قراءات ودراسات

تسريد التاريخ في رواية بحر الصمت لياسمينة صالح

بقلم : د. نسيمة علوي

تعدّ رواية “بحر الصمت ” من الروايات الواقعية لأنها تعالج أحداث فترة تاريخية بطريقة مختلفة عن الروايات الكلاسيكية، إذ تنتقل لغة النص الروائي من التعبير عن مرحلة الإقطاعية والاستبداد والعنف إلى التعبير عن مرحلة الاستقلال والحرية والنصر الذي شهدته الجزائر بعد نجاح ثورتها. رواية (بحر الصمت) استلهمت أسلوب حكايات سريّة كحوادث الاغتصاب من طرف جنود وأعوان المستعمر الفرنسي للفتيات الجزائريات، كما احتضن مضمونها موضوع الثورة إذ تمّ ربطها بالزمان والمكان اللذين أرادت الكاتبة أن تحددهما لينسجما مع طبيعة العمل الروائي التاريخي الذي يعبّر عن رمزية غامضة حول ماضي الكفاح، إذ يمثل الرمز أحد أهم الصّفات الفنية التي تقوم عليها الرواية، لذلك تقمّصت بعض الشخوص في رواية (بحر الصمت) أدوارا سياسية واجتماعية ويظهر ذلك في شخصية “سي السعيد” والفلاحين والعمدة قدور الذين يقدّمون أقنعة لشخصيات حقيقية في قرية “براناس “.

1 – تشاكل الرواية والتاريخ :
يمثّل التاريخ مدوّنة ثابتة المعالم نسبيا ، يستعير منها الروائي أحداث حكايته وأشكال شخوصه الورقية التي تخضع لسياق النص المحكي ولا تلتزم بإعادة صياغة نموذج الشخصية التاريخية بكل تفاصيلها.
وفي كلّ الحالات يجب على الروائي الوعي بجوهر القضايا التاريخية ، لأنّها تمثّل ممارسة ثقافية محدّدة تتعلّق بفترة زمنية بائدة من سجلّ المجتمعات ، وتعمل الرواية على إعادة سرد الأحداث التاريخية وفق منظور حكائي يتفق مع زاوية نظر الكاتب لأحد متعلّقات النص التاريخي لأنّ عملية تسريد التاريخ عملية جزئية لإضاءة نقطة معتمة من هذا السّجل القديم إذ (( يتوزّع علم التاريخ والرواية على موضوعين مختلفين يستنطق الأول الماضي ويسائل الثاني الحاضر وينتهيان معا إلى عبرة وحكاية))1.
إنّ توظيف أحداث التاريخ في عملية تشكيل النص الروائي يمنح القارئ فرصة لاكتشاف ما غفل عنه السارد في ملاحقة الزمن الحقيقي للقصّة داخل كتب التاريخ المختلفة . غير أنّ القارئ المثالي المهتم بجماليات التشكيل السردي لا يوازن بين النصين التاريخي والروائي في كفّة واحدة ، بل يبحث عن طرائق استدعاء الأحداث والشخصيات التاريخية سواء داخل سياق النص أو خارجه لأنّ (( ما يفعله الروائي الذي يكتب رواية تاريخية هو تقديم أحداث التاريخ في قالب قصصي أي أنّه لا يؤرّخ بل يتّخذ التاريخ موضوعا للسّرد))2.
تعمل الرواية على تكسير البنية الزمنية التاريخية إذ لا يمكن سرد أحداث التاريخ كاملة بتفاصيل أيّامها وساعاتها ودقائقها ، ولو طرحت الأرض كتبا ، لأنّ طبيعة الذاكرة البشرية لا تتّسع لذلك ، بل هي تحتفظ باللّحظات المضيئة والمهمّة من تاريخ الأمم ، وبالتالي يتمّ نسيان نماذج الشخصيات غير الفاعلة في التاريخ الإنساني ، كما يتم إهمال الحضارات التي لم تحقّق ماض مجيد . واستنادا إلى هذا الطرح فإنّ الحكايات الشعبية التي أسّست لصور تاريخية فعلية ، هي تلك الحكايات المؤسّسة التي لخّصت ماضي الشعوب عن طريق إدخال النّص التاريخي في صلب الحكاية التي (( أصبحت حاجة فكرية وثقافية استوعبها العقل الإنساني عبر التاريخ وصيّرها إلى أداة لفهم العالم ))3.
يتمّ استدعاء الشخصيات التاريخية في النّص الروائي مباشرة بتوظيف أسمائها فتصبح شخصيات مرجعية ذات تاريخ أسطوري ثقافي ،ديني…إلخ. وقد يتمّ الاستشهاد بأقوالها وهو ما يعرف بالتّناص الحواري أو تجاور النصوص ثقافيا ، فاستدعاء البطل في الرواية لمقولات الحجّاج بن يوسف الثقفي أو هتلر ، سيضعه في خانة الطغاة الذين شهد التاريخ الإنساني بجبروتهم وظلمهم.
قد لا تظهر الشخصيات التاريخية بصورها الشكلية المعروفة ويكتفي الروائي ببعث أفعالها فيصبح الفعل السردي معادلا موضوعيا للفعل التاريخي ولا يشترط نقله حرفيا بل يكتفي الروائي باستعارة أحد جوانبه فقط وهي في الغالب استعارة للنماذج التاريخية الخالدة ، التي تتوافق مع مستوى الخطاب القصصي ، لذلك كانت عودة الروائي العربي إلى تراثه ضرورة لتأسيس فن روائي أصيل لا يعيد تكرار التجارب الغربية في تسريد التاريخ وإحياء الماضي بطرائق حكائية تناسب بيئة المتلقّي.
لكنّ الروائي العربي (( اتخذ في التجارب الروائية الأولى للرواية العربية مطية لأغراض خارجة عن الخطاب الروائي تخدم الأيديولوجي لا الفنّي ))4.

2- توظيف تاريخ الثورة :
إنّ الظروف الفكرية والسياسية التي عاشتها الجزائر إبّان الحقبة الاستعمارية وجدت طريقها للتأريخ الدرامي من خلال كتابات جيل الاستقلال التي استثمرت حقائق التاريخ المكتوب والشفوي بل تجاوزت سرد الوقائع الفعلية للأحداث التاريخية إلى تشكيل مدارات تخييلية جديدة تعمل على إحياء الرمز التاريخي كنموذج مستقل عن سياقه الاجتماعي.
يتّفق الباحثون في الأدب على أنّ (( الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية – بعد الاستقلال- كانت بمثابة الوليد الشرعي الذي أنجبته التّحولات الثورية بكلّ تناقضاتها ))5. لذلك لا يمكن إنكار النسق التاريخي الذي طبع أعمال الروائيين الجزائريين في مرحلة السبعينيات حيث شكّلت هموم الثورة ومطالب نيل الحرية الموضوعات الأثيرة التي لاقت استحسان جمهور القراء ، إذ لم تكن الأجواء الثقافية والسياسية مناسبة لتلقّي الموضوعات الرومانسية.
لقد اخترنا نموذجا روائيا معاصرا في الأدب الجزائري تتحقق فيه إعادة كتابة تاريخ الثورة بأقلام بعيدة زمنيا عن التاريخ الفعلي للوقائع ، ويتمثل العمل في رواية بحر الصمت للروائية الجزائرية ياسمينة صالح التي نالت عنها جائزة مالك حدّاد للرواية سنة 2002.
تعود تفاصيل الرواية إلى حياة سي السعيد إبّان الثورة التحريرية ، إذ يعترف البطل في بداية الحكاية المؤرّخة في فترة الاستقلال بأخطائه التي ارتكبها في الماضي إذ عمل في بداية حياته كرجل إقطاعي حيث كان يمارس سلطته على الفلاحين الضعفاء ، فينال ثمرة جهدهم ويأتي على أموالهم دون رحمة ، لذلك يقول في ثنايا حكايته (( سوف أعترف أنني لم أفعل في حياتي ما يجعلني راضيا عن تفاصيل ذاكرتي لست أشبه المرضى السياسيين الذين يكتبون سيرتهم الذاتية كي يلبسوا ذاكرة ليست لهم ))6.
كان سي السعيد يعمل عند بلقاسم -العميل للاستعمار الفرنسي – الذي أغراه للدخول معه في مواجهة الثورة ، لكنّ سي السعيد ندم على خطاياه بعد أن تعرّف إلى عمر وهو معلّم في إحدى مدارس القرية الذي دفعه للإيمان بشرعية الثورة المسلّحة وضرورتها.
سي السّعيد لم يعبّر عن موقفه تجاه الموضوع إذ كان يكتفي بالصّمت والخوف من الانضمام إلى الثّوار، وذات يوم خبّأ سي السعيد أحد الثّوار في بيته ولكن سرعان ما اكتشف أمره ففرّ إلى الجبل رفقة الثائر ، وهناك تعرّف إلى شجاعة الثّوار ، وأمضى سي السعيد عامين في صفوف الثورة مشاركا ضمن كتيبة بالشرق الجزائري إلى أن عاش فرحة الاستقلال مع إخوانه الجزائريين بفضل معلّمه عمر الذي دلّه على حبّ الوطن والالتحاق بصفوف النضال لأنّ الرجال يموتون والوطن وحده هو الأمانة الخالدة.

3- إستدعاء علامات تاريخية :
يتماهى النصّ التاريخي والروائي فيصنعان معا مشهدا تمتزج فيه الحقيقة الغائبة بالمتخيل الإنساني ، إذ إنّ التباعد الزمني الذي يفصل الروائي عن ماضي الحدث يجعله رهين الإسقاطات القرائية والمسموعة الصادرة عن جهات معينة قد تكون رسمية أو متداولة في أوساط شعبية.
قدّمت الروائية في الصفحات الأولى لرواية بحر الصمت وصفا جغرافيا دقيقا لـقرية ( براناس) امتزج فيه الوصف الخارجي بالوصف الدلالي الذي يعطي للحادثة التاريخية صورة مشعّة لا تقدّمها المدوّنات المعرفية المهتمّة بتوثيق الحقائق الإنسانية في مرحلة زمنية ما ، ولعلّ ما يصفه الروائي في نصّه من مشاعر وعواطف الناس آنذاك يفوق ما تقدّمه الكاميرا في شاشات السينما ، لأنّ الصورة المشهدية المرئية توظّف المظاهر الخارجية على حساب العلامات اللسانية الخاصّة بتلك المرحلة ، وهذا حال الأفلام السينمائية التي صوّرت الأبعاد التاريخية لحالة القرى والأرياف إبّان الاستعمار الفرنسي حيث استمالت قلوب المشاهدين إلى حالة من البؤس والفقر والضياع الذي كان يعانيه الشعب الجزائري آنذاك ولكنّها غفلت عمّا كان يدور في دواخل الناس.
حاورت رواية بحر الصمت المكان التاريخي إذ أخرجته من مادّيته المعهودة وأسبغت عليه حميمية لغوية تجعل القارئ يحسّ بألفة المكان الموحش الذي مرّت على أنقاضه سرابيل الموت ففي ((قرية براناس على بعد 35 كلم من مدينة وهران (عاصمة الغرب الجزائري اليوم).. كانت الأشياء تبدو جاهزة سلفا ، والقدر يسطر الأحداث بإتقان ممل ، رغم الفقر والجهل والحرمان ، تجد الناس سعداء جدّا ، فرحين باللاّشيء الذي يصنع عالمهم الغريب.. كانوا يستقبلون نهاراتهم بفرح ساذج ، فيخضعون عندئذ للتفاصيل التافهة التي كانت تربطهم إلى بعضهم البعض ، بحيث لا أحد ينظر إلى أبعد من رجليه.. تلك ظاهرة عمّت الجميع ، بيد أنّ الحرب كانت قريبة .. قريبة من القرية ، بعد أن حطّت رحالها في المدن والقرى الأخرى))7.
قدّم السّارد هذا الوصف الدلالي في المقطع الأول لبداية الرواية لتكون مثالا شاهدا على مجموعة من القرى الجزائرية التي تعرضت للخيانة من طرف أعوان النظام الفرنسي وهم أبناء القرية الذين سقطوا في براثن غواية المال فنسوا واجب الوطن.
بحر الصمت عتبة عنوانية تفتتح باب التساؤلات عن ماضي الأشخاص الذين باعوا شرف الوطن إلى العدو وهم لا يزالون ينعمون بالحياة بعد الاستقلال وعلى أرض الوطن يعيشون ، ولكنّ الضمير الإنساني يعذّبهم إلى الممات.
تمارس هذه الشريحة من الناس حقوقها المدنية تجاه الجزائر الوطن الأم ، ولا تأبى نفور الناس والأبناء منها ، وقد تكون حياتهم الخاصة من القضايا المسكوت عنها اليوم ، لذلك أرادت الروائية ياسمينة صالح أن تطرح هذه المسألة في شكل سيرة غيرية بصوت السارد المعترف بذنوبه إلى ابنته ((أتساءل لو لم يكن الصمت بحرا شاسعا بيني وبينك ؟ لو كنت قادرا على الكلام ، لو جئت إليّ لتقول لي مثلا هيا تكلّم ، قل كل ما عندك يا أبي ، ماذا كان سيجري لي ساعتها ؟ يخيل إليّ أنني سأجهش بالبكاء ، متذكّرا أنّ البكاء لن ينقدني من عينيك ، ومن ذاكرتي التي يسكنها كل من ترك ذاكرته عندي.
الصمت هو الحكم العادل بيننا يا ابنتي ، فهل تسمعين حدّة وجعي داخل الصمت؟ ))8.
تقدّم الرواية تأريخا للنظام الإقطاعي بالجزائر أيّام الاستعمار الفرنسي حيث كان يملك شخص ما أراضي شاسعة ويستخدم فيها مجموعة من المزارعين كأجراء عنده مقابل خمس المحصول الفلاحي، وفي ذلك عبودية وتسلّط على حقوق الناس ، وقد كان سي السعيد رمزا للنظام الإقطاعي الفاسد بقوله :((بقطعة الأرض والبيت اللتين ورثتهما عن والدي كنت رجلا محترما))9 . ((كنت أمشي متفاخرا بنفسي عظيما أنني سيدهم جميعا))10.
رغم الظروف الصعبة التي يعيشها الفلاحون إلاّ أنّهم رفضوا الخروج عن أرضهم لأنها تمثل لهم رمزا للوطن والهوية والاستقرار. تحدّثت الرواية عن استفادة عمدة القرية ( قدّور) من هبات النظام الفرنسي (( كان قدّور واحدا من الذين استفادوا من وجود فرنسا في الجزائر فكانت فرنسا جزءا لا يتجزأ من طموحاته الشخصية كرجل من الصّعب عليه أن يكون ما كان لولا فرنسا))11.
من القضايا المسكوت عنها في تاريخ الجزائر هوية أبناء المغتصبات من طرف جنود الاستعمار الفرنسي وعملائه وقد كان حمزة والد العمدة قدور العميل للنظام الفرنسي نتيجة هذا الاغتصاب (( كان حمزة فرنسيا عن قناعة مطلقة ، الحكاية القديمة قالت أنّ “حمزة ” جاء إلى العالم نتيجة اغتصاب قام به أحد جنود فرنسا على امرأة فقيرة وجميلة.. بينما حكاية أخرى قالت أنّ أكثر من جندي واحد اشترك في الاغتصاب))12.
إنّ تشويه الهوية الجزائرية بدأ من معقل العلم والثقافة حيث قام المستعمر بتحويل المدرسة إلى ثكنة عسكرية ، والغاية من ذلك طمس معالم الهوية العربية ، وقد أراد المستعمر بذلك إبعاد أبناء الجزائر عن تلقي علوم الدين والتاريخ و الوقوف ضد كلّ الأفكار الثورية التحررية الداعية للاستقلال .
دعا المعلّم عمر ضمير سي السعيد للعودة إلى رشده والالتحاق بصفوف الثورة مخاطبا إيّاه : (( المدرسة الوحيدة الموجودة في القرية يا سي السعيد حوّلها الجنود إلى ثكنة عسكرية ، ممّا جعل التلاميذ يلجأون إلى زريبة حمير لتلقي دروسهم ، وقد ذهلت عندما اكتشفت أنّ لزريبة الحمير تلك مديرا ، ومدرّسا للقرآن ، هذا أمر مخزي))13.
غير خاف عن مؤرخي تاريخ الثورة الإشادة بدور المرأة في الكفاح ضدّ المستعمر بشتى الطرائق التي تتناسب مع شخصيتها كأنثى ، ولكن ما قدّمه عشق المرأة في رواية بحر الصمت يدخل باب المشاعر الإنسانية المسكوت عنها التي كانت دافعا لحبّ الوطن والتوبة من الأخطاء ، فسي السعيد الذي كان يخون إخوانه المجاهدين ويعمل لصالح الاستعمار ، غيّرت المرأة (جميلة) حياته ، وهي أخت المعلّم عمر رمز النّضال ، إنّ جميلة رمز للوطن الجريح الذي يحتاج للرعاية والعشق الدائم (( الحب ؟ أليس هذا ما حدث لي ؟ أليس هذا ما غيّر حياتي كلّها ، وغيّرني من مجرّد إقطاعي فاسد إلى عاشق ))14.
شكّل الجبل في الذاكرة التاريخية الجزائرية معقل الثّوار ومهد الثورة المظفّرة ، لذلك كان انتقال سي السعيد إلى الجبل حدثا مهمّا نقله من حياة الخيانة وبيع الهويّة الجزائرية إلى عهد الوفاء للوطن الحبيب (( كان الجبل قاعدة مقدّسة ينطلق منها الثّوار باتجاه الشهادة تمنحهم شرفا أسمى من البطولة .. كنت ثوريا متقاعدا.. لم أكن جنديا مقاتلا .. بل مجرّد مشارك ضمن كتيبة ))15.
لقد شكّل الانتقال إلى الجبل بؤرة التحوّلات الكبيرة في شخصية سي السعيد الذي رفض إغراءات العدو وصعد إلى الجبل حيث الحرمان وشظف الحياة المادية ، وبالمقابل استردّ الرجل روحانيته وهويته الضّائعة ، وفي الحقيقة (( لن يكون التاريخ في المنظور الروائي إلاّ الراهن طالما أنّ معنى التاريخ في الرواية هو معنى الإنسان ))16.
تنتمي الروائية ياسمينة صالح إلى جيل الاستقلال الذي ينعم بالحرية ، لذلك كان الشعور بالنّصر في كلّ معركة يطبع الوصف الحدثي ، وهي حالة كلّ من لم يعش الثورة فلا يتوقع الخيبات (( غمرني الموت ، ودون أن أدري وجدت نفسي أتشبّث بالرّشاش الذي كان في حوزتي وأطلق النار على هدف بدا كبيرا ومهمّا.. كانت تجربتي مع المعارك لا تعدو كونها سطحية. والحال أنّني شعرت لحظتها أنّ التاريخ يبدأ من تلك اللّحظة ))17.
إنّ التعبير عن الحرب يعقبه تعبير عن النّصر والحرّية ونيل الاستقلال (( ثمّ كان الاستقلال… الاستقلال الذي أنبت الوطن سنابل جديدة في حقول لا تهاب من الموت.. الاستقلال الذي كنت أسميه نصرا لو كنت رجلا أقلّ انكسارا وفجيعة.. كان لا بد لوطن كهذا أن ينفض تراكمات زمن فاسد ليخرج من شرنقة الوقت إلى الضوء.. كان لابدّ للشهداء أن يغنّوا ” قسما بالنازلات الماحقات ” دون أن يرتعبوا من مقاصل “برباروس ” وطاولات التعذيب في ” سركاجي”))18.
لقد قدّمت رواية بحر الصمت جزئية مهمة من تاريخ الثورة التحريرية تتعلّق بإعادة فتح الدفاتر المستترة للحركى الذين اشتغلوا كأعوان للنظام الفرنسي ، ومنهم من اعترف بخطئه إبّان الثورة ، ومنهم من لا يزال على قيد الحياة وينعم بخيرات الوطن دون أن يعترف بأخطائه.
إنّ الكتابة عن التاريخ معناها ((البحث عن الهوية وكما أنّ لكلّ إنسان هويته فإنّ لكلّ شعب هوية خاصّة به والبحث عن معرفة التاريخ لا يعني فقط البحث عن عدد المعارك والأسلحة المستعملة وعدد الذين سقطوا في الميدان والغنائم ، فالبحث في التاريخ هو البحث في حركة المجتمع عبر متغيرات الأزمنة والأمكنة ))19.

المصادر والمراجع:
– فيصل دراج .الرواية وتأويل التاريخ (نظرية الرواية والرواية العربية) المركز الثقافي العربي . المغرب. ط1. 2004. ص9
2- محمد رياض وتار . توظيف التراث في الرواية العربية . إتحاد الكتاب العرب . سوريا . 2002.ص102.
3- ياسين النصير . المساحة المختفية ( قراءات في الحكاية الشعبية) المركز الثقافي العربي. المغرب. ط1. 1995.ص 9.
4 – مفيدة الزريبي – مداد التاريخ وخطاب الرواية العربية . نموذج الزيني بركات. الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع . دمشق. سوريا ط1. 1994. ص 14.
5- واسيني الأعرج .اتجاهات الرواية العربية في الجزائر ( بحث في الأصول التاريخية والجمالية للرواية الجزائرية ). المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر . 1986. ص88.
6-ياسمينة صالح . بحر الصمت . جائزة مالك حداد للرواية. منشورات الاختلاف. الجزائر.2001 ص 37.
7 – الرواية. ص 9
8- الرواية .ص 31
9– الرواية . ص 9
10 – الرواية . ص 9
11 – الرواية. ص10
12- الرواية . ص 10
13 – الرواية . ص 22
14 – الرواية. ص 40
15- الرواية . ص 70
16- فيصل دراج .الرواية وتأويل التاريخ (نظرية الرواية والرواية العربية). ص366
17- الرواية . ص 90
18- الرواية ص.100
19-محمد زتيلي. فواصل في الحركة الأدبية والفكرية الجزائرية. دار البعث. قسنطينة .ط1. 1984.ص 144.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق