قراءات ودراسات

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لابن عطية ( 481 -542 هـ )

د.محمد عبدالحليم غنيم

صاحب هذا التفسير أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الغرناطي الأندلسي ، كان عالما شغوفا باقتناء الكتب ، عارفا بالأحكام والحديث والتفسير ونحويا أديبا بارعا في الأدب نظما ونثرا , توفي سنة 542 هـ . وقد نشأ ابن عطية في بيت علم وفضل ، فتلقى العلم عن والده وعن علماء زمانه ثم رحل طالبا للعلم ، فحصل منه العظيم والجليل ، تولى القضاء لفترة وكان صاحب جهاد بالسيف كما كان صاحب جهاد بالقلم ، فجمع بين الفضليين .
ويعد تفسيره ” المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ” درة التفاسير التي أتت من المغرب العربي ، فقد أجمع أهل العلم على أنه غاية في الصحة والدقة والتحرير ، فوصفه أبو حيان فقال : أجل من صنف في التفسير وأفضل من تعرض فيه للتفتيح والتحرير . ومدحه ابن تيمية وإن لم يسلم من نقده ، فقال : وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة وأسلم من البدعة ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير ابن جرير الطبري وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا ، ثم أنه يدع ما ينقله ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين وإنما يعني بهم طائفة أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة ، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه ” انتهى كلام ابن تيمية وهو في مجمله مدح لابن عطية .
أما ابن خلدون فلم يجد مأخذا واحدا في تفسير ابن عطية ويكفى أنه ” لخص فيه كتب التفاسير كلها , أي تفسير المنقول وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة فيها ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس حسن المنحى ” ولعل من ميزات هذا التفسير أيضا تحرره من تلك الإسرائيليات التي كانت رائجة في التفاسير السابقة . والمتأمل في تفسير ابن عطية يجده في الواقع يجمع بين المنقول والمعقول ، أي يجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي فهو إلى جانب تحرى الدقة في المأثورات يعني بالشواهد الأدبية للعبارات ويهتم بالصناعة النحوية في غير إسراف ولا يعنى بالوقوف عندها مثل عنايته بالقراءات . ولما كان ابن عطية والزمخشري متعاصرين ، الأول في المغرب والثاني في المشرق عقدت بينهما المقارنات لم تميز تفسير كل منهما في عصره ومكانه ، فقيل ابن عطية أجمع وأخلص والزمخشري أخص وأغوص .
أما ابن عطية نفسه فيقول عن تفسره في المقدمة : “…وقصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا لا أذكر من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح رضوان الله عليهم كتاب الله من مقاصده العربية السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز وأهل القول بعلم الباطن وغيرهم فمتى وقع لأحد من العلماء الذين قد حازوا حسن الظن بهم لفظ ينحو إلى شيء من أغراض الملحدين نبهت عليه وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم أو نحو أو لغة أو معنى أو قراءة وقصدت تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر كما في كثير من كتب المفسرين ورأيت أن تصنيف التفسير كما صنع المهدوي مفرق للنظر مشعب للفكر وقصدت إيراد جميع القراءات مستعملها وشاذها واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ كل ذلك بحسب جهدي وما انتهى إليه علمي وعلى غاية من الإيجاز وحذف فضول القول”
وتتلخص معالم منهج ابن عطية في المحرر الوجيز في النقاط التالية :
– الإعداد العلمي لهذا العمل وذلك بالتزود من العلوم كلها بزاد ، فقد كان على علم ودراية بالتفاسير التي تقدمته ، وعلى علم كذلك بكتب القراءات ، اللغة والنحو والحديث وكل ما يحتاج إليه المفسرون من علوم وكان يرجع في كل علم إلى مصادره الأصلية .
– إن ابن عطية لم يكن ناقلا لأقوال من سبقه من المفسرين وجامعا لها فحسب ، بل كان مع ذلك ناقدا ومناقشا لما ينقل .
– كان ابن عطية يميل في الغالب إلى تفسير القرآن بالقرآن وعلى الأقل يختار من الأقوال ما يؤيده القرآن ، ولأجل هذا عد تفسيره من كتب المأثور .
– وكان من أساس منهجه أن يعتمد على المأثور من أحاديث الرسول وأقوال الصحابة والتابعين ويختار منها ما بدا له الأوفق لمقتضى الشرع ومقاصده .
– وإذا تعرض ابن عطية لمسألة ما لم يتركها حتى يوفيها حقها من البحث والاستقصاء .
– اهتم بذكر القراءات القرآنية ما صح منها وما شذ .
– تجنب في تفسيره ذكر الإسرائيليات وأكثر من نقدها ونقد من سبقوه من الذين أوردوها .
– لم يكن ابن عطية متعصبا لمذهبه المالكي ، فكان يتحرى الحقيقة ويقف عندها .
– تميز أسلوب ابن عطية بالقوة والسلاسة والابتعاد عن التعقيد ويكفى أن عمل ابن عطية في هذا التفسير مدرسة يتعلم منها المفسرون , وقد سار على نهجه القرطبى في تفسيره .
بقي أن نشير إلى أن هذا التفسير بقي حبيساً في المخطوطات قرابة ألف عام إلا قليلاً، إلى أن قيَّض الله له ثلة من العلماء الأجلاء، الذين تولوا إخراجه إلى النور في ثوب قشيب من التحقيق والتدقيق والتعليق. فجزى الله الجميع خيراً، وجعل ذلك في صحائفهم، ونفع الله به المسلمين، وجعل مؤلفه في أعلى علِّيِّن آمين

وفيما يلى نموذجين من تفسير ابن عطية:
قوله تعالى: 1 – يفسر
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )( الحديد : 28 )
واختلف الناس فى المخاطب بها ـ يعنى بالآية ـ فقالت فرقة من المتأولين :خوطب بهذا أهل الكتاب ، فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله وآمنوا بمحمد ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح عن النبى صلى‌الله‌ عليه‌ وسلم : ” ثلاثة يؤتيهم الله أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بى ” الحديث ، وقال آخرون: المخاطبة للمؤمنين من أمة محمد صلى‌الله‌عليه ‌وسلم ، قيل لهم : اثبتوا على ذلك ودوموا عليه (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِه ) ِ وهذا هومعنى الأمر أبدا لمن هو متلبس بما يؤمر به .
وقوله : ( يؤتكم كفلين ) أى نصيبين بالإضافة إلى ما كان الامم قبل يعطونه قال أبو موسى الأشعرى : كفلين ) ضعفين بلسان الحبشة، وروى أن عمر بن الخطاب ( رضى الله عنه ) قال لبعض الأحبار : كم كان التضعيف للحسنات فيكم ، فقال : ثلاثمائة وخمسون ضعفا فقال عمر الحمد لله الذى ضاعف لنا إلى سبعمائة .
ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح الذى يقتضى أن اليهود إلى نصف النهار على قيراط ، والنصارى من الظهر إلى العصر على قيراط ، وهذه الأمة من العصر إلى الليل على قيراطين ، فلما أصبحت اليهود والنصارى على ذلك وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل أجرا ، قال الله تعالى : هل نقصتكم من أجركم شيئا؟ قالوا : لا قال : فإنه فضلى أوتيه من أشاء ” . والكفل : الح والنصيب .والنور هنا إما أن يكون وعدا بالنور الذى يسعى بين الأيدى يوم القيامة ، وإما أن يكون استعارة للهدى الذى يمشى به في طاعة الله .
2-يفسر قوله تعالى
( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (السجدة : 5)


الْأَمْرَ اسم جنس لجميع الأمور، والمعنى ينفذ الله تعالى قضاءه بجميع ما يشاؤه، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ خبر ذلك فِي يَوْمٍ من أيام الدنيا مِقْدارُهُ أن لو سير فيه السير المعروف من البشر أَلْفَ سَنَةٍ لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة هذا أحد الأقوال، وهو قول مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة والضحاك، وقال مجاهد أيضا: إن المعنى أن الضمير في مِقْدارُهُ عائد على “التدبير” ، أي كان مقدار التدبير المنقضي في يوم ألف سنة لو دبرها البشر، وقال مجاهد أيضا المعنى أن الله تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من عندنا وهو اليوم عنده فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدة ثم تصير إليه آخرا لأن عاقبة الأمور إليه، وقيل المعنى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ في مدة الدنيا ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ يوم القيامة ويوم القيامة مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ من عندنا وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة لهوله وشنعته حسبما في سورة ” سأل سائل” وسنذكر هنالك ما فيه من الأقوال والتأويل إن شاء الله، وحكى الطبري في هذه الآية عن بعضهم أنه قال قوله فِي يَوْمٍ إلى آخر الآية متعلق بقوله قبل هذا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (السجدة: 4) ومتصل به أي أن تلك الستة كل واحد منها من ألف سنة.قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف مكرهة ألفاظ هذه الآية عليه رادة له الأحاديث التي بينت أيام خلق الله تعالى المخلوقات، وحكي أيضا عن ابن زيد عن بعض أهل العلم أن الضمير في مِقْدارُهُ عائد على العروج، والعروج الصعود، والمعارج الأدراج التي يصعد عليها، وقالت فرقة معنى الآية يدبر أمر الشمس في أنها تصعد وتنزل في يوم وذلك قدر ألف سنة.قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أيضا ضعيف وظاهر عود الضمير في إِلَيْهِ على اسم الله تعالى كما قال ذاهِبٌ إِلى رَبِّي (الصافات: 99) وكما قال ” مهاجر إلى ربي” ، وهذا كله بريء من التحيز، وقيل إن الضمير يعود على السَّماءِ لأنها قد تذكر، وقرأ جمهور الناس ” تعدون” بالتاء، وقرأ الأعمش والحسن بخلاف عنه ” يعدون” بالياء من تحت.
دكتور / محمد عبد الحليم غنيم

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق