الموقع

السفاح الانتخابي

بقلم: إبراهيم عثمان

يبدو أن ما يحدث اليوم من سفاح انتخابي في جزائر المليون ونصف المليون شهيد، قد يستعصى مستقبلا على الفكر الانساني، وأدواته المعرفية أن يشرح للاجيال المقبلة الأسباب الموضوعية لهذا السفاح الانتخابي، واخضاعه الى الدراسة العلمية المتمكنة والتحليل السيكولوجي الرصين للوقوف على أسبابه والظروف التي ساعدت على تجذره داخل أروقة النظام الذي أبى واستكبر واستغول وتوحش واستفرد بالحكم منذ الاستقلال الى يومنا هذا. إن التخبط العشوائي الذي ترسمه خارطة  طريق الاستحقاقات الرئاسية التي ستنظم يوم 17 أفريل 2014 والتي سيفوز فيها رجل اعتلى كرسي الرئاسة ثلاث مرات على التوالي، ويريد أن يعتليه للمرة الرابعة مستهينا بعقولنا، وكأننا شعبا معوقا فكريا وسياسيا وأخلاقيا، وهذا على الاقل في نظر واحد من الداعين لعهدة رابعة، حيث صرح قائلا:” إن عقل الرئيس لأحسن بكثير وأقدر على التفكير والتدبير من عقولنا جميعا”.

تلك هي نظرية عمارة بن يونس التي تقول بالانسان المعجزة والتي تذكرني بتلك النظريات العنصرية التي كانت تدرس في المقررات الفلسفية وفي كتب علم النفس والاجتماع والتي يعتقد أصحابها بأن للبيئة الطبيعية والصفات الذاتية للجنس دور كبير في صياغة العقول ذكاء وفكرا ومهارة ونشاطا.              إن هذه النظرية الغريبة التي تخلى عنها أصحابها، لتجد من يتبناها  لعلها تمكنه من قطع الطريق أمام الجزائريين الراغبين في تغيير النظام بالطرق الاكثر سلمية، وهذا لكي يقلل  أيضا من فرص النجاح في بناء دولة ديمقراطية منزوعة من المفاهيم الخاطئة التي تقوم على التهميش والتزوير والاقصاء .

إن هذه الفكرة العبقرية عن العهدة الرابعة التي ستحرم أجيالا وأجيالا من التداول على كرسي الرئاسة إذا سمح كل وافد عليه، بأن يظل قابعا فيه لمدة قد تطول لأكثر من العهدتين الدستوريتين اللتين أقرهما دستور اليمين زروال الذي قدم للجيوش والانظمة العربية دروسا لا تمحي من الذاكرة في العزوف عن الكرسي .

وأمام هذا السفاح الانتخابي تعالت مجموعة من الاصوات الوطنية هنا وهناك .. وهي أصوات تكن للرئيس  كامل الاحترام والتقدير، قصد منعه من ارتكاب جريمة في حق تاريخ هذا الوطن، وفي حق تاريخه النضالي والسياسي .. الثوري  والدبلوماسي .. هذا النضال الذي خاضه وهو شاب من أجل أن يساهم مع كوكبة من الرجال الوطنيين الابطال في تحقيق الاستقلال والحرية والكرامة والسيادة لهذا الوطن الجميل الذي تداولت عليه عدة حضارات دون أن تفقده خصوصيته التي ما تزال الى يومنا هذا محل اعتزاز وفخر لكل الجزائريين دون استثناء.

نعم لقد ساهم بوتفليقة وبكل بسالة وشجاعة، ولا أحد بامكانه أن ينكر عليه ذلك في تحرير هذا الوطن  من استدمار ابتلي به لمدة قرن واثنين وثلاثين سنة، ومقابل ذلك استوزره الوطن وهو شاب ،ثم أجلسه على كرسي عرشه شيخا مسنا ومريضا. وكان ينتظر منه أن يساهم في استكمال بنائه على قواعد ديمقراطية راسخة تحترم الاحتكام الى العقل والقانون والمنطق والصناديق، وتحترم ارادة الشعب الى جانب احترام عاداته وتقاليده وأفكاره ومعتقداته ولغته، وتقدم صورة ناصعة ، مشرفة وجميلة عن وطننا الحبيب،لكنه للاسف لم يفعل.

ـ اذا ماذا يريد عمارة بن يونس وسعيداني بهذه النظرية الغريبة التي طلعا بها علينا في هذا الظرف الحساس الذي يحتاج منا الى اجماع وحكمة، الى وحدة وثبات وتضحيات، بل ماذا يريدان من هذا الوطن الذي سيحرمانه من فرص التداول على السلطة بتنظيرهما لعهدة رابعة لرجل منحه هذا الوطن الجهاد والوزارة والرئاسة ، فقام بتعديل الدستور دون أن يستشير الشعب وجعل من العهدتين المحددتين دستورا عهدة مفتوحة على المجهول.

ان ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة، وهو على هذه الحال من المرض المضني الذي أدخله مستشفى فال دو غراس وليزانفاليد الفرنسيين ، وجعله يتخلى عن مسؤولياته  لجشع حاشيته التي وضعت نفسها في حالة استنفار قصوى، سيشجع الوصوليين والانتهازيين والمتملقين للتفكير في اعتلاء كرسي رئاسة الجزائر الحضارة والتاريخ والنضال والثورات ، كما سيعرض سمعتها وسمعة مواطنيها من شباب ونساء وشيوخ الى السخرية والاستهزاء والتشفي والتنكيت .

وربما سيدفع بها نحو طريق مسدود يعيدها من جديد الى تلك العشرية السوداء التي لطخت سمعة الوطن وسمعة أبنائه، أو الى فوضى ثورات الربيع العربي التي وجدت ضالتها في النظرية اليعقوبية التي عبر عنها هولباش في دائرة معارفه بما يأتي:”نحن لا نرى على وجه الارض الا ملوكا عاجزين ظالمين ، أفسدهم الترف وأضلهم الملق وأبطرتهم الاباحية بغير عقاب. ملوك بلا نبوغ ولا خلق ولا فضيلة”.

ونفس الشيء فعله ديدرو وجيفرسون وزملاؤه ودي توكفيل الذي عرفها هو الآخر كالتالي :” النظرية اليعقوبية هي رد فعل واضح على الحكم عن طريق طبقة بذاتها . وحين لا تتاح فرصة للتدرج في الاصلاح  وللتحرير عن طريق الامتصاص ، فان حدوث امتصاص ثوري يكون من الامور المرجحة جدا”.

لكن اليوم فها هو نفس الشعب الذي سكت مكرها على تعديل الدستور الذي سمح له باعتلاء سدة الحكم لثلاث عهدات على التوالي ولم يشبع ، فها هو يناشده من جديد على لسان الخيرين من أبنائه المخلصين أن يترك سدة الحكم بطلا متوجا بدلا من الخروج مهانا ، لأن الذين شجعوه على المضي في الحكم لا يحبونه مثلما يحبه المواطن البسيط الذي يرفض الاسقاطات والتبريرات التي يحاول المستفيدون من تواجده في السلطة استغلاله بغباء ومنطق يستمد قوته من رداءة بتنا نعشقها وننتجها بامتياز ، والا كيف نفسر استشهادهم  بازنهاور وهم أكثر الناس عجزا  وأقلهم اقتدارا على فهم الواقع وقراءته قراءة استشرافية تتجاوز حدود الممكن ، وتقنع الرجل بالعدول عن الترشح.

ان الذين ينادون اليوم بعهدة رابعة ارضاء لنزواتهم الباراناوية وتبجحهم اللاأخلاقي خوفا على مصالحهم الضيقة  من مواطنين جزائريين يوجدون في آخر السلم الطبقي .. يشتركون معهم في المواطنة والوطن ، وهم نفس المواطنين الذين سئموا التهميش والحقرة والعيش بعقلية نظام مستبد لا يريد التداول على السلطة  ولم يتعض من أحداث التاريخ وثوراته التي أرعبت الرئيس نفسه ، فأعلن من مدينة سطيف العالي قائلا: ” طاب جناني”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق