ثقافة المقال

صنّاع التاريخ الملهم: آني سوليفان وهيلين كيلر

بقلم: سعيد رمضان علي

 
ثلاثة أفلام أنتجت في أمريكا، وآسيا، والشرق الأوسط، تستدعي مقارنة حتمية بينهم، فجميعها عن هيلين كيلر، التي تجاوزت الإعاقة المزدوجة ـ الصمم والعمى – وكافحت حتى تخرجت من الجامعة بمرتبة الشرف، ثم أبدعت كتبها، وكَرَّسَت حياتها لدعم مجتمع المعاقين.

قصة الأفلام الثلاثة أخذتنا في رحلة مضنية مع لحظات اليأس العميقة، مع الظلام والصمت والإحباط،، لحظات طويلة جداً، كأنها بلا نهاية، لكنها أخيراً فجرت تلك العظمة الخلاقة التي تمتعت بها هيلين كيلر.

صدرت الأفلام الثلاثة بالترتيب الزمني:

أمريكي (صانعة المعجزة The Miracle Worker) للمخرج آرثر بن، صدر 1962.
هندي (سواد Black) للمخرج سانجاي ليلا بهانسالي، صدر 2005.
تركي (دنياي Benim Dünyam) من إخراج أوغور يوشيل، صدر 2013.
الشبه والاختلاف في الأفلام الثلاثة

تناول الفيلم الأمريكي طفولتها، واِنتَهَى عند فهم هيلين لمعاني الكلمات، قامت بدور المعلمة آني سوليفان الممثلة آن بانكروفت، وباتي ديوك التي قامت بدور هيلين كيلر.

الفيلم الهندي الذى غير الأسماء، يستمر حتى حصول “ميشيل” على النجاح ومساعدتها لأستاذها المصاب بمرض الزهايمر، أدت دور ميشيل في الطفولة الممثلة “عائشة كابور” والثانية “راني مخرجي” في مرحلة الرشد، وقام بدور المعلم ” اميتاب باتشان” والأداء للثلاثة كان مميّزاً.

في الفيلم التركي أدت دور آيلا المعاقة في طفولتها الممثلة “هازار إيرجوتشلو” والثانية “بيرين سات” في مراحل النضج، وقام بدور المعلم المخرج “أوغور يوشيل”.

الفيلم التركي مطابق تقريباً للفيلم الهندي، مع اختلافات في الأسماء وزوايا التصوير، أما الإضاءة فأكثر سطوعاً، والألوان أكثر تبايناً. أسلوب الإضاءة في افتتاحية الفيلم الهندي يعتمد نوراً يأتي من النافذة يحيطه بحر من السواد، ومن زاوية تصوير منخفضة قليلاً، ولقطة بعيدة، كأننا في أعماق نفق مائل ننظر إلى الضوء الذى يشع من نهايته.

الفيلم التركي يعتمد في الافتتاحية المشابهة، على أسلوب إضاءة عادي، ومن زاوية تصوير أفقية على مستوى العين، مع مزج اللقطات المتوسطة والقريبة من زوايا مختلفة، واستخدمت المصابيح الكهربائية الفاخرة للإنارة في الفيلمين ببعض المشاهد، بينما الفيلم الأمريكي اعتمد نورا خافتا هو نور “لمبة الجاز” للتشديد على الظلال والعتمة المحيطة بالشخصيات.

الديكور الداخلي للفيلم التركي يدل على الثراء لكنه فاقد الهوية، بينما في الفيلم الهندي يدل على الثراء والثقافة والديانة، فيوجد مكتبة ضخمة، ولوحات فنية، منها نسخة من أَيقونَةُ عذراء فلاديمير“1” التي تصور العذراء تحمل المسيح طفلاً، أما ديكور الفيلم الأمريكي فيدل على الثراء والشخصية والفترة التاريخية.

أحد أخطاء الفيلم الهندي، ونقلها الفيلم التركي، كان التخاطب بالإشارات المناسبة للصم لكنها لا تناسب فتاة عمياء، وقد تجنب الفيلم الأمريكي هذا الخطأ، فكان التخاطب مع هيلين هو حركة يد وأصابع المعلمة مع يد وأصابع الفتاة، أو اليد مع حركة الرأس أو اليد مع الوجه والفم، لقد كانت أغلب حركة الإشارات في الفيلم الهندي تخاطب المشاهدين وتناسب الأصم فقط، بينما في الفيلم الأمريكي تخاطب هيلين كيلر، ومناسبة لشخص أعمى وأصم، والمتلقي يفهم من خلال الحوارات المصاحبة التي تقولها المعلمة، حتى بوستر الفيلم الأمريكي عبر عن هذا.

الخطأ الفادح في الفيلم الهندي كان اختيار رجل يقوم بنفس دور”آني سوليفان” التي صنعت المعجزة في حياة هيلين، ونقل الفيلم التركي نفس الخطأ، نجد هنا بعداً يظلم حق المرأة، هذا الحق امتزج مع السرد في الفيلم الأمريكي، لكن الفيلم الهندي الذى جاء مدافعاً عن حقوق إنسانة معاقة هو نفسه الذى تغاضى عن حقوق المرأة، وبذا جاء ومعه الفيلم التركي كمادة يصعب هضمها، لأتها أفلام مأخوذة عن سيرة ذاتية، و”آني سوليفان” شخصية تاريخية، وصنعت معجزة في الحياة فعلاً، سببت تأثيراً عميقاً في الأجيال التي تليها، وكما سنرى لاحقاً فحقوق المرأة هي السبب في حدوث معجزة التغير الذى لحق بهيلين.

الفيلم التركي وضع كلمة في البداية تفيد بأنه مستوحى من الفيلم الهندي، لكن الدقة والأمانة تستدعى اعتماد الأصول، ومخرج الفيلم يعرفها، بدليل اختيار اسم آيلا لبطلة الفيلم التركي، وهو يقترب من نفس المعنى لاسم هيلين، أى النور الغارق في بحر من الظلام.

كلمة “مستوحى” تعني وجود خط مستقل، فكل فيلم له صيغته الدرامية وأسلوبه الخاص حتى لو بني على نفس قصة فيلم آخر، لكن لا يوجد هذا.

الافتتاحية في الفيلم الأمريكي جذبت الانتباه بعنفوان حدتها، ففيها اكتشفت الأم بنفسها صمم وعمى طفلتها، فظهر على وجهها الرعب، وبدا أن عالمها كله انهار في لحظة، تبعها مشهد الكابتن كيلر وهو يحرك المصباح بجنون أمام وجه الفتاه صارخا “هيلين.. هيلين” وتظهر الخلفية السوداء فوق رأسيهما كظلام ثقيل يخيم عليهما مسبباً الكآبة، ثم يظهر المشهد في دائرة تضيق للانغلاق، وقبل أغلاقها تماماً تطالعنا العيون المتسعة من الفزع، تاركة فينا صدمة نفسية.

المشهد الافتتاحي في الفيلم الهندي – وكذا التركي – مختلفاً، وبعده بدقائق فالطبيب هو الذى يخبر الأب بحالة الفتاة خارج الإطار، ثم يدخل الأب ويخبر الأم، ومع ذلك، ففي افتتاحية الفيلم الهندي كلمة تستدعى النظر، فقد ذكرت ميشيل أنها تقيم في شيميلا – مدينة تقع شمال الهند – وفي المعتقدات الهندية فاسمها جاء عن الآلهة شيملا، والتي استنسخت من الآلهة كالي، وتلك تعنى الموت أو الأسود، واللون الأسود يتوافق مع عنوان الفيلم وحياة الفتاة المعاقة.

اشتركت الأفلام الثلاثة فى فهم الفتاة للمعاني بعد تلمسها الماء، وإن اختلفت المشاهد بين النافورة في الهندي، وكذا التركي و”الترومبة” في الفيلم الأمريكي، ويشدد الأخير بذلك إلي جانب وسائل المواصلات، والملابس والخدم من الأشخاص السود، على الفترة التاريخية التي جرت فيها أحداث القصة الحقيقية.

كما اشتركت الأفلام في المعيشة الموسرة لأسر الفتاة، وأقامتهم في بيوت واسعة من طابقين ملحق بها حدائق، مما مكنهم من توفير احتياجات الطفلة واستدعاء من يعلمها وتحمل تكاليفه، وكذلك اشتركت في تفهم الأم ما بداخل ابنتها وحيرتها وعذابها، وضعفها أمام الأب المهيمن على السلطة في البيت، وفى الثلاثة أفلام لا يتميز أي واحد من الآباء برؤية مختلفة نحو الابنة المعاقة، ولا يقضون أي وقت معها، وبالتوازي مع الشكوى منها ظلوا يصرخون “أنا أحبها” كأن الحب مجرد كلمة تقال، لكن تصريح الآباء بالحب بدا ككمامة توضع على الضمير لإخراسه، أما الأب في الفيلم الهندي فقد ظهر أكثر قسوة، وعنفاً على ابنته المعاقة، وللحظات بدا كشخص متوحش وهو يضرب ابنته ضرباً عنيفاً، لقد شعرنا بألمها العميق، وبعجزها عن تحاشى الضربات التي لا تتوقف، وهى تدور حول نفسها، لا تعرف أين تذهب، ولماذا تضرب، وماذا فعلت!!

محاولة استكشاف الفيلم الأمريكي

فيلم صانعة المعجزة الأمريكي “”The Miracle Worker للمخرج آرثر بن واحد من أكثر الأفلام تميزاً منذ صدوره وحتى الآن، وسيستمر كذلك وقتاً طويلاً في المستقبل، إنه يحمل نبرة هائجة ذات أسلوب ثوري، وأخطر جملة فيه جاءت على لسان المعلمة أني سوليفان:

ـ “إن الطاعة دون فهم هي شكل من أشكال العمى”.

ترفض سوليفان أن تنجر بطاعة عمياء لما يريده صاحب عملها في عملية التعليم، ودفاعها عن استقلاليتها وحقوقها، هو الذى سمح لها بالدفاع عن حقوق هيلين، مما جعل هيلين فيما بعد تتحول من التقليد إلي الفهم.

تلك النقطة: حقوق المرأة، أغفلها الفيلم الهندي وبعده التركي، أغفل دور آني سوليفان ومنحه لرجل، قام بالدفاع عن حقوق الفتاة المعاقة، وأغفل أي دور للمرأة في انتزاع تلك الحقوق، بينما في الفيلم الأمريكي قاومت آني سوليفان التهميش على الأنثى، والتهميش المضاعف على الأنثى المعاقة، وانتزعت حقوقها وحقوق هيلين بنفسها، والحقوق تتبادل.

لو أردنا اِستيعاب قوة آني سوليفان الحقيقية فعلينا أن نعود إلى عصرها – أواخر القرن التاسع عشر عام 1887- “2” القرن الذي بدأت فيه حركة حقوق المرأة، وكذلك مكان بدء تعليم هيلين: مدينة توسكومبيا، في ولاية ألاباما في الجنوب الأمريكي المعارض لتحرير العبيد“3”، والجملة “أن الطاعة دون فهم هي شكل من أشكال العمى” موجهه إلى الكابتن كيلر، رجل قاس ومهيمن، وعسكري عمل في الجيش الكونفدراليّ الجنوبي، لكن آني سوليفان هزت عالمه، وفي النهاية نظر بدهشة وإجلال إلى المعجزة، وقد حققتها المعلمة التي سبق ورفضها.

القيمة الحقيقية ليست المعجزة بل في الرحلة، الصبر والمثابرة من آني سوليفان المدافعة عن حقوقها بشراسة، والقوة النابضة الملهمة التي أخرجت هيلين كيلر من الظلمة الى النور، الصبر والمثابرة مبنيان على شيء واحد: الإيمان الأصيل بقدرة كل معاق على تجاوز وضعه والتحول التحول إلى قوة تلهم غيره للتحمل وعيش حياة مناضلة مليئة بالصبر والإيمان.

إن اللحظة التي قابلت فيها هيلين معلمتها لأول مرة، هي لحظة درامية صورت لنا قوة عزيمة هيلين، وإصرارها على حمل ِحقيبة معلمتها إلي الطابق العلوي وحدها رغم ثقل الحقيبة، هذه القوة التي رسمت على وجه آني سوليفان ابتسامة سعادة، تكشف عن قدرة هيلين على تحمل العبء الرهيب الواقع على أكتافها، كما يحوي الصعود بالحقيبة للدور العلوي دلالة أخرى، لكنها دلالة تنبؤية عن المستقبل، ففيما بعد صعدت هيلين بأحمالها الثقيلة من أعماق الظلام إلي النور. كانت هيلين تعاني من نوبات متكررة من الغضب والسخط، وأوضحت ذلك في كتابها “قصة حياتي” بأنها كانت “تشعر بالإحباط الشديد لعدم قدرتها على التواصل، وضياعها داخل عالمها”“4”، وأوضح صورة على هذا عندما حاولت آني سوليفان تعليم هيلين آداب المائدة، استغرق المشهد عدة دقائق وتميز بالصدق والمرونة، والإصرار الذى لا يصدق من المعلمة التي كانت عمياء تقريباً عندما كانت طفلة، وخضعت لعمليات لاستعادة بصرها، وظلت تعاني من حساسية الضوء. إصرارها العجيب نتج من تجربتها في الملجأ الذي نشأت فيه مع شقيقها الأصغر المصاب في ساقع، وانتهت هذه التجربة بوفاته، بعدها التحقت بمدرسة للمكفوفين في ماساتشوستس – المدينة التي كانت مركزاً لحركات إلغاء العبودية قبل الحرب الأهلية الأمريكية – “5”، حيث اكتسبت خبرة في العمل مع المكفوفين والصم.

تعلمت آني في الملجأ والمدرسة كثيراً من دروس الحياة، أهمها أن الشفقة على الشخص المعاق سوف تتسبب له بخسارة، وفى أحد مشاهد الفيلم تقول:

ما أشفق عليه هو أن الشمس لن تشرق وتغرب بالنسبة لها، بينما أنتم تؤكدون لها أن ذلك سيحدث!
بماذا ستفيدها شفقتكم عندما ترحلون عن الدنيا؟
بل يخدمكم جيداً، من السهل أن تشفقوا عليها بدلاً من تعليمها.
لا يمكنني أن أنقذها من سنوات من شفقتكم، إن لم يمكنكم تحمل إحدى نزواتها.
في لحظات فريدة، وفي مشهد واحد، تكررت كلمة الشفقة أكثر من ثلاث مرات، كتأكيد على رفض مطلق لأسلوب أسرة كيلر في تربية هيلين، وقد عملت آني بموجب هذا الرفض حتى النهاية، وهناك جملة قالتها ظلت تتألق بعد مشاهدتي للفيلم:

“سيدة كيلر، لا أعتقد أن أسوأ إعاقات هيلين هو أنها صماء وعمياء.. أعتقد أنه حبكم”.
لقد كان التعليم بما فيه من شدة وإصرار ومثابرة وتنظيم هو السبيل الوحيد للإنقاذ، لقد فعلت الصواب، لكن في لحظات تعصر القلب كانت المرأة الحانية بأعماقها تصرخ بشيء آخر، فتهتف وهى تنظر لهيلين النائمة بحنان:

لا، لن اشفق عليك.
إن هذا المشهد، ومشهد تعليم هيلين آداب المائدة، هو اكثر المشاهد صدقاً، وقد ساهم الأداء التمثيلي للممثلة آن بانكروفت التي لعبت دور المعلمة آني سوليفان، وباتي ديوك التي قامت بدور هيلين كيلر، في إضفاء الصدق الفني على كل مشهد، وساهمت كلاهما بالأداء الرائع في تصاعد التوتر الدرامي، وساعدت اللياقة البدنية لهما في هذا الأداء الذى استحقت عليه كلاهما جائزة الأوسكار. أما إنغا سوينسون التي قامت بدور الأم فقد ظهرت كأم حقيقية مليئة بالشفقة، والحب، والعطف، والتفهم، وغارقة في عذاب ابنتها، وضائعة معها.

تقنيات

استخدم المخرج تقنية الأبيض والأسود استخداماً خاصاً، فكانت الظلال والسواد تتبارى في السيادة على أغلب المشاهد، فأضاف بعداً رمزياً معبراً عن دواخل الشخصيات، فالخلفية السوداء تظهر في كثير من المشاهد، حتى في الخارج بضوء النهار ظهرت الغيوم التي تغطي وجه السماء، والتتر جاء على خلفية رمادية متنوعة الدرجات.

البنية الزمنية للفيلم اعتمدت تسلسل الأحداث بشكل تقليدي، وبنية الاسترجاع الوحيدة حدثت مع آني سوليفان وهي تسترجع الماضي مع أخيها في مشاهد موسومة بالضباب.

النسخة السينمائية أخرجت من مسرحية ويليام جيبسون التي عرضت في برودواي، بتمثيل باتي ديوك وآن بانكروفت“6” أي نفس أدوارهما فى الإصدار السينمائي.

إن الفيلم الذي استدعى عالماً اختفى، أظهر أنه لا يمكن نسيان هيلين كيلر وآني سوليفان، فهما معاً صنعتا معجزة كشفت عن القوة العظيمة للإرادة.

هوامش وإحالات

عذراء فلاديمير- البوابة نيوز- https://www.albawabhnews.com/3017606
Wikipedia
مصدر سابق
هيلين كيلر ـ قصة حياتي – صادرة عن مجلة الابتسامة، ترجمة محمد وهدان، بدون تاريخ نشر.
Wikipedia
مصدر سابق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق