؤلاء هم مجرمون لا يختلفون كثيراً عن المجرمين الذين لا يترددون عن ارتكاب المجازر.
التعتيم على مبدع هو إطفاء شمعة كانت من الممكن أن تنير طريق الملايين وتنقلهم من الظلمات إلى النور، وهو تكريس لهذا الظلام الدامس الذي يلف حياة الملايين من امتنا. فأي جريمة أكبر من ذلك؟
هؤلاء المنتفعون الذين لا يختلفون كثيراً عن الثعالب الجائعة يخدمون نزواتهم الشريرة التي تحثهم على إخفاء وتجاهل كل ما هو جيد ويخدمون أسيادهم المنتفعين من هذا التردي في الساحة الثقافية حفاظاً على مناصبهم ومصالحهم. لكنهم مهما تنكروا لكريم وأمثال كريم فلن يستطيعوا أن يغيبوهم لأنهم هم الوطن بوصله ووصاله وتواصله وهم العروة الوثقى لا انفصام لها مهما حاول الجبناء المرتزقة.
***
حسين فاعور الساعدي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق