ثقافة المقال

لماذا تطمس الصهيونية إسم المفكر الإنكليزي والتر ستيس

أزراج عمر

في كتابه “فلسفة والتر ستيس”، الصادر عن دار “التنوير”، ببيروت، وحول أعمال وحياة المفكر الأنكليزي الأصل والأميركي الجنسية “والتر ستيس” (Walter Stace (1886-1967 يكشف الباحث محمد محمد مدين النقاب عن الملابسات التي أدّت بالتنظيمات الإسرائيلية/ الصهيونية إلى تشويه سمعة هذا الرجل وطمس صورته بالكامل حيث أن معظم الدراسات الفلسفية الغربية تتجاهله كما لا تذكر اسمه الموسوعات والقواميس المكرسة للفكر الغربي وللمفكرين الغربيين، مع العلم أن أعماله الفكرية تعدّ من بين الأعمال الأكثر أصالة ولا تقل قيمتها الفكرية عن قيمة أعمال وليم جيمس. في مستهل دراسته التي ركزت على المحاور التالية: أولا في نقد “ستيس” للوضعية المنطقية، وثانيا في مبدإ الأنواع التي يمكن ملاحظتها، وثالثا في مدى مصداقية الزعم بأن الوضعية المنطقية تطوّر مشروع ومنطقي للتجريبية، ورابعا في التحليل الظاهري للمبدإ التجريبي، وخامسا في أن المعطيات في المبدإ التجريبي ليست بالضرورة حسية، وسادسا في تحديد ماهية المنهج الميتافيزيقي، وأخيرا في مدى مشروعية الخبرة الدينية، والخبرة الصوفية، يطرح الباحث محمد محمد مدين هذا السؤال: ما هو السر وراء تجاهل الدارسين في الغرب للفيلسوف والتر ستيس؟

الوهم الصهيوني

عن هذا السؤال يجيب محمد محمد مدين بأن ذلك يعود أصلا إلى التعتيم الذي مارسته ضده المؤسسات الصهيونية بسبب مواقفه المساندة للعرب بشكل عام، وللقضية الفلسطينية بشكل خاص. وفقا للتحريات التي قام بها الباحث مدين فإنه قد وجد أنَ ستيس قد كتب في فبراير من عام 1947 مقالا تحت عنوان “الوهم الصهيوني” ونشره على صفحات مجلة أطلانتيك الشهرية عارض فيه الأطماع الإسرائيلية في فلسطين، وفند “الأساس القانوني للحجج الصهيونية” كما برهن على “تهافت” الادعاءات الإسرائيلية وفي الوقت نفسه فقد دافع عن حق العرب “القانوني في فلسطين”.

إن مواقف “ستيس” قد بدأت تنضج بعد إصرار مشروع وعد بلفور (1912) على تسليم فلسطين لليهود كوطن قومي لهم على أنقاض الحق الفلسطيني التاريخي. بناء على هذا فقد اعتبر اليهود/ الصهاينة موقفه هذا عداء سافرا لهم وعربون صداقة للعرب.

وصل الأمر باللوبي الصهيوني إلى اعتبار ستيس عدو اليهود اللدود والمناوئ لهم، ويرون أنه ينكر عليهم حقهم في وطنهم

لقد وصل الأمر باللوبي الصهيوني إلى اعتبار ستيس “عدوّ اليهود اللدود والمناوئ لهم، فهو على حدّ زعمهم ينكر عليهم حقهم في وطنهم”، وبالمقابل فإن دور النشر التي كانت تخضع للتأثير الصهيوني ومعها مؤسسات التعليم الجامعي قد لعبت أدوارا في تحقير هذا الفيلسوف والتقليل من شأنه، ويضيء الباحث مدين هذه الخلفية قائلا: “لقد تعرض ستيس لهجوم عنيف من اليهود، فتحت يدي خطابات متبادلة بين يهود وأميركان، ومنهم من كان معاصرا له، وهي خطابات كتبوها بعد الحادي عشر من سبتمبر يحمّلون فيها ستيس جانبا من المسؤولية.

وبالأحرى فقد ذهب بعض هؤلاء إلى أبعد من ذلك حيث حمّلوه المسؤولية التاريخية “عن كل ما يوصف اليوم بأنه إرهاب”.

طمس الحقائق

أعتقد أن الكشف عن هذه الخلفية يؤكد لنا أن الفكر الحر لم يسلم من المؤامرات الصهيونية في أي مكان إلى جانب ذلك فإن المعركة بين أصحاب الحق الشرعي في فلسطين وهم الفلسطينيون، وبين الصهاينة ليست عسكرية وسياسية فقط، وإنما معركة فكرية وأخلاقية أيضا. وفي الحقيقة فإن الفيلسوف والتر ستيس ليس الوحيد الذي تعرض للتعتيم، والتحقير، بل هناك الكثير من المفكرين والفلاسفة الغربيين ومنهم اليهود المعتدلون الذين تعرضوا إلى شتى أنماط العداء، والتغطية عليهم ومن هؤلاء العالم الألسني نعوم تشومسكي، والأكاديمي البارز في فضاء جامعة كمبردج البريطانية مارتن برنال صاحب كتاب “أثينا السوداء” الذي برهن فيه عن تأثر الحضارة اليونانية بالحضارة المصرية والأفريقية والفينيقية، وروجيه غارودي الذي كشف زيف الخرافات والأساطير الصهيونية وهلمّ جرا.
ومما يؤسف له أن المناهج التعليمية وتحديدا في مجال تدريس الفلسفة ببلداننا لا تهتمّ إلى يومنا هذا بكتابات والتر ستيس وأمثاله من أصحاب المواقف الشريفة.
أما على صعيد القيمة الفكرية لفلسفة والتر ستيس فإن دراسة الباحث محمد محمد مدين فقد أبرزت أن ستيس قام بجهود معتبرة لتصحيح وتقويم الوضعية المنطقية كما قدم نظريته في المعنى، وتوجهاته الصوفية.
وفي هذا الخصوص يخلص دارسنا الباحث مدين إلى أنه “يمكننا وصف الموقف المعرفي عند والتر ستيس بأنه ظاهري، فهو ينتمي إلى المدرسة الظاهرية وتختلف هذه الظاهرية عن الظاهراتية التي نجدها عند إدموند هوسرل في أن: “الظاهراتية تستهدف “ماهيات” الأشياء، وأنَ الظاهرية في المقابل تتوقف عند المعطيات المعطاة لها”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق