ثقافة السرد

الأمـيـر الكـبـيـر

أديب الخوري

قد اخترنا الباقي بدل الزائل،
والخالدَ بدل الفاني،
والأبديَّ بدل الزمني،
والمطلقَ بدل النسبي،
والدائمَ بدل العارض –
عالِمَيْنِ أن هذا كلَّه يعني أن نختار
الضيقَ بدل الرحب…
ذلك أننا اخترنا الحب،
أو هو اختارنا…

هدى وأديب

أنا آسفٌ جدًّا!

أريد أن أعتذر مسبقًا من الأمير الصغير، من أنطوان دُه سانت إكزوپيري، ومنكم، أنتم الملايين الذين أحببتم “الأمير” وأُعجبتم به.

أنا أعلم أني لا أملك بساطةَ أنطوان وعمقَه ومقدرتَه على التعبير، وأخمِّن أن الكثيرين منكم، أنتم أصدقاء الأمير، لن ترضيكم هذه القصة – ومع ذلك، فما بيدي حيلة!

فمن جهة، لا أستطيع أن أكتم في نفسي ما جرى لي مع الأمير، مع علمي بأن محاولتي التعبير بأسلوبي الفج سوف تُفقِدُ الحدثَ عُمقَ أبعاده. ولذلك أطلب منكم أن تسامحوني.

وبعد، فقد يشعر الكثيرون منكم أنه كان من الأفضل للأمير أن يبقى “صغيرًا” في أذهانكم! قد تغيِّر هذه القصة صورةً طالما أحببتموها، وطالما أحببتُها أنا أيضًا. لكنني آمل، من جهة أخرى، أن نرى في الصورة الجديدة كمالاً للصورة الأولى، لا إبطالاً لها.

يبقى أنه قد يشفع لي في نشر هذه القصة أنني أردت أن أقدِّم هديةً مميزةً لهدى – وأنتم، الذين عرفتم الأمير الصغير وأحببتموه، تعرفون معنى الحب… والجنون! فلا بدَّ، إذن، أن تعذروني!

أديب

***

الأمـيـر الكـبـيـر

1

يصعب علينا كثيرًا أن نفهم سرَّ الحب. لكننا، مع ذلك، نعيشه بشكل أو بآخر، ونتمِّمه في أنفسنا وفي محيطنا.

يولِّد الإعجابُ رغبةً في التواصل، وتنمِّي هذه الرغبةُ توقًا، هو مزيجٌ من الألم والفرح. وفي أعمق معانيه، يستحيل التوقُ رجاءً. والحياة – وهي محبةٌ كلِّية – لا تخيِّب لنا رجاءً ينبع من القلب إذا كانت غايته أن يصبَّ في قلوب أخرى.

قد أُعجِبتُ بـ”الأمير الصغير” الذي روى قصته أنطوان دُه سانت إكزوپيري، ولَكَم أحببت هذا الأمير وعشقتُ عالمه. أصبح الأمير الصغير صديقًا شخصيًّا وحقيقيًّا لي. وكثيرًا ما كنت في أوقات وحدتي وكآبتي ألجأ إليه، فأعيد قراءة كلماته وأتعزَّى. لكن معرفتي به تعدَّتْ مع الوقت إطار الكلمات.

فلأنني كنت عضوًا في جمعية تُعنى بأمور الفضاء والفلك، كانت لي علاقةٌ جيدة مع النجوم والكواكب، وكنت أعرف جيدًا الكويكب B 612. ولكن، بما أن الإمكانات المادية لجمعيتي كانت محدودةً جدًّا، فقد أعوزتْنا على الدوام القدرةُ على إيجاد وسيلة للاتصال بذلك الكوكب أو رصده بمنظار فلكيٍّ يتيح لنا أن نراه مقرَّبًا بشكل معقول. كل ما كان ممكنًا لي هو أن أراه في حجم أصغر بقليل من رؤية القمر بالعين المجرَّدة. والحال فإن رؤية التفاصيل – البراكين والوردة و”الأمير” نفسه – كانت متعذرة.

لكنِّي لطالما أحببت النظر إلى النجوم في كلِّ الأحوال – وخصوصًا في ليالي الصيف التي يغيب قمرُها، فتبدو السماء فيها في أبهى مظاهرها مرصَّعةً كأجمل ثوب لأجمل عروس! هذا المشهد رائع الجمال بتنا نفتقده كليًّا، نحن “الكبار”، سكَّان المدن الكبيرة. إن شدة الأضواء وارتفاع الأبنية وتلوث الهواء وأشياء أخرى كثيرة باتت تحجب عنَّا رؤيةَ روعة سماء الليل، تمامًا كما تحجب أوهامُنا ومخاوفُنا وأفكارُنا وخيالاتُنا وعقائدُنا وإشراطاتُنا، كلَّما كبرنا، رؤيةَ حقيقة نفوسنا و”طفولتنا”.

حتى المدن الصغيرة والقرى الكبيرة فقدت أيضًا، إلى حدٍّ كبير، هذه الإمكانية الفريدة. فاليوم، في الصحراء وحسب أو في القرى الصغيرة “المتخلفة” التي لم تصلها الكهرباءُ بعد، نستطيع أن نرى الكون في أجلِّ صوره. أما أنا فقد أحببتُ على نحوٍ خاصٍّ مراقبة تلك الناحية من القبَّة السماوية حيث يوجد B 612، متسائلاً على الدوام: “هل أكل الخروف الوردة؟!” وكثيرًا ما كنت أسمع حقيقةً أصوات جلاجل آتية من الفضاء، وكان ذلك يبعث في نفسي بهجةً لا حدَّ لها. وفي أحيان أخرى، كانت الجلاجل تتحول إلى دموع منهمرة، فتجاوبها من عينيَّ دموعٌ حرَّى.

لعل ما ربطني بالأمير الصغير أيضًا هو شيءٌ آخر أعمق. ولأقُلْ، في بساطة، إنه نوعٌ من تشابُه العواطف وتقارُب الجراح. أعني أن ثمة “وردة” في حياتي أيضًا، وأنِّي كنت أواجه معها بعض الصعوبات[1]. من جهتي، كنت أعلم بوجود الملايين من الورود التي تشبهها؛ بل كنت أعرف أيضًا عن وجود ورود أحلى، وورود أكبر، وأخرى أطيب شذى، وأخرى أكثر ندرة. ومع ذلك، كانت “وردتي” تختلف في نظري عن كلِّ وردة أخرى. ليس الأمر أنها آلفتْني وآلفتُها فحسب، ولا أننا التقينا بعد سنين طويلة من الانتظار فقط، بل ثمة أسباب أكثر عمقًا بكثير.

ربما كان الأمير الصغير قد صُدِمَ عندما رأى في حديقة وحيدة الكثيرَ من ورود تشبه وردته. ومع أنه قد آمن بحقيقة ما قاله صديقه الثعلب فيما بعد عن “فرادة” وردته، فإنني أعتقد أن الأمير الصغير ما كان ليدرك أبعاد هذه الفكرة كلَّها إلا بعد عودته إلى عالمه، أعني إلى كوكبه. فهي الوردة الوحيدة هناك. إنها جزءٌ من حياته، من وجوده، ومن نفسه. إنها أكثر من وردة في جوار منزله. إنها جزءٌ من عالمه الداخلي أيضًا، عالمه الأكثر سرِّية وحميمية. إنها المثال لوردة تشع في نفسه إشعاعَ شعلة في مصباح. وحتى في الأوقات التي كانت تُصاب فيها ببعض الذبول، بل وحتى في الأوقات التي كانت تُظهِرُ فيها مظاهرَ الكبرياء تلك، فتجتاحُها نوباتُ السعال الحقيقي أو المفتعل، كانت تبقى ذلك المثال لتلك الوردة المشعَّة في النفس. وبالقدر ذاته، كان هو أيضًا جزءًا من حياتها ومن وجودها. إذ مَن يستطيع الادِّعاء بأن وجود الأمير الصغير يسبق وجود الوردة أو هو أهم منها؟ إن الأمير نفسه والوردة والبراكين الثلاثة، الناشطَيْنِ والخامد، الذي لا يدري أحدٌ متى يعود إلى النشاط، وحتى الجنبات وصغار البأوباب وشقائق النعمان، كانوا جميعًا يؤلِّفون ذلك العالم الرائع البسيط: B 612. كان الأمير الصغير يحيا في وردته بقدر ما كانت تحيا هي فيه.

كذا كانت حالي مع “وردتي” أيضًا! لكنني، مثل الأمير الصغير، كنت أعي ذلك ولا أعرف كيف أعيشه. كنت أعرف أن عليَّ أن أصغي إلى أعمالها فحسب. فوردتي أيضًا قد نثرت عطرها حولي وأضاءت ما يحيطني. لكنِّي كنت أنصت إلى أقوالها دون أن أشعر. كنت أصغر من أن أعرف كيف أحبها. وسافرت يومًا لأبحث لها عن قبَّة زجاجية تقيها تيَّارات الهواء! سافرت لأبحث لوردتي عن هدية تليق بها، بل تركتُها ومضيت لأبحث لها عن “نصر” أحمله إليها. لقد تركتها بقسوة، ربما، ليكون بمقدوري أن أحمل إليها مزيدًا من حسن اللقاء عندما أعود. لقد تركتُها ومضيت علِّي أتعلَّم يومًا كيف أحب!

وكما أنه ما من أحد يستطيع أن يجزم إنْ كان الأمير الصغير قد عاد إلى كوكبه أم لا، إنْ كانت الوردة قد حظيت بواقيتها أم لا، إنْ كان الخروف قد أكل الوردة أم لا، كذلك لا أعرف أنا نفسي إن كنتُ سأحظى باليوم الذي أعود فيه إلى وردتي الحبيبة لأقدِّم لها ما جنيت من سفري. أجل، ليس ثمة مَن يمكن له أن يدَّعي معرفة شيء عن الغد. ومع ذلك، أشعر في أعماقي، بل أعرف (يبدو أن فيما أقول بعضَ التناقض، لكن هذا ما أشعر به على كلِّ حال) أنني سأعود، ولو في اللحظة الأخيرة. إنها مسألة إيمان. أعتقد أن الأطفال وحدهم يستطيعون أن يفهموا تمامًا ما أريد قوله هنا.

يسعى الحب أن يتجسد، أن يستحيل واقعًا، أن يلمس ذاته، بل أن يعانق نفسه! كذا كنت أتوق دومًا أن أرى ذلك الصديق الذي بات عندي أقرب المقرَّبين، الذي بات عزائي وسلواي. لكن الوسيلة كانت تعوزني، وكان ذلك يزيد توقي أكثر فأكثر. وكما قلت بدايةً، كان التوق يستحيل رجاءً حارًّا. والرجاء لا بدَّ أن يستحيل، بل أن يتجسَّد واقعًا، في أوقات لا نعرفها، وبطُرُق لا نحلم بها.

2

قد لا يفهم معظم الناس – الكبار منهم خصوصًا – كيف يستحيل الرسمُ خروفًا حقيقيًّا في عالم الأمير الصغير. قد لا يصدِّق الكثيرون أن صديقي استطاع أن يرى الفيل داخل أفعى البواء، والخروف داخل بيته الصندوق وهو مجرَّد رسم. أما أنا، وعلى الرغم من أني، بعد أن بلغت من العمر ما بلغت، قد فقدت مواهب الطفولة كلَّها، فإن بمقدوري أن أفهم بعض الفهم أحداث القصة التي رواها ذلك “الطيار” العظيم وأصدِّقها. ذلك أنني أعمل في حقل الرياضيات، ومن السهل على الرياضي، على العكس مما يظن أغلب الناس، أن يرى الخروف داخل الصندوق! وإذا سمحتم لي أن أتوقف هنا، فإني أحب أن أتحدث قليلاً عن مجال عملي.

الرياضيات، في عرف الناس (الكبار بالتأكيد) علمٌ من العلوم، يفيدنا في تسهيل بعض معاملاتنا اليومية والعملية وفي ابتكار طُرُق ووسائل لراحتنا ورفاهيتنا، وفي بعض الأحيان لدمارنا! أو هي مجرَّد مجموعة من الوسائل المفيدة للجغرافيين وغيرهم ممَّن يحتاجون في عملهم لإجراء أنواع مختلفة من الحسابات؛ وهي، في أحسن ما يرَوْن فيها، طريقة أو منهج لفهم الطبيعة المحيطة بنا والكون الذي به نحيا. لكن الأمر ليس كذلك تمامًا. فالرياضيات، في الحقيقة، هي مجموعةٌ من العوالم والأكوان، بل هي لانهايةٌ من العوالم والأكوان! عوالمُ سحريةٌ هي، لا يستطيع غير الرياضي المتعمق أن يرى جمالها وسحرها. بعض هذه العوالم بثلاثة أبعاد – ومنها العالم الذي يعيش فيه الكبار هنا على الأرض، ويعتقدون أنه العالم الوحيد، أو في أحسن الأحوال، الأهم –، لكن معظمها في الحقيقة شيءٌ آخر: هناك عوالم ببُعد واحد أو ببُعدين (مثل عالم الورق والخروف المرسوم عليه)، وهناك عوالم بمائة أو بمليون من الأبعاد. هناك عوالم لانهائية الأبعاد وأخرى دون أبعاد! ثمة عوالم مستوية وأخرى منحنية بأشكال لا حصر لها. هناك عوالم تكعيبية أو سريالية، عوالم من أصوات مجرَّدة، وأخرى من صور مجرَّدة.

زبدة القول إن الرياضيات هي، بكلِّ بساطة، عددٌ لا نهاية له من هذه العوالم التي اكتشف الرياضيون قليلاً من بعضها القليل، لكنهم لا يعرفون الكثير عن معظمها. ولكم وددت لو يكون وصفها أسهل، أي لو كنت أنا نفسي أقدَر على التعبير عنها بلغة بسيطة. ومع ذلك، فإني لا أعتقد أن هناك حاجةً كبيرةً لذلك. إن كلَّ واحد منَّا يعرف في أعماقه وجود هذه العوالم ويتعرَّف إلى بعضها. وإذا كنَّا ننكر ذلك أو نتجاهله فإننا، دون أن نشعر ربما، فإننا نلمس هذه العوالم السحرية في أحلام نومنا ويقظتنا، بل ونلتمسها كلَّ يوم في سعينا المادي نحو “عالم أفضل”، كما في “صلواتنا”!

تقوم الصعوبة الكبرى في الانتقال بين هذه العوالم المختلفة. ثمة طُرُق خاصة لذلك، أطلق عليها بعضُ ظرفاء العلماء اسم “مسارب النمل”. لكن سلوكها يحتاج إلى مهارة كبرى وإلى مغامرة أيضًا. وقد يُضطر المرء، إذا شاء اجتيازها، أن يستفيد من هجرة الطيور البرية أو أن يتعلق ببعض النيازك أو أن يطلب مساعدة أفاعي الكوبرا! لكن هناك طرقًا أخرى، “سرِّية” إذا جاز التعبير: أعني أنها طُرُق لا نسلكها أبدًا، لكننا نجتازها بطريقة لا يمكن لنا بأيِّ حال شرحُها أو تفسيرُها. إنها تشبه قولنا: “نكون هنا، فنصير هناك”! – وفي أحيان كثيرة، دون أن نقصد ذلك مسبقًا، أو على الأقل، ليس في الوقت الذي نظن فيه أن هذا الانتقال سيحدث. أعتذر إذا كنت أجد صعوبةً في شرح الأمر. لنقل إننا نستطيع أن نتمنَّى فحسب وأن نتشوق للذهاب إلى عالم الأمير الصغير مثلاً. عندئذٍ يمكن لنا، في يوم لا نعرفه وساعة نجهلها، أن نجد أنفسنا، دون سابق إنذار، هناك.

يعرف المشتغلون بالرياضيات هذه الحقيقة ويعيشونها إلى حدٍّ بعيد. إنهم يتنقَّلون، من حيث لا يشعرون، عبر الرموز والأرقام والأشكال، عبر المعادلات والتجريدات التي قلَّ أن يفهمها غيرهم، ليرتحلوا في عوالم غريبة ويبحروا في دُنًى رائعة من السحر والعجب. كذا، وكما لو في حلم، وبينما كنت في صدد حلِّ مسألة معقَّدة، ألفيتُ نفسي فجأةً هناك…

3

أنا أمام كوخ صغير بسيط من الحجارة والخشب واللِّبن، مبنيٍّ بطريقة تشبه إلى حدٍّ بعيد الأكواخ القديمة التي مازلنا نرى الكثير منها في القرى الجبلية من سوريا ولبنان. إنه بيتٌ من ثلاث غرف في طبقة واحدة. وعلى يساره تلفتُ النظرَ غرفةٌ وحيدةٌ صغيرة منعزلة وشبه مهملة. خلفي بستان صغير مزروع فيه بعض الأشجار المثمرة وبعض الورود البسيطة. ما يلفت النظر والانتباه، في شكل خاص، هو ذلك الهدوء العظيم المخيم على المكان وتلك العزلة الرائعة التي اختارها صاحب البيت أو أصحابه (إذ لم يخطر ببالي قط أن تلك العزلة هي مَن اختارت بالأحرى صاحب البيت!). فالبيت والبستان يتسنَّمان ذروةَ تلٍّ يكاد أن يكون كامل الاستدارة. أما ما يحيط بهذا التل الصغير فأمرٌ لم أستطع تبيُّنه. إذ كان ثمة ضبابٌ يحجب، على المدى القريب، كلَّ شيء وفي جميع الجهات – أو هكذا بدا لي. بل لقد كان الموقع كلُّه يبدو بالحري كما لو أن قطعة من الأرض قد انفصلت عنها وراحت تحلِّق في السماء. نعم، ذلك هو الوصف الأنسب، على ما أظن.

ألتفِتُ جهة الشمس التي تكاد أن تختفي، فيأخذني ما أراه من مشهد. الشمس نصف كرة حمراء عند الأفق، تنثر نورها ألوانًا شتَّى في بقع الغيوم السابحة إلى فوق لترسم لوحةً حيةً هي في كلِّ لحظة أجمل فأجمل. سكونٌ رائعٌ يشقه صوتُ عصفور يرتفع مرةً هنا ومرةً هناك، يحدِّث بلغة لا يفهمها غير المحبِّين: “أحبك!” فيجيبه صوتٌ مشابهٌ مكرِّرًا الكلمةَ نفسها بتلك اللغة القدسية بعينها. ثم يحلِّقان فوقي مبتعدَين يشقان الفضاء كماجِنَين يطارد أحدهما الآخر، غير عابئ بكلِّ ما في الحياة غير وجود رفيقه. رائحة الأرض، رائحة التراب والبرية، تعبق في كلِّ مكان، تُفعِمُ الوجود بحضور خفيٍّ يتسلَّل خُلسةً إلى القلب والنفس، فيُسكِرهما من حيث لا يعلمان. نسيمٌ باردٌ منعش يلامس وجهي ويتغلغل في جسمي، فيكاد أن يحمله ليطير به، ليرفعه إلى النجوم. المشهد في جملته، والمناخ الذي يكتنفه، يعود بالمرء إلى أزمنة بعيدة، بل إلى بدء الأزمنة!

لا أذكر كم من الوقت لبثت واقفًا متأمِّلاً، قبل أن أفيق من شبه سكرة بما أرى على نحنحة وصوت ليسا بعيدَين. على بضع خطوات منِّي، كان شخصٌ جالسًا على جذع شجرة مقطوعة. أدركتُ أنه، نظيري، كان مأخوذًا بذلك الحدث الرائع: غروب الشمس.

أسير مقتربًا منه، غير عالم بما عليَّ أن أخاطبه به. كنت تمامًا كمن في حلم: يجهل مَن هو وأين هو ولماذا. لكن الرجل أنقذني بمبادرته وهو يقف مرحبًا بي:

– لقد وصلتَ أخيرًا، أهلاً وسهلاً!

أُسقِطَ في يدي ولم أعرف ما أقول! كان تعبيره يوحي بأنه ينتظرني. هو إذن يعرفني! أتأمله مليًّا فلا أتذكر الوجه. ومع ذلك، يخالجني شعورٌ بأني أعرفه حقَّ المعرفة. كان شعره أبيض كلون بشرته، لكنه مع ذلك لم يبدُ كبيرًا جدًّا كشيخ. إن ما عليه من مسحة مهابة لا يتفق كثيرًا مع ما يبدو في وقفته وحركته من حيوية الشباب. أما عيناه الصغيرتان فلقد خُيِّل إليَّ أنهما تحتجنان ألم الكون في جملته! حاولت جاهدًا أن أتذكَّر. شيءٌ في داخلي كان يؤكد لي أني أعرفه، لكن ذاكرتي خانتني. وكأنه حَزَرَ ما يجول بخاطري وأراد يسهِّل عليَّ الأمر، فاستأنف الحديث:

– أنت قادمٌ من الأرض، إنْ لم أكن مخطئًا؟!

“أنا لستُ على الأرض إذن”، حدثتُ نفسي. فأنا على كوكب آخر. ولمع في ذهني اسم B 612. وكان أول ما خطر ببالي هو أن أتلفَّت باحثًا عن الوردة، لكني خشيت ألا يكون ذلك عملاً لائقًا، فأحجمت.

– أجل، أنت ضيفي اليوم في عالمي: B 612!

تملَّكتْني الدهشةُ حتى غمرتْني: دهشة وجودي الذي لم أفهمه بدايةً على تلك الحال وفي هذا المكان، ودهشة إدراكه لما يجول بخاطري. كنت عندئذٍ قد تيقَّنت في نفسي أن مَن يقف أمامي هو صديقي الأقرب، بل صديقي الحقيقي الوحيد. أحسست بذلك من صوته، من دفئه، أحسست بقرب منه لا يمكن لي التعبير عنه بكلمات. لكن ما أربكني قليلاً هو ذلك الشعور بكوني أشبه بكتاب مفتوح أمامه. ألعلَّه كان يعرفني كصديق كما عرفتُه أو أكثر؟! لكني التقيت به في كتاب. فمتى وكيف لقيني هو؟ مرةً أخرى، كسر الصمتَ ليُخرِجَني من دهشتي وحيرتي ويُدخِلَني شيئًا فشيئًا إلى عالمه.

– لقد زرتُ في الزمن الماضي سبعة كواكب، ولعلِّي أستطيع أن أؤكد لك أن كلَّ فعل تقوم به سيعود إليك، ولو بعد حين. كذا فلقد استقبلت من بعدُ جميع مضيفيَّ السابقين. ولما كانت الأرض هي آخر وأبعد وأكبر وأجمل كوكب قمت بزيارته، فقد كنت أتوقع في نهاية المطاف أن تزورني أنت. وها أنت ذا هنا. أهلاً بك، مرةً أخرى، أيها الصديق!

عندما لفظ الكلمة الأخيرة، شعرتُ أن شيئًا فيَّ قد تغير، وشعرتُ أن شيئًا في الكون كلِّه قد تغير! لقد نفذت الكلمة حتى أعماق نفسي، فجاوَبَتْها في قلبي مشاعرُ الحبِّ والصداقة والمشاركة والوحدة كلها. أحسست بدافع إلى أن أقبِّله، أن أعانقه. ونظرت في عينيه، فقرأت الإحساس نفسه، وبلهفة أكبر. ومع ذلك، فلقد لبث كلٌّ منَّا واقفًا في مكانه. كانت نظراتنا فحسب، بل وروحانا أيضًا، في عناق. ما شعرتُ بدافع لأن أقولَ أيَّ شيء. لكن لساني تحرَّك من تلقاء نفسه، فأجبته وكأن الكلمات كانت تُملى عليَّ من مصدر لا أعرفه، أو كأنها كانت تنبجس من تلقاء نفسها متدفقةً كمياه ينبوع:

– أنت صديقي، أنت الأمير الصغير!

وإذ به يطلق ضحكةً مجلجلة! شعرت أن كيانه كلَّه اهتزَّ فرحًا، وكأنه لم يضحك منذ ألف عام!

– لستُ صغيرًا، كما ترى…

ثم قطَّب حاجبيه، وأضاف بصوت يكاد لا يُسمَع، وابتسامةٌ باهتةٌ ترتسمُ على شفتيه:

– كما أني لم أعد أميرًا… لقد صرتُ ملكًا!

لم يخطر ببالي أنه كان جادًّا. وتحدثنا طويلاً ونحن واقفَين بعد. أخبرته عن الكتاب الذي نَشَرَه أنطوان دُه سانت إكزوپيري والذي قرأه ملايينُ الناس على الأرض، حدَّثته ببعض التفاصيل عن كيف روى ذلك الطيار القصة، كما حدَّثته عن نفسي: عن النظر إلى النجوم وعن أصوات الجلاجل والدموع المنهمرة. أما هو فكان يصغي وكأنه يسمع ما أقول للمرة الأولى، وكأنه، في الوقت عينه، يعرف التفاصيل كلَّها خيرًا مما أعرف. وشعرت، بالأخص، أنه كان يعرفني معرفةً شخصيةً وأن زيارتي هذه – وهي ثمرة توقي للتعرف إليه – كانت، في الوقت ذاته، ثمرة انتظاره لها، وأنها لم تكن حَدَثًا عارضًا على الإطلاق.

4

تفقد الأسطورة – وهي الحقيقة البدئية – الكثير الكثير من معناها إمَّا تجسَّدت حَدَثًا. الحقيقة نفسها تبدو نافلةً ومبتذلةً عندما تتجلَّى في عالم الواقع. فإنْ لم تكن لنا العينُ التي تستطيع سبرَ الأشياء والتي تستطيع رؤية ما وراء الأشياء، إنْ لم نستطع أن نرى في القلب – لأن الحقيقة لا تراها العين –، باتت الدنيا، بكلِّ ما فيها، خاويةً في نظرنا من أيِّ معنى.

تتغير مشاعرُنا، ومن ثمَّ مواقفُنا، تجاه الأشخاص ما إن نقترب منهم ويقتربون منَّا. عندما تسقط الحواجز وتتهاوى البراقع، عندما نكتشف أن الذي أمامنا ليس صورةً نرسمها له في ذهننا كما نشاء، وعندما لا ننتبه، على نحو خاصٍّ، إلى أن ما يتغير في مشاعرنا ومواقفنا يتغير مثلُه في مشاعر الآخر ومواقفه، فإننا نشعر بخيبة أمل، ولا ننتبه – وهذا مهمٌّ جدًّا – إلى أن الآخر يشعر أيضًا بخيبة الأمل. خيبة الأمل هذه، وما يمكن أن يترتَّب عليها من تبعات، من تنافُر، من حوار طرشان، أو على العكس، من وضع المزيد من البراقع والقيام بالمزيد من التمثيل، لا تتغلب عليها ولا تسمو فوقها غير المحبة الحق. فالمحبة الحق لا تسقط أبدًا!

هكذا، ومع تبادل الحديث مع الأمير، بعد أن سألني عن الأرض وأحوالها وأهلها وعن أشياء مختلفة لم أعد أذكرها كلَّها، كانت الأسطورة تستحيل واقعًا. وكنت أقرأ، لا في أسئلته وكلماته فحسب، بل في لهجته خصوصًا، ما ولَّد فيَّ ذلك الانطباع بخيبة الأمل. ألعلِّي قد رسمتُ صورةً له لا أحب التخلِّي عنها؟ أم لعلَّه، بعد هذا الزمان كلِّه، قد تغير هو الآخر؟ ولأنِّي آمنت دومًا بالمحبة وبالصراحة، فإنني لم أتردد كثيرًا قبل أن أشير إلى صديقي بما شعرت به:

– إنك تتحدث مثل الكبار، إنك لم تعد بحقٍّ صغيرًا، أيها الأمير!

أغمض الأمير عينيه، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مازلت حتى اليوم أحار في تفسير معناها. وللحظات قليلة، شعرت كما لو أنه انتقل إلى عالم آخر، أو كما لو كان يستعرض أحداث حياة كاملة في لحظة واحدة. كانت أفكارٌ كثيرةٌ تطوف في خاطري وأنا أصغي إليه. وكنت في كلِّ لحظة أزداد عجبًا ودهشة. وبدأ الظلام يرخي سدوله، وبدأت بعض النجوم تلوح هنا وهناك. ومرَّت لحظاتٌ قليلةٌ من الصمت شعرت في أثنائها أني حظيتُ بجواب الأمير الصغير عن سؤالي. أما هو فقد استأنف يقول:

– وكالكبار أيضًا، أدعوك لتقاسمني عشائي… هلمَّ ندخل.

لم يكن لبابِ البيت الخارجيِّ أي قفل ومفتاح، إذ كان يُفتَح بمقبض نحاسيٍّ من الداخل ومن الخارج على السواء. وكان هذا الباب الخارجي ينفتح في الداخل على مطبخ صغير، فيه مائدةٌ صغيرة مستديرة رأيتُ عليها رغيفًا من الخبر وطبقًا لم أتبيَّن ما يحتويه. حول المائدة ثلاثة كراسٍ من الخشب والقش. ما لفت نظري أن هذه الأشياء كلها كانت صغيرة الحجم نسبيًّا، كما لو أن البيتَ بيتُ أقزام كبار! فوق رفٍّ قريب على يسار المائدة يشتعل فانوسٌ وقودُه زيتٌ يلتمع ببريق جميل وهو يعكس نور الفانوس.

تناول الأمير شمعةً من أحد الرفوف فأضاءها ووضعها على المائدة، ثم جلس ينظر إليها، ولبث كذلك مهلة. وعندما بدأ السأمُ يتسرَّب إلى نفسي، إضافةً إلى الدهشة والعجب، سمعته يقول:

– أتعلم؟ إني كثيرًا ما أشعل شمعة وأمضي أراقبها حتَّى تذوب… يُخيَّل إليَّ في بعض الأحيان أن هذا هو العمل النافع الوحيد الذي أملك أن أقوم به!

لم أفهم تمامًا ما يقول، لكن لهجته كانت تُنبئ بأن ما يقوله هو عين الحقيقة. بل وثمة شيءٌ آخر أيضًا: عندما يتحدث امرؤٌ عن أمر يعيشه كلَّ يوم، عندما يكون كلامُه ثمرةَ حياته اليومية ونتاجها العفوي، فإنه يحمل، حتى وإن بدا غامضًا غير مفهوم، الحقيقةَ كلَّها. أما هو فكان يردف متابعًا، وكأنه يخاطب نفسه:

– هذا العشاء البسيط الذي نتناوله هو شمعٌ يقدِّم نفسه، يحترق، ليغدو فينا طاقةً للحياة، ليستحيل فينا أعمالاً وأفكارًا وكلمات، ليستحيل فينا مشاعر وعواطف، ليستحيل فينا نورًا ونارًا. كل ما في الكون شمعةٌ لكلِّ ما في الكون، والكون ذاته شمعةٌ كبرى: فهو في الوقت ذاته الشمع والفتيل والنار.

لم أفهم كثيرًا كلماته وقتذاك، لكنِّي آمل أني أفهمها اليوم. فها أنا أكتب هذه الكلمات – كلماته نفسها – إليك، أيها القارئ العزيز، على ضوء شمعة. فالشمعة التي تحترق لا تذوب عبثًا: إنها تستحيل نورًا، يتحول بدوره إلى هذه الكلمات. فهذه الكلمات هي نور الشمعة، وهي حبر القلم، وهي بعض جهود مَن صنع القلم، وبعض أفكار مَن ابتكر اللغة التي بها أكتب ومَن علَّمني الكتابة. هكذا أفهم كيف يكون الكون كله شمعةً لكلِّ ما في الكون، وكيف يكون الكون شمعةً واحدةً كبرى.

أما عشاؤنا ذلك المساء فكان رائعًا في بساطته، في رفقة الأمير، والجوِّ الحميم الذي كان يسود ذلك البيت الصغير، بل ذلك العالم في جملته، ثم ضوء الشمعة على نحوٍ خاص. ذلك كله جعلني أشعر بشيء استثنائيٍّ من الفرح في تناوُل الطعام ومن الشكر لصديقي على حفاوته، بل من الشكر للكون في جملته.

كانت تلك هي المرة الأولى التي أذوق فيها مثل ذلك العسل. ومع كسرة خبز، كان ذلك عشاءنا كلَّه، وكان في نظري أفخم عشاء تناولته في حياتي. ومع ذلك، لم أعرف إلا فيما بعد ما الذي كنت آكله!

تناولنا العشاء صامتَين، وكنت أنظر إليه بين الحين والآخر. لم يكن صامتًا عن الحديث فحسب؛ كان لا يفعل أيَّ شيء آخر غير تناوُل الطعام، وكأنه يتمِّم سرًّا عظيمًا أو يقيم طقسًا مقدسًا. وعندما انتهينا، بدأ يقص علي:

– عامًا كاملاً تركتُ بيتي وعالمي، بل عامٌ وأسبوع. ولمَّا عدتُ إليهما، أحسست كمن يعود إلى عالم آخر. شعرتُ أن كلَّ شيء كان أصغر من قبل، وسألت نفسي إن لم أكن أنا قد كبرت! ثمة أشياء كثيرة تغيرت أيضًا. تراكَمَ الغبار والسخام في البركانين الناشطين حتى أوشكا أن يخمدا؛ شجرةُ بأوباب نمت، ولم يكن هناك مَن يستأصلها؛ البيت نفسه كان قد بدأ بالتداعي، وكان يحتاج إلى عمل كثير حتى يعود إلى سابق عهده؛ سحابةٌ سوداء غطَّت الكوكب ونشرت سمومها في هوائه… لم أعرف من أين عليَّ أن أبدأ العمل، في الوقت الذي كنت فيه في ذروة التعب والإعياء. والحال، فقد خلدتُ ليلتذاك إلى النوم… لم تكن ليلتي هادئةً بحالٍ من الأحوال. كان قلقٌ شديد ينتابني: إن مملكتي لفي خطر! وتسلَّل الخوف إلى نفسي، فبدأت أفكِّر مثل الكبار، ولم أستطع أن أكفَّ عن ذلك مذ ذاك الوقت. وبدأت أتعلَّم أن عليَّ أن أكون أكثر حذرًا، أن أفكِّر بالمستقبل، أن أخاف مما يمكن أن يحدث. وفي اختصار، بدأت أظن أن تنظيم العالم هو من اختصاصي! وكما هي العادة، فقد بدت لي المسألةُ قضيةَ حياة أو موت، وجود أو فناء. وفهمت، لأول مرة، حرص ذلك الطيار على إصلاح طائرته، وفهمت أن ذلك حقٌّ أيضًا وواجب… كنت أتعلم أن على المرء ألا يهمل كوكبه أبدًا من أجل جزء منه، مهما كان مهمًّا وعزيزًا. وفهمت فيما بعد أن الكلَّ واحد!

زاد في قلقي أنْ هبَّت في تلك الليلة عاصفةٌ عاتيةٌ يندر أن يشهد كوكبي نظيرًا لها. لكنِّي حين تفقَّدت البراكين في الصباح، وجدت أن الريح العاصفة قد كنستها ونظَّفتها. أما شجرة البأوباب التي كنت أبحث في قلق عن طريقة أنتزعها بها من جذورها، فقد لاحظت أنها قد بدأت تيبس لأنها لم تجد في تربة الكوكب الصغير مكانًا تضرب فيه هذه الجذور، وكان يكفي أن تمرَّ بضعة أيام كي تموت من تلقاء نفسها. (ولم أجد مشقةً كبيرةً فيما بعد في قطعها وجعلها مقعدًا يزيد جلوسي عليه من متعتي في متابعة الغروب.) وهكذا فإن بعض ما كان يخيفني صار سبب فائدة لي من حيث لا أدري. شعرت كما لو أن العناصر والأشياء كلَّها قد مدَّت يد مساعدتها لي، واكتشفت أن ترتيب عالمي لم يكن من شأني وحدي. العمل الوحيد الذي كان عليَّ أن أقوم به بنفسي حينذاك كان تنظيف داخل بيتي. فاسمع هذا جيدًا، يا صديقي: إن العمل الوحيد الذي يستطيعه المرء هو العناية بمنزله الخاص!

كنت أنصِتُ لما يقول، فأفهم بعضه ويفوتني بعضه الآخر. وكنت أشعر في الحالتين أن كلماته تنطوي على حقائق بعيدة الغور، وأن عليَّ أن أعيد التأمل فيها حتى أدرك عمقها. عرفت فيما بعد أن التأمل لا يكفي، وأنه كان لا مناص للحياة نفسها من أن تعلِّمني كلَّ شيء. كنت أنتظر أن يصل في حديثه إلى ما آل إليه أمرُه مع الوردة، ذلك أني كنت أشعر أن ذلك من شأنه أن يساعدني في قضيتي مع “وردتي”. وكنت كلَّما صمتَ قليلاً ثم عاد إلى الكلام، أشعر أن الوقت قد حان. وهكذا شعرت بالخيبة مراتٍ كثيرة. أما هو فقد تابع يقول:

– ومع ذلك، فإن تلك البذرة من الخوف التي زُرِعتْ في قلبي بدأت تنمو، وبدأتْ تكبر، وأكبر أنا معها. ويومًا بعد يوم، صار وقتي أضيق فأضيق، وصارت واجباتي أكثر فأكثر. وقد زاد من ذلك أنِّي بدأت أستقبل بعض الزوار الذين تركوا لي بعض المهمات.

كان يتكلم دون تكلف أو افتعال. وإذا بدا للقارئ أن ما أنقله من حديث الأمير يمكن له أن ينطوي على رتابة أو إملاء أو وعظ، أو إذا شعر بأن الأسلوب مملٌّ أو مضجر، فإن الذنب ذنبي وحدي! فأنا لست عاجزًا عن نقل كلمات الأمير نفسها فحسب، بل وكذلك عن وصف لهجته وبُحَّة صوته ونظرات عينيه وحركات يديه… قد يمكن للصور التي نجحت في أخذها للبيت من الداخل والخارج أن تساعد القارئ قليلاً في عيش ذلك الجوِّ الفريد.

5

– “زارني الملكُ أولاً”، قال الأمير، وابتسم كما لو كان يستعيد تفاصيل يصعب التعبير عنها، ثم تابع يقول: “كان يبدو أصغر قامةً لدى قدومه، خصوصًا أنه نشر معطفه الواسع مستخدمًا إيَّاه كمنطاد للهبوط، وبعد أن أصابه بعض النحول بسبب تقدُّم السن.”

– “السلام عليك، يا أميري”، قال الملك بوجه ملؤه البِشْر.

– “وعليكم السلام، يا جلالة الملك. كدت لا أعرفكم، مع أنه سبق لي أن رأيتكم…” وقاطع الأمير نفسه متوجِّهًا إليَّ:

– كنت أتحدَّث مع الملك، ملاحِظًا أنِّي أخاطبه بصيغة الجمع، لا المفرد، وهو أمرٌ لم يكن من عادتي. أمَّا كيف جرى ذلك فما اهتممت كثيرًا للسبب. لكن الملك كان قد تخلَّى عن مُلْكه، على حدِّ ما أخبرني وعلى حدِّ ما بدا عليه حقًّا، حتى جعلني أتساءل عن مصير المملكة من دونه أو عن وجود خليفة له، الأمر الذي عبَّرت عنه بسؤال. فكان جوابه:

– “لم أعد أشعر أن ذلك مهمٌّ كثيرًا. لقد سمعت عن ملك قديم ترك مُلكه وسكن في الغابة. كان ذلك في كوكب الأرض. أنا ذاهبٌ إلى هناك لأتعرَّف عن كثب إلى ما حدث حقيقة…”

– “هل تعتقدون ذلك حقًّا؟! لقد كادت مملكتي الصغيرة أن توشك على الدمار لأنِّي تركتها سنةً واحدة. فكيف تفكِّرون أن تتركوا مملكتكم الكبيرة الزمن كلَّه؟”

– “آه، إن كنت ترى حقًّا ضرورة وجود ملك، فإنِّي أترك لك خلافتي. كن أمينًا في حكمك، عادلاً في قضائك، واحرص على عدم التفريط بالفأر الهَرِم. إنِّي أترك لك هذا المعطف الملكي؛ فهو قد يكون عائقًا لي في رحلتي البعيدة، كما أنه لن يفيدني في النزول على الأرض، فهو أقل أثرًا من أن يقاوم جاذبيَّتها. أعتقد أنها جذَّابةٌ جدًّا، هذه الأرض! أما أنا، فلقد اكتشفت – وآمل ألا يكون ذلك بعد فوات الأوان – أن رغبتي العميقة ليست في أن أَملِك، بل في أن أُملَك.”

غيَّر الأمير لهجته هنا، قائلاً، كمن يتذكر فجأةً مقطعًا مهمًّا:

– “لقد فهمت فيما بعد أن الحبَّ كان قد مَلَكَ قلبَ ذلك الملك…”، ثم استأنف روايته:

– سألَني الملك مستوضحًا: “أخبرني، لقد سبق أن زرت الأرض على ما أظن؟”

– “نعم، وكان فيها مائة وأحد عشر ملكًا، ولا أعلم إن كانوا قد زادوا أو نقصوا الآن.”

– “كما أن فيها الكثير من المملوكين، على ما أظن. أعتقد أن هذا رائع جدًّا: أن يوجد سادةٌ وعبيد، ملوكٌ ومملوكون… في كوكبي لم يكن الأمر كذلك أبدًا، ولهذا كنت أشعر على الدوام بالملل. سأجهد أن أنضمَّ إلى الفريق الثاني.”

– ثم أضاف مازحًا، كما لو كان يذكِّرني بحادثة جرت منذ عام: “وداعًا، أيها الملك الجديد… هلاَّ جعلتني سفيرَك؟”

– “وداعًا يا سفير!”

كان الأمير خلال حديثه يندمج دون قصد منه في الرواية، فيتخذ مواقف تمثيلية، ثم يعود من جديد إلى الشخص أمامي، فيتابع الحديث:

– “وهكذا تناولت المعطف الذي تركه الملك، ووضعته على كتفيَّ، وصرت ملكًا!” ثم ابتسم مردفًا: “ألم يكن ذلك كافيًا كي أكبر؟ لقد كان خطوةً على كلِّ حال!”

لا أدري لماذا تذكرت، والأمير يخبرني كيف أصبح ملكًا، قصة ذلك الناسك الحكيم الذي سمع عنه ملك البلاد، فأرسل في طلبه كي يجعله مستشارًا خاصًّا لديه. تروي الحكاية أن رسول الملك بلغ الناسك الحكيم، فوجده نصف عارٍ، جالسًا القرفصاء يصيد السمك بالصنارة. أبلغ الرسولُ الحكيمَ رسالةَ الملك، فما كان من ذاك إلا أن انخرط في ضحكٍ مجلجل. ولكي لا يدع السفير في حيرةٍ كبيرة أوضح له قائلاً: “هل صحيحٌ أن سلحفاةً محنَّطةً درعها مغشًّاة بماسات برَّاقة تقوم على مذبح الهيكل الكبير في المملكة، وأن الملك يقدِّم لها بنفسه التسبيح كلَّ يوم؟” “صحيح”، أجاب الرسول. “الآن إذن”، استطرد الناسك، “هل ترى إلى هذه السلحفاة هناك، المجرجرة ذيلها في الوحل؟” “نعم”، قال الرسول. “فهل تظن أن هذه تود أن تقايض مكانَها مع تلك؟” هذه المرة أجاب الرسول بالنفي. حينئذٍ قال له الحكيم المتجرِّد: “فاذهب وأخبر جلالته أنِّي لا أود أن أعيش على منصَب، لأن ذلك غير ممكن.”

حين رويت هذه القصة للأمير، علَّق قائلاً:

– “هذا صحيح… أن تترك الصيد بالصنارة لتصبح ملكًا أو مستشارًا للملك، أن تكبر بهذا المعنى، أمرٌ يحاكي الانتقال من الحياة إلى الموت. ومع ذلك، ليس الموت غير بداية حياة جديدة – وهذا ما يصعب علينا أن نتقبَّله في غالب الأحيان.” ثم أردف الأمير كمن يحدِّث نفسه: “لا أعلم حقًّا إن كنتُ قد كبرت أنا وصَغُر الملك، أم أن الملك كان يكبر وكنت أنا أصغر… لكلٍّ ما يظنه.”

6

الزائر الثاني، كما حزرتم على الأغلب، كان الرجل المغرور. كان هذا الممثِّل قد تغير كثيرًا وبدا أكبر ممَّا ينبغي، حتى إن الأمير كاد ألا يعرفه، كما أخبرني هو نفسه. وما إن لمحه قادمًا صوبه حتى بادره مرحِّبًا:

– “أهلاً، أهلاً، كم أنا معجبٌ بك ومشتاقٌ لرؤيتك!”

– “شكرًا على ترحيبك.”

ردَّ الرجل في رزانة، وهو يحمل قبعته بيمينه، دون أن يبدو عليه اهتمامٌ بالإعجاب المفتعل للأمير الذي أدهشتْه لامبالاة المغرور، فظنَّ أن الخطأ في برودته وسوء استقباله، وعلى هذا الأساس، حاول أن يزيد من إطرائه، ومن غير أن يشعر، بدأ يصبح هو نفسه ممثِّلاً باحثًا عن رضا الغير. أمَّا المغرور فقد بدا وكأنه لا يسمع أبدًا كلمات الإطراء والثناء والمديح!

زاد ذلك من استغراب الأمير، فعاد يستعيد الكلمات المنمَّقة في ذهنه ليتأكد من حسن صياغتها وبلاغة تعبيرها، فأعجبته هذه الكلمات إعجابًا شديدًا، واكتشف في نفسه موهبةً لم يكن قد أدركها من قبل، وصار فيما بعد يُكثِرُ من استعادة هذه الكلمات، تمامًا كما يُكثِرُ من الجلوس أمام المرآة. وبدأ إعجابه بنفسه يزداد ويكبر. وكان هو يكبر أيضًا.

وبما أن الأمير كان وحيدًا على كوكبه، فقد اكتشف بالفعل أنه الأجمل والأكثر أناقةً والأثرى والأذكى هناك، وبذلك أدرك أن من الطبيعي إذن أن يُعجَب الجميعُ به. ولم يكن ينقصه في الحقيقة غير القبعة ليحيِّي بها الجماهير! وهذه القبعة تركها له الرجل الذي كان مغرورًا.

غادر الرجل كوكب الأمير صامتًا، وفي عينيه مسحةٌ من الحزن جاءت معه. أمَّا الأمير فلم يتمالك نفسه من الصراخ:

– “ولكن ألم يعجبكَ مديحي؟ ألم يرضِكَ إعجابي بك؟ لماذا لم تعجب بي؟!”

ثم تناول القبعة واعتمر بها.

7

حين وصل السكِّير إلى كوكب الأمير الصغير بادره بالخطاب:

– “مرحبًا، جئت أرد لك الزيارة.”

– “أرحِّب بك، لكنِّي لا أملك شرابًا أقدِّم لك منه.”

– “آه، الشَّراب! إنِّي في الحقيقة أبحث عن شراب من نوع آخر.”

– “لا أفهم”، قال الأمير الصغير الذي كان يجهل تمامًا أنواع المسكِّرات.

– “لم يكن قد بقي لي غير قنينة واحدة من شراب كوكبي حين سمعت عن نوع آخر من الشراب في كواكب أخرى، وأنا في صدد البحث عنه…”

– “لم تنسَ عارك بعدُ إذن.”

– “أيَّ عار؟!”

– “عارَ أنك تشرب!”

– “آه، الحقيقة هي أنِّي لم أشرب ولا مرة واحدة لكي أنسى أيَّ شيء… كنت مخطئًا في تقدير دوافعي. إنِّما أشرب لأنِّي أشعر بالعطش.”

وتوقف الأمير الصغير عن متابعة حواره مع السكِّير ليخبرني:

– “تذكرتُ حينئذٍ البئر والبكرة والدلو”، قال لي الأمير، “تذكرت تلك المرة التي شربت فيها من مياه الأرض، وتذكرت أن ما شربته لم يكن الماء نفسه. وتوجَّهت ناصحًا للسكِّير”: “لم لا تجرِّب كوكب الأرض، أعتقد أن فيه شرابًا حقيقيًّا.”

– “نعم، سمعت الكثير عنه… ومع ذلك، يوجد فيه أيضًا سبعة ملايين ونصف سكِّير لا يروي الشرابُ ظمأهم.”

– “ربما لأن قنانيهم لم تفرغ بعد، أو لأنهم ما يزالون يخطئون تقدير دوافعهم، أو لأنهم ما يزالون في صحرائهم يبحثون عن بئر ودلو وبكرة.”

– “سأعمل بنصيحتك”، قال السكِّير، “إليك هذه الهدية البسيطة… وداعًا.”

– “وداعًا.”

وهكذا غادر السكِّير الأمير، تاركًا له كهدية رمزية آخر قنينة شراب بقيت لديه… وأول قنينة شراب ذاقها الأمير على طريق كِبَرِه.

8

أقنع الزائر الرابع – وهو رجل الأعمال – الأمير بأنه يريد التخلِّي عمَّا يملك من نجوم. وأقنعه، من ثمَّ، – وقد كان محقًّا في هذه النقطة على الخصوص – بأنه لا يستطيع التخلِّي عن مُلك إن لم يتنازل عنه لشخص آخر. وهكذا ترك للأمير سندًا، هو عبارةٌ عن ورقة صغيرة عليها عدد النجوم، بكلِّ تلك النجوم التي دخلت في حوزة الأمير.

– “في بداية الأمر”، قال الأمير، “لم آخذ ذلك كثيرًا على محمل الجِد. لكنِّي بدأت، على سبيل التسلية وتزجية الوقت، أعدُّها ذات يوم. ربما دفعني فضولي أيضًا إلى الرغبة في التأكد من صحة العدد المسجَّل. ولمَّا أخطأت في أثناء العد، عدت للبدء به من جديد. ولقد تكرَّر حدوثُ ذلك عددًا من المرات متتالية… إلى أن أصبح عدُّ النجوم عادةً عندي، ثم تحول إلى أمر شديد الأهمية بنظري. وحين تأكدت أخيرًا من صحة العدد، وأدركت أنِّي أملك تلك النجوم، بدأت من بعدُ أعدُّها من جديد!

ومع السند بملكية النجوم، ترك رجلُ الأعمال للأمير العلبة الأخيرة من سجائره الفاخرة. لكن الأمير، مثل جميع رجال الأعمال، كان غالبًا ما ينسى سيجارته مشتعلة، حتى تنطفئ وحدها في أثناء انشغاله في الحسابات. فلقد بات في الحقيقة إنسانًا جادًّا لا يملك وقتًا كثيرًا لإضاعته. بات يملك الآن خمسمائة مليون وستمائة واثنان وعشرون ألفًا وسبعمائة وواحد وثلاثون من النجوم، هذا ماعدا الكواكب والأقمار والمذنَّبات!

9

– “مساء الخير”، بادر مشعلُ الفوانيس الأميرَ لدى وصوله، مع أن الوقت كان صباحًا.

واقع الحال، أن الزائر الخامس كان قد وصل قبل قدومه بوقت طويل! ذلك أن الأمير كان كثيرًا ما يفكر فيه ويستحضره، وكثيرًا ما يتأمل في عمله وفي المغزى من هذا العمل.

قَدِمَ الرجل حاملاً مصباحه مُشعَلاً. ولقد فهم الأمير السبب بعد أن شرحه له أمينُ المصباح:

– “صباح الخير. لقد بلغ كوكبي من سرعة الدوران حدًّا لم يعد معه بدٌّ من أحد خيارين: إمَّا أن يبقى المصباح مطفئًا وإما أن يبقى مشعلاً.”

– “وبذلك تحفظ الفريضة؟” استوضح الأمير.

– “مساء الخير. لم يعد ثمة فريضة. إنك تتابع تأدية الفريضة، حتى يأتيك يومٌ يصبح عليك فيه أن تضع فريضتك الخاصة. وهكذا فقد اخترت أن أبقي المصباح مشعَلاً على الدوام.”

– “وماذا أفعل الآن؟” سأل الأمير.

– “صباح الخير. احرص أن يكون المصباح دائم الاشتعال، ولا تدعْه ينطفئ.”

– “وإنْ نَفَدَ الزيت؟” سأل الأمير.

– “حينئذٍ تكون قد أتممت الفريضة القديمة، وستجد أخرى تحل محلَّها… مساء الخير.”

– “لكني لم أفهم مغزى كلامه آنذاك، واحتاج الأمر وقتًا طويلاً، واحتاج الأمر أن أؤدِّي الفريضة على أتمِّ وجه، ودون فهم، حتى أدركت فيما بعد ما الذي كان يعنيه”، أسرَّ لي الأمير.

بعد حديث طال فترةً من الزمن، تخلَّله الكثير من “صباح الخير” و”مساء الخير”، فهم الأمير أن هاتين العبارتين أصبحتا، من جراء العادة، جزءًا من لغة مشعل الفوانيس، لا يمكن له أن يهمله. فهو، قبل أن يتفوه بأية عبارة، لا بدَّ أن يبدأ، على التناوب، بـ”صباح الخير” أو بـ”مساء الخير”، هذه مرة، ومرة تلك. “لقد غيَّر مشعل الفوانيس الفريضة بحكم الضرورة، ولم ينتبه كثيرًا إلى ما تغير فيه”، قال لي الأمير.

وعهد الرجل للأمير بالفانوس:

– “صباح الخير. أذكر عندما كنت شابًّا، وأنا في بداية مهنتي، أن الشهر كان عندي ثلاثون يومًا. أما في الزمن الأخير، فقد بات اليوم عندي ثلاثين شهرًا. لم أعد أحتمل! وحتى الفريضة لم يعد في إمكانها أن تقيِّدني. أنا في صدد البحث عن كوكب يومه يوم وشهره شهر، علِّي أتخلص من تحية الصباح وتحية المساء. مساء الخير.”

ثم أردف متابعًا:

– “ومع ذلك، فلا بدَّ من الحفاظ على الفريضة الجديدة. إنِّي أعهد إليك بفانوسي. صباح الخير.”

ولم يجد الأمير مفرًّا من قبول المهمة. ومنذ ذلك اليوم بدأ نهارُه يتقاصر.

– “لم لا تذهب إلى الأرض؟ هناك يمكن لك أن تختار بين أن تعيش شهرًا في اليوم أو يومًا في الشهر، أو أن يكون يومك يومًا وشهرك شهرًا”، قال الأمير لمشعل الفانوس المتقاعد، وصور الصحراء والقطار وحبوب الظمأ وماء البئر تتناوب في ذاكرته.

وغادر الرجل إلى الأرض أيضًا بعد أن أخبر الأمير عن غرض سفره:

– “ثمة فرائض لا يتمِّمها أحد هناك، وفرائض لم توضع بعد…” ولم يقل وداعًا، بل قال: “إلى اللقاء.”

أما أنا فقد أردت أن أُظهِرَ معرفتي المتواضعة بالفلك، فأخبرت الأمير أن الأرض أيضًا تسرع في دورانها وأن الزمن يتقاصر.

– “أجل”، قال الأمير، “ولقد تأخرت حتى فهمت فيما بعد أن الأمر يتعلق بنا نحن: السر، يا صديقي، في الإنسان، لا في الدوران، في الثابت، لا في المتحرك!”

10

بدا الزائر الأخير شديد النحول، بالغ الطعن في السن، حتى إنه يكاد أن يحمل بكلتا يديه، كطفل صغير، كتابه الكبير وقلمه الرصاص.

– “عمت صباحًا”، بادر الجغرافي الشيخُ الأميرَ الصغير.

– “أهلاً بك”، أجاب الأمير، “لم أكن أتوقع مجيئك، وعهدي بك تنتظر المستكشفين.”

– “آه، نعم، كان ذلك في زمان مضى، حين كنت جغرافيًّا أو كنت أحسب نفسي كذلك… أعلم اليوم أن العالِم الحقَّ هو الذي لا يستكبر أن يلعب أبسط الأدوار. ولذلك قررت أن ألعب دور المستكشف…”

– “أن تلعب؟!…” ردَّ الأمير متعجبًا، ثم تابع مستطردًا: “هذا تغيير حقيقي على كلِّ حال!”

– “وهل الحياة أكثر من لعبة كبيرة، يا صديقي؟! لقد زارني أحد المستكشفين أخيرًا. ولقد كان شخصًا شديد الإعجاب باكتشافاته، حتى إنه أخذ على نفسه أن يذيعها في كلِّ مكان. وهكذا فقد خبَّرني عن وجود أماكن، في الجغرافيا، تتجاوز الجغرافيا. فهي، كما قال، أماكن أكثر من أماكن. إنها أماكن مشحونة بأعمال، بأفكار، بعواطف، بمآثر، بذكريات، كما كان يردِّد. إنها أماكن حب، مَنَحَها أشخاصٌ خالدون صفة الخلود.”

– “مثل البئر في الصحراء”، قلت مقاطعًا.

وبدا أن الأمير لم يلحظ ما قلت، فاستطرد ناقلاً إليَّ حديث الجغرافي:

– “ولقد نصح لي ذلك المستكشف أن أزور تلك الأماكن بنفسي. فالسماع عنها لا يغني عن معرفتها وزيارتها. وها أنا ذا في طريقي إلى اكتشافها. فعلى هذا النحو صرت بدوري مستكشفًا. وكان أول ما اكتشفته هو أن المرء لا يستطيع أن يكون جغرافيًّا كاملاً إنْ لم يكن مستكشفًا. إننا، على العموم، لا نستطيع أن نقوم بأكبر الأعمال إنْ لم نقم بأصغرها.”

وبعد هنيهة صمت، مدَّ يده بالكتاب وبقلم الرصاص وتابع قائلاً:

– “لكن هناك أشياء لا بدَّ أن تستمر، ولا بدَّ لأحد من أن يقوم بها. إنَّني أعهد إليك بعدَّتي، فسجِّل أنت الاكتشاف الجديد.”

وغيِّر الأمير من لهجته، وتوجَّه إليَّ بالحديث:

– وحين صار عندي كتاب الجغرافيا الكبير بدأت أنسى الأماكن والأشياء… فلطالما ظننت أنها موجودة كلها هنا. ولقد ساعد في ذلك تعبُ السنين وغيابُ الدوافع للحياة!

فاجأتْني عبارة الأمير الأخيرة. وشعرت عند ذاك أنه سيقول شيئًا مهمًّا عن وردته. لكنه استطرد متابعًا:

11

– هكذا ورِثتُ معطف الملك، وقبعة المغرور، وقنينة السكِّير، وحساب رجل الأعمال، وفانوس صاحب الفريضة، وكتاب الجغرافي، وأصبحت شخصًا كبيرًا، كبيرًا جدًّا ربما… كان ذلك صعبًا جدًّا ومتعبًا جدًّا في البداية… حاولت أن أقاوم ذلك كلَّه وأن ألقي به جانبًا، فقد كان شيئًا غريبًا عنِّي. لكنِّي فهمت اللعبة فيما بعد… وأهم ما في الموضوع هو فهمي أن الأمر كلَّه لا يتعدَّى كونه لعبةً كبيرة تشبه كثيرًا، مع تكبير المقياس، اللعبة التي يلعبها الأولاد الصغار حين يقلِّدون الكبار. وبدءًا من ذلك الوقت، أصبحت الأمور بسيطةً جدًّا وسهلةً جدًّا. ومع الوقت صارت ممتعة، ثم ممتعة ومسلِّيةً جدًّا…

ورويدًا رويدًا، وبقبولي أن أصير أميرًا كبيرًا، استعدت طفولتي من جديد، وإنْ بطريقة أخرى. أبدًا لا تستطيع، أيها الصديق الحبيب، بدعوى الحفاظ على الطفولة، أن تقف في وجه الحياة… ومع ذلك، فنحن نكبر لنعود أطفالاً بطُرُق أخرى، مع شكل آخر، مع نبرة صوت أخرى، مع اهتمامات أخرى، مع نظرة أخرى… إننا نعود أطفالاً، شئنا أم أبينا. ويستحسن أن نفعل ذلك عن خيار، لا عن اضطرار. هذه هي الحياة، يا صديقي. ليس الأمر أكثر من لعبة، وعلينا أن نعرف كيف نفرح بها! إن المعنى كله، والعمق كله، إنَّما نكتشفهما حين نقبل أن الحياة لعبة… ونلعبها. وبذلك نعود مرة أخرى إلى الطفولة. الجوهر لا تراه العين – تلك هي الحقيقة الكبرى –، وصوت الحق لا تسمعه الأذن، والصدق لا تعبِّر عنه الكلمات، بل نغمة الصوت! وأفضل الألحان هو لحن الصمت.

قال الأمير هذه العبارة الأخيرة وأطبق شفتيه.

12

عندما شعرت أنه قد انتهى من حديثه، دون أن يأتي على أيِّ ذكر لوردته، شعرت بالشجاعة للسؤال عنها. وكأنه خمَّن أنِّي سأفعل، ظل منحنيًا فوق المائدة، متأمِّلاً ما عليها. لم أعرف إن كانت الشمعة التي توشك أن تذوب هي ما كان يتأمله أم ذلك الطَّبق الصغير الفارغ الذي كنت، باستغراب، أراه يحدِّق فيه.

– “… لم أجدها!” قال ذلك بصوت يشبه هدير الموج ووقع الشلال وهبوب الريح وقصف الرعد وهدوء أبي الهول! قاله بلهجة مترعة بمعانٍ لم أفهمها. لم يكن في صوته حزنٌ ولا فرح، لم يكن فيه جرحٌ ولا بِشْر، بيد أنه كان عميقًا كالقرار. كان الحب ينطق بلسانه.

– لقد اشترك كبرياؤها وجهلي في الجريمة! كان عليَّ ألا أصغي إليها منذ البداية. فتعلَّمْ ذلك، يا صاحبي: يجب عدم الإصغاء أبدًا إلى الورود! كان عليَّ أن أفهم أنها وردة. كان عليَّ أن أدرك مقدار هشاشتها وضعفها وعجزها عن الدفاع عن نفسها. كان عليَّ أن أعي أن أشواكها الأربعة تلك ما كانت لتفيدها بشيء. كان عليَّ، في كل مرة، أن أحكم عليها من خلال الأفعال، لا الأقوال. وفي المرة الأخيرة، حين ودَّعتها، وحين قالت لي أن أذهب، كان عليَّ أن أرى دموعها، لا أن أسمع ما كانت تقول.

لم أجدها هنا عندما رجعت… غابت الشمس، وخُسِفَ القمر، وخبا بريق النجوم… ولبثت أيامًا في حزن عظيم. حتى غروب الشمس فقد معناه. وما أردت أن أتعزَّى لأنها ما عادت في الوجود.

ومن أعماق اليأس فاض رجاءٌ عظيم، مازلت أعيش عليه حتى اليوم! ولقد أوشك أن يؤتي ثماره… غدًا ألقى وردتي!

وطافت في خاطري أفكارٌ وخيالات كثيرة، منها ما يخصُّني و”وردتي”، ومنها ما يخصُّ الأمير. وسيطر عليَّ، أكثر من كلِّ شيء آخر في تلك اللحظة من حديث الأمير، طيف أفعى الكوبرا، الحيَّة القديمة نفسها، وشعرت بالخوف! لكن الأمير كان يتابع حديثه وكأنه يحدِّث نفسه أكثر ممَّا يخاطبني:

– … وجعلني ذلك أؤمن، إيمانًا لم أتخلَّ عنه لحظةً واحدةً بعدئذٍ، بأن رحلتي إليها تكتمل هنا. ولقد احتفظت دومًا بشيء منها…

توقف قليلاً عن الكلام كمن يستعد لإعلان سرٍّ عظيم:

– هذا العسل الذي تناولناه معًا اليوم كان آخر ما بقي منها. ولئن أشركتُك في وردتي فهذا يعني أنِّي أشركتك في حياتي كلِّها. فتذكَّرْ هذا جيدًا، ولا تنسَه أبدًا! إنِّي أغرس وردتي في قلبك لتحملها إلى عالمك أيضًا.

قال ذلك كمن ينطق بوصيِّته الأخيرة، ثم نهض واقفًا. غسل الطبق كما لو كان يمارس طقسًا مقدسًا، ونظَّف المائدة، ودلَّني على المكان الذي ينبغي أن أبيت فيه ليلتي، ثم ما لبث أن خرج من البيت، فخرجت وراءه…

وتعاقبت، في لحظة واحدة، الأربعة الفصول. صار الوقت صبحًا ومسا. وأراني، في تلك الومضة عينها، شجرةً عظيمة، عاريةً ومكسوَّة في آن، مزهرةً ومثمرةً معًا، شجرةً ضخمةً مع كونها غرسةً صغيرة! وبدت لي ضخمة الساق، ملتفَّة الأغصان، متشابكة الفروع، كثيفة الأوراق، مكسوةً ورقًا، متفتِّحةً زهرًا، حاملةً ثمرًا كثيرًا. وقال لي:

– ألا انظرْ وتعلَّم! ما الثمرة أشرف من الغصن، ولا الزهرة أهم من الساق، ولا حياة لهذه أو تلك إلا بحياة الأخرى. وحياة الكلِّ هي، بالأولى، من الشجرة الحيَّة. لا يحق للثمرة، بدعوى تواضع كاذب، أن تقول في نفسها: “ليتني كنت غصنًا أشارك الغصن تعبه!” ولا يحق للغصن، بدعوى رغبة في تقديم الأفضل، أن يقول في نفسه: “ليتني كنت ثمرةً فتفخر بي الشجرة!” إنَّما تواضع الثمرة في أن ترتضي كونها ثمرة وفي أن تقدِّم نفسها يانعةً شهيةً للأكل، ذبيحةً على مائدة الكون المقدسة؛ وإنَّما عظمة الغصن في انحنائه المؤلم الصامت وقد امتلأ أوراقًا وثمارًا، راضيًا بدوره البسيط العظيم الذي سينتهي يومًا في الأتون.

– ورأيت الأمير الصغير الكبير يلج الغرفة الصغيرة المنفصلة عن البيت، حاملاً في يده شمعةً تكاد أن تنطفئ.

***

الفصل الأول!

تم كل شيء مع الفجر، في الوقت نفسه الذي كان المذنَّب المزمع أن يُرجعني إلى الأرض يقترب من المكان. ألقيت نظرة أخيرة على ذلك البيت الرائع الذي جمعني بصديقي، وفكَّرت في أسًى عظيم أن ذلك المكان سيبقى خاليًا بعد اليوم، وأنه سيؤول إلى لاشيء. ومع ذلك، فقد رتَّبتُ كلَّ شيء كما لو أنِّي عائدٌ غدًا أو بعد غد، أنا أو أحد سواي.

وفي اللحظة التي كنت أهم فيها بإغلاق الباب ورائي، وقعت عيناي على ساعة صغيرة موضوعة على المائدة لم أكن قد انتبهت إلى وجودها قبلاً. وفي قلب السكون المطلق كانت تكَّات الساعة ترن بإيقاع موزون. وتراءَت لي الساعةُ قلبًا بشريًّا، وسمعت في تكَّاتها نبضات ذلك القلب، وخُيِّل إليَّ أن ذلك البيت، بل ذلك الكوكب الصغير وذلك العالم B 612، كائن حي، إنسان مليء بالحياة، يأخذ لنفسه فترةً من الراحة، من النوم، إلى أن يستيقظ يومًا من جديد.

وكما لو أن سحرًا أصابني، أو كما لو أنِّي ركبت عربة الزمن، فسافرت فيها – أإلى الماضي؟ لا أعلم، أإلى المستقبل؟ لا أعلم، الله يعلم – رأيتُ في المكان نفسه الذي أشار إليه صديقي وردةً رائعة الجمال. ثم رأيت طفلاً ذهبيَّ الشَّعر ذا وشاح يسقي تلك الوردة وينحني يحدِّثها بكلمات من الحبِّ لا تُلفَظ ولا يحل لإنسان أن يذكرها بلسان أو قلم.

وأدركت، بما لا يقبل الشك، أن صديقي قد بلغ وردته في عالمها البعيد، وأن قصة حبٍّ جديدة وأن حياة جديدة كلَّ الجدة وفريدة كلَّ الفرادة ستقوم هنا، وأن بذرةً غريبة ستقع بطريقة لا يعرفها أحد للتفتح عن وردة تختلف عن ورود الدنيا كلِّها، وأن أميرًا صغيرًا سيأتي على نيزك، لا شرقيٍّ ولا غربي، ليقع في حبِّها… وعاودني الرجاء من أجل “وردتي”.

أزف وقت الرحيل. فالنيزك يناديني. أمدُّ يدي لأتعلق به. أشعر بفرح جمٍّ وأنا أطير محلقًا في الفضاء. توقظني خصلةٌ من أشعة الشمس تنسرب عبر نافذتي، وصوتُ ابنة أخي الصغيرة تناديني طالبةً مني: “من فضلك، ارسم لي عصفورًا!” فأقوم فَرِحًا، مستغربًا، وأصيح هاتفًا، داعيًا: “اللهم… شكرًا!”

وأسمع صوتًا يقول لي: “صباح الخير!”

***

خاتمة وإهداء

هدى،

لسوف أذكر، أيام حياتي كلَّها، ذلك اليوم الرائع، الأول من آذار 1998، يوم استطعتُ أن أحمل العزاء، بل الفرح، إلى قلب أثخنتْه الجراح – حتى قلتِ لي والبِشْر يملأ محيَّاك: “أنا مبسوطة… جَدْ [مع جيم حلبية] أنا مبسوطة!…” تلك لحظات لا أنساها ما حييت.

وكان فرحي أكبر. وعدتُ إلى بيتي في ذلك اليوم أسير في الطريق والناس يحملقون بي، فأقرأ في عيونهم نظرةَ مَن يرى ممسوسًا أو مخبولاً. عندئذٍ تنبَّهت إلى نفسي: كنت أبتسم وأضحك دون أن أشعر! كان قلبي يكاد أن يفلت من بين أضلعي ويطير فَرِحًا. ولم تستطع نظراتُ الناس أن تغير من ذلك، إذ لم أشأ أنا نفسي أن أخفي سروري. ولو شئت لما استطعت! حتى وصلتُ إلى البيت، فتناولتُ ورقةً وقلمًا وكتبت:

روحُكِ في فرح،
ونفسي في عيدْ،
لا تكفِّين عن الابتسام،
لا أكفُّ عن الترديدْ:
أيُّ سحرٍ غيَّرنا،
أيُّ حبٍّ وحَّدنا،
أيُّ روحٍ حملنا،
لعالمٍ جديدْ!

رجعتُ إلى الوراء سنين عديدةْ،
عدتُ طفلاً صغيرًا،
عدتُ أميرًا صغيرًا،
لا يعنيه من الكون كلِّه
غير خروفٍ صغير،
وثلاثة براكين،
ووردة فريدةْ.

يتقلَّص الكون،
يضيق الأفق،
يتقارب المدى –
يجتمع كلُّه
في هدى.

لا أعرف مقدار ما عشتُه من الوهم في ذلك اليوم أو مقدار ما عشتُه من الحقيقة. ومع ذلك، هل يوجد إنسانٌ واحدٌ على الأرض يستطيع أن يقول لي ما هو “الوهم” وما هي “الحقيقة”؟! الحقيقة، عزيزتي، هي أن ذلك اليوم – الأول من آذار – صار عندي عيد الفرح، وصرت أحتفل به كلَّ عام!

لمَّا كان الحب، قبل كلِّ شيء، هو “إحساسٌ بالمسؤولية تجاه مَن نحب والتزامٌ بالمواقف”، ولمَّا كان إحساسي هذا والتزامي هو نذرٌ ووعدٌ يتجدَّدان كلَّ يوم، فإنِّي لك، “وردتي” هدى، أحب أن أهدي هذه القصة. ولكم أتوق أن أقدِّم لك ما هو أكثر من ذلك بكثير!

*** *** ***

horizontal rule

[1] بعض العبارات التالية مأخوذ حرفيًّا من الأمير الصغير.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق