ثقافة النثر والقصيد

إلى خطيبتي

أفرَحني الصديق الأستاذ الكاتب فتحي فوراني المقيم في حيفا وهو من مدينة صفد التي هُجِّرَ سُكّانُها العرب عام 1948 ووصل مع عائلته بعد التهجير والترحيل إلى االنّاصرة ، أفرحني حين أرسل ورقتين مُصَوَّرَتين لِقصيدتين لي نشرتهما في مرحلة الدراسة الثانوية في نهاية الخمسينات من القرن الماضي ( 1959 كما أظُن ) في مجلة ” الفجر ” التي كانَ يُحَرِّرُها الشاعر الراحل راشد حسين ، طابَ ذِكْرُه ، وتصدُرُ في المثلَّثِ الشِمالي .

1 ــ إلى خطيبتي*
شعر
ابراهيم مالك من كفرياسيف
…… الإهداء إلى الشاعر محمود درويش
بَعَثَتْ إليه تقول :
أجمل ما يتمَنَّاهُ العاشِقان أن يصبِحَ لَهُما طِفْلٌ

خَطيبتي آواهِ لوْ أنَّكِ تَعْلَمين
في كُلِّ لَيْلَةٍ أراكِ في المَنامِ تَحْمِلين
طِفْلًا
على يَدَيْكِ نامَ مُغْمَضَ العُيون
طِفْلًا وديعًا أبْيَضَ الجَبين
على شِفاهِهِ تَرٍنُّ غِنْوَةُ الأمان
في عنقِهِ قِلادَةٌ خَضراء مِنْ جُمان
خَضْراءُ كالرَّبيعِ في نيسان …

خَطيبتي هذا الملاكُ طِفْلُنا الصَّغير
هذا الَّذي حَدَّثْني عنهُ … أتَذْكُرين ؟

حَدَّثْتِني عَنْهُ وَقُلْتِ …
طِفْلُنا سَيَسْلِبُ الزُّهور
جَمالَها وَ حُسْنَها الفَتّان
وَقُلْتِ أنَّ عيْنَيْهِ بُحَيْرَتانِ مِنْ حنان
كالأفقِ وَكالسَّماءِ زَرْقاوان

خَطيبتي أواه لَوْ أنَّكِ تعلمين
في كُلِّ لَيْلَةٍ أراكِ تَحْمِلين
طفلًا وَديعًا ساحرَ العُيون
يَقولُ لي بابا
يُناديني بِصَوْتِ المَلاكِ الحنون
بابا ويا فَرْحَةَ بابنهِ الصَّغير
بابا يناديني لِكَيْ أحْمِلَهُ كالحملِ الصَّغير
على يَدَيَّ أوْ أضُمَّهُ لِصَدْرِيَ الكَبير
في رِقَّةٍ مُدَغْدِغًا شِفاهَهُ بلين

خَطيبَتي متى تُرى ؟ أراك تحمِلين
على يَدَيْكِ طِفْلَنا الْمُبْتَسِمَ العُيون
لِكَيْ يُناديني بِصَوْتِ المَلاكِ الحنون
بابا …
لكَيْ أضُمَّهُ لِصَدْرِيَ الكبير
في رِقَّةٍ مُدَغْدِغًا شِفاهَهُ بِلين .

*حين قرأتُ من جديد في هذه الأيام قصيدة إلى خطيبتي المهداة إلى الشاعر العزيز محمود درويش طاب ذكره تذَكَّرْتُ حالًا ما قال محمود لبعض مرافقيه لزيارة لي في البيت في كفرياسيف . وكان الشاعر الراحل أيامًا قليلة قبل رحيله قرَّرَ توديع ثلاثة من صحبه في الجليل وعائلته قبل رحيله . والصحب الثلاثة الذين زارهم فجأة هم الكاتب الشاعر سالم جبران( صديق صفِّه في مدرسة كفرياسيف الثانوية ) وكان يسكن في الناصرة ، الكاتب القاص محمد علي طه من كابول والكاتب الشاعر ابراهيم مالك من كفرياسيف وقد قال لمرافقيه في بيتي : ابراهيم صديق من جيل المراهقة في ثانوية كفرياسيف ،
لكن لم يكشف حينها ولم أكشف ذلك أبدا قصص العشق المشترك بينه وبين طالِبة من عكّا وبيني وبين طالبة أخرى من قرية مُجاورة ، كُنّا نتواصل سِرًا وقد أكَّدَتْ صديقته أكثر من مَرَّةٍ لصديقتي أمنيتها بأن تصبحَ ذات يوم زوجته وتلدَ له وَلَدًا يناديه دائما : يا بابا ، فحكتْ لي صديقتي ما سمعت وحكيْتُه لِمحمود في الحديث بيننا وفي القصيدة .

2 ـــ أنْشودَةٌ مِنَ الرّيف
ابراهيم مالك جزائري**

السُّنْبُلاتُ السُّمرُ يَحْضُنُها النَّسيم
واللَوْزَةُ الخَضْراءُ يَغْمُرُها السُّهاد
والقَمْحُ في الحَقْلِ الطَّروب
يَدْعو المَناجِلَ لِلْحَصاد
والْمِشْمِشُ الْمَعْسولُ يَشْدو حَوْلَهُ سِرْبُ الطُّيور
والسَّرْوَةُ الشَّمّاءُ تُنْشِدُ لِلمُصَوِّرِ
أنْشودَةَ الرّيفِ الجَميل .

وَفي لَحْظَةٍ في ساحَةِ الدّارِ الرَّحيبَة
تَناثَرَتْ أشْلاءُ مِشْمِشَةٍ قَديمَة
وكانَ قَريبًا مِنْها زَيْتونَةٌ
فراحَتْ تبكي وتوجِعُها المُصيبَة
كَأنَّها الثَّكْلى الكَئيبَة
انحَنَتْ لِتَرْثي أخْتَها الْحَبيبَة .
المِدْخَنَة وكَنيسَةٌ جَلَسَتْ قربَ المئذَنَة
تتهامَسان وتَضْحَكان
تُرَتِّلانِ وَتُهَلِّلان .

” والعين ” مَلآى بالصَّبايا الحالِمات
قَدْ جِئْنَ يَمْلأنَ جِرارَ الماء
وَشُعورُهُنَّ السّود تَحْسِدُها اللَّيال
وَنُهودُهُنَّ الثّائرات ثارَتْ على عًسْفِ الزَّمَن

والبَيْدَرُ الوَلْهان يَبْسِمُ للشَّعير
و” اللوح ” خَلْفَ البَقَرَةِ السَّوْداءِ يَغْمُرُهُ السُّرور
وَهُناكَ أكْداسٌ مِنَ القَمْحِ الطَّروب
سَمْراء تَمْلأها الحُبوب .

والصِّبْيَةُ الطُّهْرُ الصِّغار
ساروا إلى المَرْحى النَّضير
وَعَلى وُجوهِهِم علاماتُ السُّرور .

والنّايُ يَعزِفُ للحَياةِ الباسِمَة
حَتّى لَتَحْسِدُهُ الطُّيور
فَتَهُبُّ تَبْعَثُ بالنَّغَم
نَغَمِ الهَناء
والدّيكُ يُرْسِلُ صَوْتَهُ العَذْبَ الرَّخيم
مِنْ غيرِ ميعادٍ يُبَشِّرُ بالصَّباحِ
وبالسلام .

**اعتدتُ أوقع كثيرا في جيل الشباب ابراهيم مالك جزائري وكثيرا ما استخدمت اسم الطائر الأمازيغي سردوك باهي الريش في جريدة الاتحاد الحيفاوية وجريدة فصل المقال النَّصراوية .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق