ثقافة المقال

هذا الرحيل أحجيتك الأخيرة

يحيى امقاسم

قالوا إن الروائي الكولومبي «غابرييل غارسيا ماركيز» رحل أخيراً في ركب مجهول لم يتوقف يوماً عن نسج ثوبه بمجموع الأساطير واللاواقع، ورحل أخيراً كأنما هو في أحجية جديدة يقرأها من أعالي قرية «ماكوندو» باسم الموت هذه المرة، فيخرج الساحر آخر حكاياته عن هذه الأرض، عن تلك السماوات من البشر والكائنات، عن اللبس الجميل، عن الركض المستمر ولا يتوقف، لأنه هذه المرة لن يعود في أوج الحكاية ليقول لنا أين «ريمديوس» التي طارت كفراشة في أول «مئة عام من العزلة»، ولا كيف نقل ذلك الكولونيل من روايته تلك إلى عزلة أخرى لدرجة لا أحد يكاتبه، ولا كيف أمضى الفتى فلورنتينو 50 عاماً ينتظر العاشقة والأمل في عهدة «الكوليرا»؟ قالوا لن يعود الماركيز هذه المرة فذهابه مع الموت سمّاه ذات أعجوبة جديدة بـ«يحدث أصلاً»، وما علينا إلاّ أن ننفذ به إلى واقع غير مرئي، هكذا قدّر شكل مرور الجنازة قبل أن يسكنها الموت، وهكذا تدارك لنا احتمال رحيله الأبدي، فيما مشروع كامل وتام لا يمكن أن نظن فيه نقصاناً، أو أن الماركيز حمل معه الكتاب والسحر، واصطفى لنفسه بعض القصص التي لن نقرأها.
إن جميعه جمالاً وإنتاجاً يتحقق أمامنا، فهناك «ماكوندو» أخرى لم تكتشف بعد، وسنقرأها مرات كثيرة في ما لم يصلنا بعد، وهناك الجدّة «أورسولا» في بلاد بعيدة ما زالت تخفي ذهباً لزمن التحولات، والموسيقى لن تموت بعد «فيرسبي»، فهو لن يغادر القرية مثل الماركيز صانعها من ماء الحياة، وسيظل العقيد أورليانو سيد المرحلة وإن قيد إلى مقصلة البطولة، مثلما نقاد اليوم إلى وداع خاطف، فهذا العالم متماسك من مخيلته ومدخر لكل جسور التحرر، والعالم الآخر الذي يقتفي أثر أورليانو الثاني ويفتش في قريته الخالدة، ولا تنتظر تلك القرية أحداً، أما ملكياديس فلن ترهنه الأمكنة ولا النسيان، فهو الغجري الموزع في اللامكان واللازمان، ولن يتخلى عن صاحبه الموثوق في شجرة ومؤسس القرية الممسوسة بالذكريات والانتظار، وما كان للزمن من سطوة على تلك الرغبات المشدوهة، ولا على فلورنتينو وهو يحضن حبيبته بعد العمر الناضح بنضال القلب حتى آخر نبض.
إن هذه الشخوص هي الوقت وبناية الزمن، فكلما غرب مجموع أتى آخر ليوسع من جغرافيا البقاء وينهض بالغرائب وكائنات الخفاء التي تسوغ الحرب والحب، النماء والجوع، القرية البكر والمدينة المهترئة. كل هذا العالم المشغول باقتدار لا ينفرط بذهاب سرمدي يراه الماركيز ضمن قلعة عاش لأجل أن يرويها ويهيئها قبالة خوفنا من الفقد وإيماننا بهذه العوالم المعبوبة بالحيوات من دون صمت.
والآن لم يترك لنا الماركيز أن نسأله كيف لنا أن نعالج المبهم في ثروته الباسلة، ولا كيف سنكتب إلى شخوصه المولعة بالضوء، وليس لنا أن نشكو حسرة الظلام والتجربة، فهو الذي حصد الزمن زمنين والمكان عالمين، أميركا اللاتينية أوله، ثم العالم بأسره هو انتشاره حين تنقل بين كل لغات العيش وأنار شيئاً من تراجيديا البشرية وحمولاتها المتعددة منذ الأزل، وحتى تمام القمة الإبداعية أوروبياً وأميركياً وآسيوياً، لتنضج على يديه بدعة تولد من رحم الخرافة، ويؤسس ما عرفه النقاد منذ خمسينات القرن الماضي بـ«الواقعية السحرية» في الأدب العالمي وأميركا اللاتينية خصوصاً، ليكون رائداً بما قدمه من مقومات أساسية وملامح تامة في مضمار صار علامة فارقة في تاريخ الأدب العالمي.
صار الماركيز بأعماله التي فاق عددها 20 رواية ومجموعة قصصية، عنوانَ الطبيعة البديلة في اللون والرائحة والتكوين، تلك الطبيعة التي نعرفها في الحكايات، والمقدر لها أن تجتاز أزمنة بالغة الأحوال، فهي بيده أشد حدوثاً وأكثر حضوراً بالفصول مهما تعاقبت الأجيال وابتكرت ذائقتها، وستقول لنا دوماً إن رحيله لم يكن إلاّ كتابة ختامية احتاجت إلى بلوغها إليه أعواماً طويلة بعد روايته الأخيرة «ذاكرة غانياتي الحزينات»، وهذا الرحيل سيكون حكاية الـ.. ما وراء، والتي سنبدأ الآن قصتها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق