ثقافة المقال

هل الإسلام سلوك عملي أم تبليغ شفوي؟

بقلم قرار المسعود
 
ربما في أول وهلة يخيل للقارئ الكريم، أن هذا العنوان مبهم أو السؤال في غير في محله، لكن في واقعنا المعيشي نلاحظ جميعا أن هناك فرقا شاسعا بين تعاليم ديننا الحنيف و تطبيقه من خلال السلوكيات و التعاملات في المجتمعات الإسلامية بالاحتكاك مع الأفراد، فهذه الظاهرة لا يختلف فيها اثنان. فالسؤال المطروح أين الخلل يا ترى؟ هل هو في الرسالة ؟ أم في السلف الصالح (العلماء) ؟ أم في الطريقة أو الكيفية التي تلقيناها؟ أم في أنفسنا ؟ أم عوامل الزمان و المحيط؟ أم شيء أخر؟.
كل مسلمي المعمورة وحتى غيرهم يجزمون أن الرسالة المحمدية جاءت بكيفية و أسلوب دامغ و متلائم مع ما تحتاجه الإنسانية قاطبة وصالحة لكل زمان و مكان. كما برهنت للعالم و أعجزت العلم و العلماء الذين وصلوا إلى حقائق علمية و اكتشافات بعد كد و جد بواسطة الإمكانيات التكنولوجية المتطورة فوجدوا ما اكتشفوه موجود منذ أربعة عشرة قرنا تكلم عنه النبي محمد عليه الصلاة و السلام و معمول به من طرف المؤمنين. فأسلموا و كلما بحثوا كلما أعجزتهم هذه الرسالة التي تيقنوا من أنها خالدة و خاتمة و لا ريب فيها إلى يوم الدين.
و بخصوص السلف الصالح و كدليل، فيجب هنا أن نجزم أن لولاهم ما وصلتنا هذه الرسالة المقدسة و ذلك نتيجة لحرصهم على الحفاظ على الأمانة كما تلقوها و صون الوديعة و نصحوا الأمة و أفنوا حياتهم في العلم و تبليغه على الوجه الشرعي المسطر له و ما بدلوا تبديلا و عاشوا حياتهم محترمين و معززين ومكرمين من المسلم و غير المسلم، فبقي أثرهم لا يمحى عبر الزمان و أدوا الأمانة كاملة غير منقوصة.

أما بخصوص الطريقة أو الكيفية التي تلقيناها، و هنا أتكلم عن الفترة الممتدة من ما يسمى بالصحوة الإسلامية من بداية ثلاثينات القرن الماضي، أين أزداد التعلم و الإقتداء بالكتب أكثر فأكثر من الاحتكاك بالعلماء الأجلاء و ملازمتهم الذي هو من شروط التعلم الأصلي والصبر و الطاعة لهم حتى تكون لهذا التلميذ القدرة الكافية للتمعن في كيفية معالجة القضايا بين الناس بالفتوى “لا يفتى و مالك في المدينة”. فوسائل الاتصال المختلفة سهلت و طورت الطريقة الجديدة و نوعت المشايخ و المذاهب و أصبحت مودة و موطأ الإمام مالك لا يؤخذ به. و الفتوى يؤخذ بها على حسب الشيخ المحبوب لا على أساس فائدتها و ضروريتها لدى الفرد والمجتمع، و لا على أساس أنها المنهاج في أمور الدين و الدنيا و تعلم الجانب الشرعي من منبعه الصافي وما سار عليه الصّحابة والتّابعون و تابعوا التابعين من العلماء والأعلام الرّاسخين من القرآن الكريم والسُّنّة النّبويّة. كما أخذت الفتوى و علوم الدين ككل بالطريقة الحديثة في الجامعات و المعاهد و أهمل منها الجانب العملي الذي جاءت به الرسالة فتعالج أحوال الناس على حسب الموقع و الحالة و الظرف (الدين يسر لا عسر و الدين المعاملة لا نظرية و الدين النصيحة و الدين التجرد من الهوى في المفتي والمستفتي و الدين الإدراك و الإحاطة الشيء المفتي فيه. وما أشتهر به الإمام مالك في حادثة المرأة لهو منهاج لمن يعتبر).
نتيجة هذه العوامل أصبحت الفتوى نتلقاها من شيخنا الكبير و الجليل قوقل عبر الأنترنت ومن القنوات الأجنبية المختلفة ونقتدي بمشايخ لا يعرفون بيئتنا و لا عادتنا و لا محيطنا و نكذب من هم قريبون منا في ذلك و لا نسمع حتى من يقول قالها الشيخ أحمد حماني و لا الشيخ عبد الرحمان الجيلالي رحمهم الله على سبيل المثال في الجزائر.

فالتدبير لمكيدة الدين الإسلامي قديم جدا والتخطيط له أزلي و لا ينتهي رغم أنه معروف من قبل إنسان الكرة الأرضية كلها أنه صالح لكل زمان و مكان و ما يفيد الإنسانية جمعاء. فهذه المكيدة وجدت التربة الخصبة عن طريقة هؤلاء الدعاة المتطلعين الجدد لكل جديد غربي فأصبح ديننا من إعادة الصحوة أو النهضة و قاعدة إسلامية و دعشا و حلقات تبشير. بواسطة أبواق مستعملة و أخرى دفعها حب الشهرة و الظهور في المجتمع المتعطش بدون تعليم أصلي. فأظهروا للعالم أن الدين الإسلامي تطرف و إرهاب، فأتى أمر الله جوابا لهم من ذرة وباء جعلهم يقفون على المشارف أمام المآذن يتدبرون في الله أكبر الله أكبر شْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. ويدخلون حكامهم المساجد لطلب الدعاء من الأئمة و التضرع الى الله من أجل رفع وباء كورونا الذي لم يجدوا له لا دواء ولا تلقيح. فكل سكان المعمورة باختلاف أشكالهم و ألوانهم و اعتقاداتهم، تيقنوا أن الدين الإسلامي الحقيقي ليس هو الذي يسوقونه بل هو دين طاهر يستوجب الأخذ به.
فكجواب على الذين يعتقدون أن الدين الإسلامي تعلم في الجامعات و عبر القناة و الإذاعات و وسائل التواصل المختلفة يكفي، بل هو معاملة و سلوك ذاتي يجلب أفراد المجتمع إتباعه و الإقتداء به. فلو لم يتكلم المسلمون بألسنتهم و تبقى سلوكهم هي التي تتكلم وحدها لا كان الأمر أخر.
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق