قراءات ودراسات

قراءة نقدية في رواية (آماليا)

 كتب / بدر الدين العتاق

 للكاتبة الأستاذة / مناهل فتحي حسن ؛ ديوان شعر بعنوان : ” أوجاع النساء ” و ” كأنه هو ” ؛ لم يحدد تاريخ نشرهما ولا الجهة التي طبعت الديوان ؛ كما لها رواية ” آماليا ” المطبوعة بإمارة الشارقة دولة الإمارات العربية المتحدة عن دائرة الثقافة سنة : ٢٠١٨ م ؛ بعدد صفحات بلغ مائة ستة وتسعين صفحة على حجم ورق متوسط ؛ بعدد فصول الرواية عشرين فصلا تقريباً .

دعني أقول أيها القارئ الكريم بعد تقديم واجب الإحترام :
إن الكاتبة إضطربت في ما يصطلح عليه ب” وحدة الموضوع ” ؛ وهذا المصطلح وإن كان قديما فهو ما زال معتبراً في باب الحداثة اليوم أنه جديد ؛ ونتج هذا الإضطراب من تداخل الأفكار وتنوع الموضوعات التي تناولتها الكاتبة ؛ فإذا حاولت جاهداً أن تجمع موضوع الفصل الأول مع الفصل العاشر أو مثلاً الفصل الثالث مع العشرين أو غيرهما ؛ فأنت لا شك واجد التجاذب بين أطراف المواضيع مما يجدر بك إعادة النظر في القراءة أكثر من مرة لأكثر من طريق ؛ وقد يفهم البعض أن هذا التنوع نوع من أنواع الملكة في الكلمة وهذا خطأ ! والصواب إن شاء الله هو : التقييد بفكرة واحدة من أول الكتابة لآخرها وأخذها بما هو متاح للكاتب أو القاص أو الشاعر من ذخيرته اللغوية ودربته على التآليف وخبرته الحياتية هو الأجدى .
خذ مثلاً : الأديب الكبير الدكتور المرحوم / على المك ( ١٩٣٧ م – ١٩٩٢ م ) ؛ قال عنه أستاذه الدكتور المرحوم / عبد الله الطيب ؛ يوم تأبينه ؛ { في اللحظة التي استعد فيها البروفيسور / على المك ؛ للعطاء – يعني التأليف والكتابة – بادرته المنية } ؛ ولك أن تعلم أن ل ” المك ” – رحمه الله – أكثر من ثلاثين مؤلفا في مجالات الأدب العربي والأدب الأميركي بجانب حلقاته الإذاعية عن الفن السوداني وغيرها الكثير ؛ فتأمل ! .

هذا ! وقد كتب الناقد الكبير الأستاذ / محمد محمد علي ( ١٩٢٢ م – ١٩٧٠ م ) ؛ صاحب ديوان ( ألحان وأشجان ) و( ظلال شاردة ) وكتاب : ( محاولات في النقد ) ؛ كتب عن الشاعر الجيد المرحوم / التجاني يوسف بشير ( ١٩١٢ م – ١٩٣٧ م ) ؛ معلقاً على ديوانه الشعري ( إشراقة ) : { التجاني يوسف بشير ؛ تجربته الفنية غير ناضجة وهي قليلة ؛ نسبة لسنه الذي مات فيه فالحكم على شاعريته يظل محدوداً ولا يستحق كل هذه الهالة عنه } ؛ أو قريباً من ذلك ؛ ومن هذا التعليق ينعكس – بلا إقلال من شأو الكاتبة – أن التجربة الفنية لكاتبة الرواية تظل تفتقر للنضج الفني قياساً على نمطية رواية ” آماليا ” يتيمة ؛ لأن قضية الوحدة الموضوعية بعيدة جداً عن تماسكها الفني حين تنسج الخيال مع الحقيقة وتحاول انسجام الفكرة مع المبنى المراد من وراء الكتابة فلا غرو ببعدها وفقرها الفني .
لكن دعني أسأل : ما هي المقاييس العالمية الفنية لكتابة القصة أو الرواية ؟ ثم ما هي القواعد المقدسة التي يجب مراعاتها عند التأليف ؟ ولماذا نتقيد بها أو نتحرر منها وجدت أم لا ؟ الإجابة فيما أرى : لا إجابة شافية ! فقط التآليف نيط بها الذوق متكأ على الحس والفكرة .

خالف الأستاذ الدكتور المرحوم / طه حسين ( ١٨٨٩ م – ١٩٧٣ م ) من عاصروه من كتاب الرواية والقصة كالاستاذ المرحوم / يوسف السباعي وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس وغيرهم في بنية النص للعمل الفني كروايته ( دعاء الكروان ) وقال بأنه لاتوجد قاعدة محددة لكتابة القصة أو الرواية حينما رموه وراموه بالتمرد على أصول البنية الفنية مما هم عليه ؛ ولك أن تقارن بين العصرين من أفكار .

رجع الحديث :

أشكل موضوع الوحدة الموضوعية أو الوحدة العضوية على نفر من النقدة الذين تطرقوا لها ؛ وهي وإن كانت مصدرة إلينا من الأدب الغربي وبالتحديد إنكلترا ؛ كمسرحيات شكسبير وأقاصيص تي إس إليوت ؛ وشعره وصمويل كولردج وأضرابهم ؛ إلا أنها في ذات الوقت عربية السنخ لأن أقرب الذين كتبوا عن وحدة الموضوع في الشعر أو النثر : عبد القاهر الجرجاني ؛ عندما تناول شعر أبي تمام ؛ وإنبرى لهم فيما بعد نقدة الأدب العربي الحديث مثل الدكتور المرحوم / عبد الله الطيب والأستاذ الدكتور / محمد رشاد محمد صالح ؛ في كتابه : ( نقد الموازنة بين أبي تمام والبحتري ) ؛ وإنبرى الآمدي ( الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي ) من قبل لهما ؛ كما انبرى أبو بكر بن الباقلاني لشعر إمرئ القيس بن حجر ؛ وليس ببعيد المجذوب – ١٩٢١ م / ٢٠٠٣ م – في كتابه : ( كلمات من فاس ) حين تصدى للجميع ؛ فالأمر غير مستغرب كما ترى .

الإيغو Ego أو الذات أو ” الأنا ” ؛ لا تخلو الرواية منها ؛ وهذا المصطلح تقدم به البروفيسور الألماني / إيكهارت تول ؛ في كتابه ( قوة الآن ) – ترجم لثلاث وثلاثين لغة عالمية – و ( أرض جديدة ) ؛ بإعتباره العامل النفسي الأول لدافع الكتابة أو لحركة التفاعل مع الحياة بينك والآخرين ؛ بينك والحياة ؛ فالكاتبة لم تخل روايتها عن تجربات شخصية ساقتها بحسبها عملا فنياً قائما بذاته ؛ وهذا لا بأس به من ناحية السبك الفني ؛ فقط نعيب عليها تغليفها بلغة الخيال ولو جعلته مباشراً لكفتنا كتابة هذه المادة .

الجديد في أسباب نشر هذا العمل الفني – بغض النظر عن جودته من عدمها – هو التبويب للفصول ؛ أرى فيه خللا بائنا وهو ما يذهب بك حين تطالعه إلى تشتت الذهن من إنتباهته نحو سوق المتلقي لمراد الكاتب ؛ فيوحي آنذاك بتعدد المواضيع لا وحدتها وهذا العنصر وإن كان جديداً إلا أنه يحول بينك ومتعة التسوق حين سوقته لك كاسدا كان أم رائجا ؛ فلو أخلت بينك والمتعة التي تبحث عنها بلا تبويب أو تفصيل مسمى لوصلت هي لمبتغاها قبل أن يصل إليه القارئ ؛ وعن هذا وذاك يحضرني نقد الدكتور المرحوم / محمد الواثق ( ١٩٣٦ م – ٢٠١٤ م ) ؛ أستاذ الأدب العربي بجامعة الخرطوم ؛ لأستاذه المرحوم الدكتور/ عبد الله الطيب ؛ في ديوانه الشعري ” سقط الزند الجديد ” وديوانه ” أصداء النيل ” حين قدم ورقة بتاريخ : ٢٤ / ٨ / ٢٠٠٣ م ؛ يوم تأبين الأخير بقاعة الشارقة جامعة الخرطوم ؛ فجاء فيها : { يمكن القول أن نطلق على أسلوب الطيب ب” الطفرة ” فهو يتنقل بك من موضوع لآخر حتى تنسى أصل الموضوع الأول الذي قامت عليه الفكرة } ؛ وقد علقت أنا عليه – رحمهما الله رحمة واسعة – بورقة نقدية قدمتها بإذاعة المساء السودانية في حياته ونشرتها صحيفة ألوان والوطن ؛ هذا ! ف ” الطفرة ” لا تخلوا منها الكاتبة ؛ مع تقدير مكانة الجميع العلمية ؛ فعصفت بروح المتعة والفائدة فيما أرى ؛ قال شاعرهم :

ومما يزهدني في أرض أندلس * ألقاب معتمد ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها * كالهر يحكي إنتفاخا صولة الأسد

أمر آخر : أسلوب الكتابة للكاتبة ؛ فهو عادي ولكنه محبب ؛ بحيث لا تجد فيه التعقيد الكلامي لترابط الجمل بإدخال المصطلحات الحداثوية مثل : السيميائية ؛ المثلوجية ؛ السردية و” السندكالية جناح أم جكو ” ؛ وأكرهها جداً ؛ وإن حاولت إقحام شيء من ذلك فقد أدخلت بعض الكلمات الإنجليزية متأعصرة ومتأخرة ؛ وفي نفس الوقت مقبولة إذ يعتمد فيه على الدارجة السودانية بلا إخلال بحيث يفهمه القارئ الغير سودانوي .

تطرقت الكاتبة لعدة مواضيع منها : الموروثات الإجتماعية السودانية أو قل : الطقوس والعادات والتقاليد الإجتماعية القائمة والمحصودة ؛ مثل : ختان الإناث والشعائر الدينية و شلوخ النساء ومقدمات الزواج والجماع والجنس ؛ والأخيرة أكثرت من ذكرها حتى توهمت ظنا أنها تعاني نقصاً جنسياً حاداً لأنها استعملتها لا للتشويق والإثارة والمتعة الكتابية كما يخيل للمتابع والقارئ بتروي ؛ بل جاء – فيما أرى – عن تجربة شخصية في أغلب الظن ؛ وقد يستعمل أحدنا مواضيع الجنس في بعض ما يكتب لكنه يتوخى الإنزلاق في تحوير النص له لا لغيره الأس ؛ ما لم يكن هو الأس وغيره المحور كتابياً ؛ هذا بجانب نتف أخر من عدة ما يشغل بال الكاتبة .
دعني أختم كلمتي هذه عن رواية ” آماليا ” فأقول بأنها : سلسة وسهلة ولغتها المستعملة عادية بين بين وتخلو من الوصف الإنشائي للزمكان عند إستعمالها لغة الخيال و تعبر عن الإيغو Ego ” الأنا / الذات ” بأكثر من طريقة لأكثر من موضوع ؛ ومهما يكن فالحكم الأخير عليها يفتقر للناقد الحاذق الحذق بالنضج الفني نسبة لقلة المنتوج الكتابي لها فهو بلا شك إن وجد يعطي أبعاداً حقيقية للتقييم والتقويم الأدبي وبلاه يظل الأمر كما وصفته سابقاً بالتداخل والتشابك المفضي بعدم وحدة الهدف ومن وحدة الموضوع .

مناهل فتحي حسن ( مواليد: ٢٣ / ٣ / ١٩٧٩ م ) ؛ سودانية المنشأ ؛ شاركت في العديد من الملتقيات الأدبية داخل وخارج السودان ؛ كما تنشر نتاجها الشعري في الدوريات السودانية والإماراتية ؛ ولها رواية ” شيكونغونيا ” ومجموعة قصصية بعنوان : ” نهر يختنق ” .

أتمنى لها التوفيق في سيرها القصصي ونتاجها الشعري .

بدر الدين العتاق

القاهرة

مهندس مدني وكاتب صحافي وناقد أدبي سوداني مقيم بمصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “قراءة نقدية في رواية (آماليا)”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق