ثقافة المقال

لماذا تفكر النفس بمنطق معكوس

أشرف القط

دعونا نتفق أولًا على بعض المصطلحات ونضع لها التعاريف :
-الصواب النفسي : ما تراه النفس صوابًا.
-الصواب الإلهي: ما أخبرك الله أنه الصواب.
-مرحلة ما قبل الإلهام: قبل أن يُلهم الله النفس الفجور والتقوى.
-مرحلة ما بعد الإلهام: بعد أن ألهم الله النفس الفجور والتقوى.
قبل الإلهام كانت النفس صفحة بيضاء لا تعرف ماهو الخطأ ولا تعرف ماهو الصواب، ولا تعرف ماهي الفضيلة ولا تعرف ماهي الرذيلة، وبعد الإلهام اختلف الصواب النفسي عن الصواب الإلهي، فالنفس تريد الزنا والله يريد العفاف، والنفس تحب البخل والله يحب الإنفاق، والنفس لا تصبر والله يحب الصبر ، فكيف حدث ذلك! لماذا تفكر النفس بهذا المنطق المعكوس؟
يقول الله في محكم آياته ” وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فألْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا”
فهناك ثلاثة احتمالات للإلهام:
١-أن تكون النفس أُلهمت الفجور أولًا ثم بعد ذلك أُلهمت التقوى.
٢-أن تكون النفس أُلهمت الفجور والتقوى معًا.
٣-أن تكون النفس أُلهمت التقوى أولًا ثم بعد ذلك أُلهمت الفجور.
الاحتمال الأول وهو أن النفس أُلهمت الفجور أولًا فاعتقدت أنه الفضيلة لأنها لا تعرف غيره، فتديَّنت بدينه، ولما أُلهمت التقوى بعد ذلك رأت أن التقوى جاءت بدينٍ جديد يهدم دينها القديم فرفضتها، لأنها اعتقدت أن التقوى رذيلة، ولذلك يختلف الصواب النفسي عن الصواب الإلهي وهذا ما أظنه الحقيقة،
ولو أن النفس أُلهمت الفجور والتقوى معًا، كانت لن تميل إلى الفجور ولن تميل إلى التقوى، لأني لو سقيتك السُمَّ والترياق معًا فلن تتأثر بأي منهما،
ولو أن النفس أُلهمت التقوى أولًا لتديَّنت بدينها لأنها لا تعرف غيرها، وتوافق الصواب النفسي مع الصواب الإلهي، وترفض الفجور بعد ذلك وينتهي الخلاف،
ثم كان الاختبار الإلهي للإنسان أن يضع الله بين جنبيه نفسًا تعتقد أن الفجور هو الفضيلة، ثم أخبره أن التقوى هي الفضيلة ليفرضها على النفس، ولكن مثل هذه النفس لن تقبل التقوى إلا بالقوة ولذلك أعطاه الله الإرادة، ثم ينظر الله ماذا سيفعل الإنسان، قال الله “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى” ولهذا أظن أن الله حرَّم الخمور على الإنسان حتى تزيد فرصة نجاحه في الاختبار الإلهي، لأن الخمور تسلبه السلاح الوحيد الذي يستخدمه ضد النفس وهو الإرادة،
ومن يقول أن هذا الاختبار الصعب ظُلم إلهي للإنسان، فأقول له تعالى نستخدم الرياضيات البسيطة لنحسب كمية الظلم التي وقعت على الإنسان، ودعني أسألك هل أهل الأعراف اللذين تساوت حسناتهم مع سيئاتهم في الآخرة -فمنعتهم من دخول النار -تساوت حسناتهم مع سيئتاهم في الدنيا أيضًا؟ الإجابة: خطأ لأن الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها، وبطريقة مبسطة في الحساب تكون نسبة الحسنات إلى نسبة السيئات في أعمال أهل الأعراف ١:١٠ هذا إذا تجاهلنا تمامًا ما غفره الله لهم من السيئات في الدنيا والذي قد يكون ضخمًا جدًا، أي أنهم اغترفوا من السيئات عشرة أضعاف ما غرفوه من الحسنات، ولذلك أظن أن نفوس أهل الأعراف أقرب إلى النفوس الأمَّارة بالسوء لأنه غلب عليهم السوء، ومع ذلك يرحمهم الله، ويرحم الله من أقل منهم، ويرحم الله من لم يفعل الحسنات مطلقًا، فالله خلق الناس لأنه يريد ملائكةً بالاختيار وليس بالإجبار كملائكة السماء، ومن يفشل منهم في أداء مهمته، ومن لم يقوم بها من الأساس رغم ما أعطاه له من إمكانيات كبيرة، يكافئه على ذلك بما هو أكبر، بشرط واحد فقط وهو إن لم تستطع أن تكون ملاكًا فلا تأتيني شيطانًا، لكنك في النهاية لن تكون كالذي أتم مهمته على أكمل وجه، إذن فالعُملة الإلهية الرسمية هي الرحمة، يستبدلها الله بالعدل فقط حين يكون الأمر بين العباد وبعضهم، أما الظلم فهو العُملة الرسمية للبشر .
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق