ثقافة السرد

أكاذيب المساء

محمد رمضان الجبور

لِأَكْثَرِ مِنْ عَشْرِ سنوَاتٍ وَالْمَقْهَى هُوَ المَقَّهى، وَاللَّيْلُ هُوَ اللَّيْلُ، وَالْكُرَّاسِيُّ الْمُتَحَلِّقَةُ حَوْلَ الْمَنَاضِدِ الْمُهْتَرِئَةِ هِي هِي، وَالْأَحَادِيثُ تُعِيدُ نَفْسَهَا، وَتَجْتَرُّ مَا فَاتَهَا، لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ، سِوَى أَوْرَاقِ التَّقْويمِ الَّتِي كُلَّمَا بَلِيَتْ وَاِنْتَهَتْ جَدَّدْنَاهَا بِغَيْرِهَا.
عَبْدُ السِّتَارِ مَا زَالَ يُدَخِّنُ نَرْجِيلَتَهُ بِهُدُوءٍ وَيَسْتَمِعُ لِما نَقُول مِنْ حِكَايَاتٍ، عَيْنَاهُ تَسْبِرَان أَغْوَارَ الْأرْضِ الَّتِي تَقْعُدُ عَلَيْهَا نَرْجِيلَتُهُ، كَثِيرَا مَا يَدْلَعُهَا وَهُوَ يُخَاطِبُهَا أَوْ يُنَادِيهَا بِأَسْمَاءِ إِنَاثٍ مَرِّرِنَّ يَوْمًا فِي حَيَاتِهِ، وَيَجْزِمُ دَائِمًا أَنَّهُ أَحَبَّهُنَّ، تَرَاهُ أحيانًا يَسْرِقُ النَّظَرَ هُنَا وَهُنَاكَ وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءِ ضَاعَ مِنْهُ.
يوسف يُقلَّب صَفْحَاتِ الْجَرِيدَةِ الْيَوْمِيَّةِ ثُمَّ تَسْتَقِرُّ عَيْنَاهُ عَلَى زَاوِيَةِ الْكَلِمَاتِ الْمُتَقَاطِعَةِ، وَيَبْدَأُ مِشْوَارَهُ الْيَوْمِيِّ فِي فَكِّ وَحَلِّ ألْغَازِهَا، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُثْبَتَ لِمَنْ مَعَهُ أَنَّهُ عَلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ الثَّقَافَةِ.
وَسَلِيمُ الْعَلِيِّ يَمْسَحُ عَلَى شعْرِ كَلْبِهِ وَيُدَاعِبُهُ بَيْنَ الْحَيْنِ وَالْآخِرِ، شَهِيرَة فَقَطْ هِي وَحْدُهَا الَّتِي مَزَّقَتْ أَسْتَارَ الزَّمَنِ وَاِنْطَلَقَتْ دُونَ أَنَّ أَدَري لَهَا طَرِيق.
كَنَّا نَعُودُ أَنَا وَعَبْدُ السِّتَارِ ويوسف وَسَلِيمُ الْعَلِيِّ وَنَحْنُ نَجُرُّ أَقْدَامَ الْخَيْبَةِ بِاِتِّجَاهِ كَهْفِنَا الَّذِي أَدْمَنَا عَلَى مُتَابَعَةِ مَا تَبَقَّى مِنَ اللَّيْلِ فِيهِ( كَهْفُ الضَّائِعِينَ)، هَكَذَا كَانَ يُعَلِّقُ يوسف عَلَى الْمَوْضُوعِ وَنَحْنُ نَحُثُّ الْخُطَى بِاِتِّجَاهِ كَهْفِنَا . وَيَضِجُّ الْجَمِيعُ بِالضَّحِكِ وَكَأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ نُكْتَةً لِأَوَّلِ مرَّةً الْجُوعُ وَالْخَوْفُ وَالْغَرْبَةُ جَعَلَتْ مِنَ الْمَسَاءِ مَلْجَأ وَصُنْدُوقًا نُودِعُ فِيهِ مَا تَنَاثَرَ مِنْ حكايا وَقَصَصٍ، لَمْ تَكُنْ شَهِيرَةُ الْقِصَّةَ الْوَحِيدَةَ بَيْنَنَا وَلَكِنَّهَا أَهِمُّهَا، فَهِي تَخُصُّنِي أَنَا دُونَ غَيْرِي، وَلَمْ تَكُنْ اِمْرَأَة جَمِيلَة فحسب، فَمَا أَكْثَرَ الْجَمِيلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، بَلْ كَانَ لَهَا صَوَّتٌ يُدَغْدِغُ أَعْمَاقَ الْقَلْبِ وَيَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ قَلْبِي الْمُتْعِبِ، تَتَنَفَّسُ فَتَحِيلُ كُلَّ مَا حَوْلَهَا إِلَى فَرَاشٍ جَمِيلٍ، يَطِيرُ مِنْ زَهْرَةٍ إِلَى زَهْرَةٍ، كَثِيرَا مَا تَمَنَّيْتُ أَنْ يَكُونَ رَحِيلُهَا دُونَ وَدَاعٍ وَدُونَ ألَمٍ وَجِراحٍ.
أَصَحَابَيْ مَا زَالُوا يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ مِنْضَدَةٍ أَكَلَّتْهَا الْأيَّامُ، وَأَحَالتها إِلَى كُومَةٍ مِنَ الْخَشَبِ الرَّدِيءِ الْبَالِيِّ، وَكُلَّمَا اِبْتَعَدْتُ عَنْهُمْ بِتَفْكِيرِي وَشُرُودِي الدَّائِمِ أَيْقَظَنِي أحَدُهُمْ بِكَلِمَةٍ أَصْبَحَتْ عَادِيَّةً وَمَأْلُوفَةً وَلَهَا رَنَّةٌ مُوسِيقِيَّةٌ جَمِيلَة لِكَثْرَةِ تَدَاوُلِهَا بَيْنَنَا.
اصْح يَا عَمَّ…..
اصْح…
اسْتَيْقَظُ مِنْ غَفْلَتِي وَشَرُودِي وَلَكِنْ لِأُعَودَ مِنْ جَديدٍ إِلَى دَهَاليز دُنْيَاِنَا، الشَّوَارِعُ لَمْ تَعُدْ تَكْفِي لِخُطَانَا، بَلْ لِقَدَّ مَلَّتْ وَأَصَابَهَا الْغَثَيَانُ مِنْ رَائِحَةِ أَقْدَامِنَا الْعَفِنَةِ، نَتَسَكَّعُ حَتَّى يَملُّ اللَّيْلُ مِنْ أَصْوَاتِنَا وَقَهْقَهَاتِنَا، وَنَسْكُتُ…..
وَنُثَرْثِرُ، نَسْرِقُ الْبَسَمَةَ مِنْ شِفَاهِ الزَّمَنِ الْمرِّ.
سَلِيمُ الْعَلِيِّ مَا زَالَ يَمْسَحُ عَلَى شَعْرِ كَلْبِهِ الَّذِي لَا يكَادُ يُفَارِقُهُ، وَيَقُولُ أَنَّهُ أَوَفَى مِنْ كثيرٍ مِنَ النَّاسِ، عَلَّمَهُ أَنَّ يَفْتَحَ الْبَابَ، وَيُحْضرَ الْحِذَاءَ، وَيَمْسكَ لَهُ بِالطَّرَفِ الْآخَر مِنَ الْجَرِيدَةِ.
تُطْبَقُ السَّنُونُ عَلَى عُنْقِي، أضلُّ الطَّرِيقَ وَأَنَا مَنْ رَسمهَا، أَصْنَعُ مِنَ الْأيَّامِ حُلْمًا وَلَكِنَّ أحْلَاَمِيَّ تَبْقَى فِي فَمَيْ أَمَرُّ مِنَ الْعَلْقَمِ وَحَدهَا شَهِيرَة الَّتِي سَرَقَتْ مَنِّي سِنَّيْنِ عُمري، لَمْ تَكُنِ السِّنون الَّتِي قَضَيْتُهَا سِوَى سَرَابٍ، سَرَاب يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، سَيُزَيِّفُ مَا زَالَ يَحْمِلُ صَخْرَتهُ وَيُحَاوِلُ الْوَصُول بِهَا إِلَى الْقِمَّةِ، وايكاروس يُحَاوِلُ أَنْ يَطِيرَ بِجَنَاحَيْنِ مِنَ الشَّمْعِ بِاِتِّجَاهِ الشَّمْسِ.
يوسف وَسَلِيم الْعَلِيِّ وَعَبْد السَّتَّارِ، أَصْحَابِي جَمِيعًا أَصَرُّوا أَنَّ تَكَونَ رِحْلَتِنَا إِلَى أَعْمَاقِ الْبَحْرِ، فِي الْبَحْرِ تَخْتَبِئُ الْحِكَايَاتُ، يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَكِ الْقِرْشِ وَالْحِيتَانِ الضَّخْمَةِ فِي لعبةٍ يَسْمُونَهَا التحدي، وَأَنَا سَأَبْحَثُ فِي عُمْقِ الْبَحْرِ عَنِ السِّنينِ الَّتِي ضَاعَتْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلا ذِكْرَيَاتٌ مِرَّةٌ، سَأَبْحَثُ عَنْ شَهِيرَةِ، رُبَّمَا أَكلهَا الْبَحْرُ يَوْمًا وَأَنَا لَا أَدْرِي…
عشرَةُ أَعْوَامٍ لَمْ أَرَهَا وَكَانَتْ لَا تَبْتَسِمُ إِلَّا عَنْدَمَا أَدْنُوَ مِنْهَا وَتَصْطَدِمُ عَيْنَاي بِعَيْنِيِّهَا، وَأَقْرَأُ فِي عَيْنِيِّهَا الْحُبَّ وَالْوَفَاءَ وَالْإِخْلَاَصَ.
صَعدْنَا جَمِيعًا إِلَى الْقَارِبِ، وَبَدَأَنَا التَّجْدِيف مُبْتَعِدِينَ عَنْ شَوَاطِئِ الْأحْلَاَمِ وَالْأكَاذِيبِ، ضَجِرْنَا مِنَ الْكَذِبِ عَلَى أَنْفُسِنَا، أَرِدْنَا أَنَّ نُغْرِقَ الْبَحْرَ بِأكَاذِيبِنَا أَيْضًا، إذاً لَا بدّ لَنَا أَنَّ نُبْحِرَ.
كَانَتِ الْمِيَاهُ بَارِدَةً، أَبَرْدُ مِنْ قَلُوبِنَا الَّتِي أَصَابَهَا الْهَذَيَانُ وَالتَّعَبُ، وَعَبْدَ السِّتَارِ مَا زَالَ يُدَخِّنُ نَرْجِيلَتهُ، حَتَّى عَلَى هَذَا الْقَارِبِ الصَّغِيرِ يَنْفُثُ دُخَانهَا وَيُشَكِّلُ مِنْ دُخَانِهَا غُيُومَ الذِّكْرَيَاتِ ، هَلْ مَا زَالَتْ ذَاكِرَاتِي تَحْفَظُ مَلَاَمِحَ شَهِيرَة وَهِي تَقْتَرِبُ مَنّي وَتَضَع رَأْسهَا عَلَى كَتِفَيْ وَتَطَلب مَنِّيِّ أَنَّ أَرْسُمَ لَهَا الْأَيَّامَ الْقَادِمَة، أَعُودُ مِنْ رِحْلَتِي وَشَرُودَي وَارَاهُمْ يَجْدِفُونَ، يُصَارِعُونَ الْمَاءَ “
هَيْلَا يَا وَاسِعِ …. هِيلَا هَيْلَا
مَرْكَبِكَ رَاجع…
هِيلَا … هَيْلَا”
يَجْدِفُونَ وَيَنْظُرُونَ فِي وَجهي، هُمْ يَعْلَمُونَ قِصَّتَي، يَعْلَمُونَ الْوَجَعَ الَّذِي يَقِضُّ مَضَاجِعِي، أَسَمِعَهُمْ يُغَنُّونَ وَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْغِنَاءِ، لِتَبْلُغَ أقْصَى مدى لَهَا فِي هَذَا الْبَحْرِ الَّذِي لَا نِهَايَة لَهُ يُغَنُّونَ أحيانًا بِصَوْتٍ طُفُولِيِّ حَنُونِ ،وَيُلَوِّحُونَ بِأَيْدِيِهِمْ إِلَى سُفُنٍ تَاهَتْ عَنْ طَرِيقِهَا فَاِبْتَلَعَهَا الْبَحْرُ كَمَا اِبْتَلَعَ قَصَصُنَا وَحِكَايَاتِنَا….
هَلِ اِمْتَلَأَ قَارِبُنَا بِأكَاذِيبِ جَديدَةٍ ؛ حَتَّى بَدَأَ يَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ، هَلْ مَا زلْنَا نُمَارِسُ الْكَذِبَ
هَلْ مَا زلْنَا نَحْتَاجُ إِلَى لَحْظَةِ صِدْقٍ نُوَاجِهُ بِهَا أَنَفْسُنَا وَنَهْدَمُ مَا عَلَا مِنْ جُدْرَانِ إمَامِنَا ،عَشْرَةُ أَعْوَامٍ وَأَنَا ابحثُ عَنْ طَيْفٍ أَوْ خَيَالٍ أَوْ حُلْمٍ أَوْ أَيِّ شَيْءِ يُخْبِرُنِي عَنْ شَهِيرَةِ…..
هَلْ هِي الَّتِي رَحَلَتْ أَمْ أَنَا مَنْ رَحَلَ عَنْهَا، رَحِيلُهَا جَفَّفَ كُلَّ مَا اِخْضَرَّ مِنْ حَوْلَيْ….​
قَدْ يَكُونُ لِعَبْدِ السِّتَارِ ويوسف وَسَلِيمَ الْعَلِيِّ قَصَصًا تُشَابِهُ قِصَّتَي؛ لِذَا جَمْعَتِنَا اللَّحْظَاتُ وَالسَّنُونِ وَالْأزِقَّةُ وَالْأحْلَاَمُ وَالْكَرَاسِيُّ الْبَالِيَة، حَتَّى كَلَب سَلِيمِ الْعَلِيِّ أَشُكُّ أَنَّ لَهُ قِصَّةٌ تَشَبُّهِ قَصَصِنَا؛ لِذَا لَمْ يَرْفِضِ الْاِنْضِمَامَ إِلَيْنَا مَا زَالَ قَارِبُنَا يَشَقُّ الْبَحْرَ بِعُنْفٍ وَقُوَّةٍ، بَيْنَمَا الْهُدُوء يُرْخِي أَسْتَارَهُ عَلَيْنَا، سَكَتَتْ مِيَاهُ الْبَحْرِ فَجْأَةً وَأَصْحَابَي نَالَ مِنْهُمِ التَّعَبُ فَاِسْتَلْقَوْا عَلَى ظُهورِهِمْ وَرَاحُوا يُرَاقِبُونَ جَمَالَ السَّمَاءِ، وَهُدُوءَ اللَّيْلِ وَيَحْلَمُونَ، فَقَطْ كَلْبُ سَلِيمِ الْعَلِيِّ كَانَ يَقِفُ عَلَى مُقَدَّمَةِ الْقَارِبِ وَيُرْسِلُ نَظَرَهُ إِلَى الْبَعيدِ، وَكَأَنَّهُ أَضَاعَ شَيْئًا مَا، وَأَنَا مَا زُلْتُ أَتَفْقِدُ حُلُمِيَّ وَأُعِيدُهُ مِنْ جَديدٍ، فَقَدْ يَلُوحُ طَيْفُ شَهِيرَة فَأَمسك بِهِ، وَعِنْدَهَا لَنِ ادْعهَا تَرْحَل. مِنْ جَديدٍ أُؤَكِّدُ لَكُمْ أَنَّ أحْلَاَمَ الْبَحْرِ أَكْثَرُ صَفَاءً مِنْ أحْلَاَمِ الْيَابِسَةِ.
تَتَدَاخَلُ الْأَصْوَاتُ فِي أُذْنِيٍّ، فَبَعْدَ الْهُدُوءِ تَهُبُّ الْعَاصِفَةُ، لَكِنَّهَا عَاصِفَةٌ تَخُصُّنِي وَحْدِي، تُمَزِّقُ السُّكُونَ مِنْ حَوْلِي، صَوْتُ مِيَاهِ الْبَحْرِ، وَصَوْتُ سُكُونِ اللَّيْلِ، وَصَوْتُ أحْلَاَمِنَا الَّتِي لَا تَنْتَهِي، وَصَوْتُ شَهِيرَةَ الَّذِي أَسَمِعَهُ بِوُضُوحٍ دُونَ الْأَصْوَاتِ الْأُخْرَى، قَدْ تَكُونُ عَلَى مُقَرَّبَةٍ مِنّي، أَمُدُّ بِرَأْسِي خَارِج الْقَارِبِ، أَبْحَثُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ، وَيَنْطَلِقُ لِسَانَي وَيُنَادِي …. شَهِيرَةُ …. شَهِيرَةُ
…​وَتُضِيعُ الْحُروفُ وَالْكَلِمَاتُ فِي أُذْنِ زَمَنٍ أَصَم، وَيَسْتَيْقِظُ أَصْحَابَيْ يَسْحَبُونَ جَسَدَي إِلَى وَسَطِ الْقَارِبِ خَوْفَا عَلِيَّ مِنَ السُّقُوطِ فَالْبَحْر يَبْتَلِعُ كُلَّ شَيْءِ الْأحْلَاَمَ …… والهموم وَالْأَفْكَارَ، أُحَاوِلُ التَّخَلُّص مِنْهُمْ وَهُمْ يَحْكُمُونَ قَبْضَاتِهِمْ عَلي وَلِسَانَيْ مَا زَالَ يَصْرخُ بَاسمهَا وَهِي لَا تُجَيبْ. كَلْبُ سَلِيمِ الْعَلِيِّ يَتَمَشَّى حَوِّلِي وَبِقُرْبِي يشمُ جَسَدِي الَّذِي أَتْعَبَتْهُ السَّنُونُ، يَلْعَقُ قَدَمِيَّ وَكَأَنَّهُ حَزِين لِما أَصَابَنِي، وَعَبْدُ السِّتَارِ مَا زَالَ يُدَخِّنُ نَرْجِيلَتهُ وَيَنْفُثُ الدُّخَانَ وَهُوَ يَنْظُرُ إلى أَبْعَدِ نُقْطَةٍ فِي الْبَحْرِ الْوَاسِعِ الْعَظِيم.
.
هَلْ آنَ لَنَا أَنَّ نَعُودَ، إِلَى مَتَى سَيَبْقَى هَذَا الْقَارِب مُبْحِرًا فِي أزِقَّةِ الْبِحَارِ الضَّيِّقَةِ وَبِاِتِّجَاهِ شَمْسٍ لَا تُشْرِقْ، طَالَ اللَّيْلُ وَالطَّرِيقُ طَوِيل، وَالْعَتَمَةُ الَّتِي نُعِيشُهَا تَرْفِضُ أَنَّ تَكَشفَ مَا غَطَّتْ مِنْ أَشْيَاءٍ، وَصَوت تَلَاطُمِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ تَحْكِي قِصَّةً، وَرَذَاذ مِنْ نُعَاسٍ يَغْشَى عَيْنِيَّ وَأحْلَاَم أَشِبْهُ مَا تَكَون بِأكَاذِيبِ الْمَسَاءِ تَغْزُو رَأْسَيْ، أَفَتْحُ عَيْنِي، وَأَنْظُرُ حَوْلَي، طُيُورُ النَّوْرَسِ تُسَبِّحُ وَتَذَكُرُ اللهَ، الصَّيَّادُون قَدْ عَادُوا مَحْمَلَة مَرَاكبهمْ بِصَيْدِ اللَّيْلِ الْوَفِيرِ، الشَّمْسُ أَشْرَقَتْ، وَقَارِبِي مَا زَالَ فِي عُرْضِ الْبَحْرِ وَلَا أحَد مَعْي سِوَى ذِكْرَيَاتِي وَحَفْنَةٍ مِنْ أكَاذِيبِ الْمَسَاءِ…..

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق