قراءات ودراسات

العالم… يبحث عن فلسفته (عتبة الغابة الزرقاء)

سامي البدري

عند أي نقطة سنجد أنفسنا إذا ما صدقت مقولة أن (الانسان إتفاق بورجوازي)؟
أظن أن هذه المقولة للروائي هرمان هسه، وقد أوردها في معرض توصيفه لحالة اليأس التي أعقبت حالة توقف (قلت توقف كي أؤجل القول بإفلاسها إلى مكان آخر) الفلسفة عن مجاراة تصدع قشرة بيضة وهم الإنسان، التي كانت تناسب مراحل سابقة من تأريخ بياض وعيه، وإنتقال هذا الوعي إلى مراحل إمتلائه بسواد الحبر، الأمر الذي جعله في مواجهة مصيره القاتم، والذي توقفت الفلسفة على عتبته وهي تهز رأسها حيرة وتوجعا! أن يكون الانسان ليس أكثر من إتفاق برجوازي، منعطف يضعنا في مواجهة حجم الخداع الضبابي الذي ظللت به، مقترحات وأفكار وأيديولوجيات ومقتنيات أكليروسية، مرايانا لتمنعنا من رؤية مساحة وعينا على حقيقتها.
ما يمنعني هنا من تقديم المقتنيات الاكليروسية والطقوسية الدينية على غيرها من باقي العناصر الافكارية، هو أن الشعر كان سابقا على بقية وسائل التعبير الثقافي وتفرده بساحة هذا الوعي لوقت ليس بالقصير من تأريخ تطور هذا الوعي ومواجهة لإحالاته وإحالات تفتق العقل الانساني عن إقتراحاته، أو تهويماته في ساحة هذه الإقتراحات على وجه الدقة.
إن أول إحالة تحيلنا إليها مقولة أن (الانسان إتفاق بورجوازي) هي التوقف عن مؤازرة – على أقل تقدير – الفلسفة، في جهدها التوصيفي والتحليلي، والوقوف منها ومن جهدها موقف التشكيك لأنها وبكل بساطة، تكشفت أمام مسيرة العلم وجهده التكنلوجي وما خلفته طفراتهما من شروخ في قوالب (ولن أقول بداهات) الروح، تكشفت عن عجز مخجل عما سوى التوصيف… وأحيانا قليلة، التأطير الهلامي، وخاصة في مراحل ما قبل ظهور سورين كيركغارد، الأب الشرعي للفلسفة الوجودية.
علينا، في هذه المرحلة من هذه الورقة، أن نتذكر أن البورجوازية كانت التطور الطبيعي لإقطاعية ما قبل وما بعد الثورة الصناعية، وأن هذه الثورة كانت الحلقة الأشرس في إنتاج البورجوازية، كأيديولوجية وثقافة، وأن البورجوازية كانت بقعة الزيت التي غطت أحيانا، وموهت في الأحيان الأخر، مساحة الحرية، كثقافة ووعي إنسانيين أصيلين، بما إقترحته من (دين) جديد طالبت بالإيمان به دون تشكيك أو حتى مجرد حوار.
وفي الوقت الذي أخذت فيه مساحة هذا الإتفاق بتكريس مرتكزات هيمنتها، كبنى مفاهيمية وفلسفية، كان الجهد الفلسفي مشغولا بلوم الانسان على إتساع مساحة مراراته، بدل الأخذ بيده وبوعيه للوقوف على عمق الهوة التي كانت أسئلته تدفع به إليها، على أقل تقدير.
ما بنى عليه الدارسون والفلاسفة الألمان، الفلسفة الوجودية، كانت مقولة الدنماركي، سورين كيركغارد، والتي كانت بمثابة الصرخة الكبيرة بوجه التمدد الإخطبوطي لشراهة دين البورجوازية الجديد (الذي يقوم على فكرة إستعباد الانسان في العمل الذي يستهدف زيادة أرباح أصحاب رؤوس الأموال): إذا أردت أن تنفيني، ضعني ضمن نظام؛ إنني لست رمزا حسابيا؛ إنني أنا!، وهذا معناه إنه آن لي أنا الفرد أن أقول كفى (لموضوعيتكم) التي ترهلت لتبتلع كامل ذاتي وحريتي، أو: أن الحقيقة هي الذاتية وليست الموضوعية!، وهذا يعني: ليتوقف النظام، والنظام بشكله السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن مسخي وتحويلي إلى جزء من ماكنة مصيرها الموت، لأن هذا الموت، بحد ذاته، هو الجزء الأساسي من المشكلة وسؤالها الأكبر.
طبعا كان من العسير، بل المستحيل، على الوضعية المنطقية والمادية والمثالية تقبل مثل هذا الفهم (كموضوعية) جديدة، لأنه لم يكن نتيجة إستدلال عقلي معرفي وإنما (حاجة عاطفية) فرضتها مساحة المرارات النفسية التي خلفتها مؤامرة الإتفاق البورجوازي على الكيان الفردي، الذي لم يعد له من هم، في بلد العميان الذي صنعته بورجوازية الحضارة الحديثة، غير تحسس كيانه كفرد أولا، والمحافظة على ما تبقى من حريته (سعادته الحيوانية أو البدائية) ثانيا.
وفي هذه اللحظة يكون بمقدورنا التجاوز والإختصار بالقول أن مرحلة ما بعد إعلان إفلاس المثالية والوضعية المنطقية، كانت بحاجة لإعلان آخر أشد أهمية، وهو ما تصدت له الفلسفة الوجودية: إزالة الضبابية عن المشهد والوقوف أمام مرآة الفلسفة والوجود وكتل التنظير الوجودي والأخلاقي بعري تام ليصرخ الفرد منا: أين أنا من كل هذا؟ أنا ضحية إتفاق بورجوازي فعلا… ولا أكثر.. فمن خدعني يا ترى؟ مثالية هيجل البكماء؟ من ضلل أذنيّ إذا عن سماع صراخ، الرحيم بمصيري، فريديك نيتشه ومن أعماني عن رؤيته؟ والسؤال الأهم: هل كنت أنا ذاتي جزءا من تلك التعمية..؟، بمعنى: هل كنت أنا جزءا من الإتفاق البورجوازي أو أحد تروسه الصغيرة المهملة؟… إن كنت فقد دفعت إليه دفعا ولم يكن خيارا شخصيا، بقوة النظام المؤسساتي، سياسي وإجتماعي.
هذا الوضع المزري أفرزه إفلاس الفلسفة بالدرجة الأولى، لأنه أسلمنا، وخاصة بعد إستفحال وضع ما بعد الثورة الصناعية، إلى حالة اليأس والفراغ التي تقول: لا شيء يستحق بذل أي مجهود، وخاصة بعد تحول كل علائم الحياة التي ولدت مع الانسان إلى نوع من الميكانيكية الانتاجية التي جعلت (البشر يموتون كالحيوانات لا كالبشر) بتعبير ارنست همنغواي.
السؤال الأشد إلحاحا الذي يواجهنا اليوم، والذي جاء كنتيجة لتجربة قرنيّ ما بعد نضوج الثورة الصناعية وحضارتها المادية، هو: كم ربح الانسان مقابل عبوديته للجسد؟ فقد أفرزت الثورة الصناعية سلسلة هلامية من الحاجات الجسدية التي لا تريد أن تقف عند حد، ولا تريد أن تصل إلى ذروة، كذروة قصة مأساوية، ليبدأ بعدها الحل.. ولا نقول هذا هنا كنوع من الحنين إلى الموت كالبشر أو رفضا للموت كالحيوانات، إنما من أجل الحصول على فسحة للتأمل ومناقشة أهداف الموت وإتخاذ موقف جدي من أغراض إشتغالاته، المادية والمعنوية، وإتخاذ القرار بشأن هذه الإشتغالات، وإذا ما كانت أهدافها دنيوية تنظيفية فقط أم لكونها طريقا لبداية جديدة… وفي هذا الجانب بالذات، مر علينا وقت طويل جدا ونحن نقف على ساق واحدة… وحان الوقت لنضع ساقنا الثانية… فأين سنضعها وعلى أي أرض؟ إنسان القرن الواحد والعشرين لا يكتفي، لشدة المرارة التي يعاني منها، بأن يضعها على مجرد أرض، بل يحتاج لأرض صلدة ونهائية وتناسب شكل قدمه أيضا!
هل يبدو هذا تبسيطا مخلا، في النظرة، لحجم مشكلة بحجم حضارة القرن الواحد والعشرين؟ فاليوم ثمة ألاف من مصانع السيارات ومئات من مصانع الطائرات وملايين من مصانع الهواتف النقالة وعشرات الملايين من مصانع التلفاز وباقي الحاجات والسلع المعمرة… وملايين من الجامعات التي تدرس العلوم الحديثة وتخرج المتخصصين فيها، وأكثر من مئتي من الإدارات، التي تحسب لكل شيء حسابه، من أجل إدارة الدول.. فهل هذا مجرد عبث لا طائل من ورائه وكان مضيعة للوقت والجهد؟
عناصر وأفذاذ الإتفاق البورجوازي (بمقصد العبارة المجازي طبعا) يقهقهون ساخرين ويتهمون هذا المنطق بالهبل وبالجنون المطبق أيضا، لأنهم يرون أنفسهم محور الكون وأن وجودهم ضروري، لأنهم يفضلون أن يعيشوا كالحيوانات ومتصالحين مع أنفسهم على فكرة أن لا شيء أفضل مما في أيديهم، ولو كان ثمة أفضل لكان الله قد حباهم به، لأنهم سادة الحياة ويمتلكون أفضل ما فيها، والدليل أن من بينهم خرج العلماء والساسة وكبار قواد الجيش… وإلى آخر القائمة!
بطريقة من الطرق، تكاد الفسفة، بإستثناء الفلسفة الوجودية، أن توافق على هذا المنطق، يقول الوجوديون، وخاصة سورين كيركغارد وجان بول سارتر (قبل تحوله إلى الشيوعية) وألبير كامي وأرنست همنغواي (قبل تحوله إلى منظّر لرؤية تمجيد القوة، التي تحولت إلى فلسفة خاصة بعقل المؤسسة الأمريكية).. طبعا جوزت لنفسي مثل هذا التبسيط كي أتمكن من تقريب وتسويّغ فكرة أن أزمة إنسان القرن الواحد والعشرين هي نتيجة للأزمة التي تعيشها الفلسفة إزاء العلم وإنجازاته التي طوت الكثير من الصفحات تحت قدمها، دون أن تجد من يخطئها ويقف في وجهها.. وهي أزمة أكبر من الأزمة التي عاشها جيل الشباب الغاضبين في أوربا، ومن أطلق عليهم، الانكليزي كولن ولسن، اللامنتمين، عقب الخراب الروحي والنفسي الذي خلفته الحرب الكونية الثانية على وجه الخصوص، لأن عالم الربع الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، بات عالما بلا قيم فعلا ويعيش حالة من التضاد الروحي الذي أعلنت أمامه الفلسفة عجزها وإنسحبت إلى ظلال الأروقة الجامعية، لتتركه يتخبط في مرارت العجز والضياع وهو يردد: ما الذي خسرت مقابله روحي وحريتي؟ دواء البنسلين والطيارة والهاتف النقال والتلفاز الذي ينقل إلي صور قتل الأسلحة الحديثة؟ ولكن هذه المنجزات لم تمنع الموت عن سادة الإتفاق البورجوازي الذين إخترعوها، فبم ستخدمني وهي تحرمني من الموت كالبشر… بل وتجبرني على الموت كالحيونات؟
وإذا كان طرح الوجودية في أن الموت هو أهم الأفكار أو الإشكاليات التي يجب أن يتوقف عندها العقل البشري، كفكرة ورؤية، فإن هذه الإشكالية مازالت قائمة وفي أبشع صور قهرها وإذلالها، كما في صور المجاعات في أفريقيا، وحروب تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وحرب احتلال العراق.. ماذا قدمت الفلسفة من حلول لهذه الإشكالية؟ التفسيرات الضبابية أم صور القداديس والصلوات، التي لا يعنيها إذا ما كان من تتلى عليه قد مات كالحيوانات أم كالبشر؟ وبإستعارة من نيكوس كزنتزاكي: ماذا ستعني القداديس والصلوات والتابوت المنجد بالحرير عندما ينهار الكيان الزوربوي؟
إنسان القرن الواحد والعشرين، والذي فعلا يعاني من عجز الفلسفة أكثر من الأجيال السابقة، بات يصرخ: بعد أن صيرني التقدم العلمي روبوطا مقموعا في النهار، وإلى عود قصب فارغ في الليل، وأبيت كل ليلة مهددا بالكسر، دعوني أموت كالبشر على حافة نهر ووسط الأشجار لأني بت لا أعرف نفسي… وأظن أني ولدت لكي أعرفها أكثر من كل شيء… ببساطة لأني أحتاجها أكثر من الهاتف النقال والطيارة والسيارة وناطحة السحاب وأنظمة المراقبة الحديثة وأحدث الخرائط، لأني سأموت فيها!
هل لنا الآن أن نذم الحضارة الحديثة لأنها تحرمنا من الموت كما نشتهي أو الموت في أنفسنا؟ هل باتت معاناتنا الحديثة متركزة في حرمان الحضارة لنا من أن نكون أنفسنا أو أن (نتمتع) بها أو نتصرف بها كما نريد ونشتهي؟ وبصياغة أكثر قربا: هل سيموت من يجد نفسه محددا في ساعة نومه وساعة صحوه وفي ساعة حصوله على خدمة ما وفي ساعة سفره وفي الحصول على إذن دخول لكي يزور صديقه في البلد المجاور، هل سيموت مثل هذا الانسان في نفسه ولها وكما يشتهي؟
“””””””””””””””
من أين بدأت مشكلة الإنسان مع قوانين (التحضر البورجوازي) ـ تجوزا طبعا ـ وثمرته العلمية، والحضارية بالتبعية؟
يمكننا تأطير هذا السؤال عبر رؤية باسكال: (المسيحي انسان مريض) وهو يشير بهذا إلى قضية زعزعة الانسجام السكوني بين الوثني والكون، أي خلق حالة القلق في الضمير وحالة عدم التصالح أو الشك في عفوية ونقاء الغرائز، بخلق حالة من الرهاب منها أو إلقائها في الجحيم، كما يقول ارنستو ساباتو.
وهذا يعني في المحصلة أن ضمير الانسان بات موضع الشك وعليه تقديم فاتورة تنقية وشهادة سلامة للغرائز التي يحرس، بصورة دائمة، وبطريقة حساب صارمة، تقترب من صرامة مدققي حسابات المصارف الكبيرة، عند بعض رعاة المسيحية، ويجب أن تفوق تلك الصرامة عند البعض المتبقي من أولئك الرعاة، ومن هنا ولد الجزء الأخطر من مرض المسيحي المزمن.
وهذا لا يعني إنحاء باللائمة على المسيحية بصورة خاصة، وإنما تأطير لدور الدين الذي إستغله (الإتفاق البورجوازي) من أجل بسط هيمنته، لأن الدين ترك فسحة للرحمة الإلهية والتوبة والصدقات التي يمكن أن تصالح الإنسان مع ضميره وغرائزه بسهولة معقولة ومقبولة، ودون أن تقوده إلى ما أسماه باسكال (المرض المسيحي) تجوزا طبعا مع إصطلاحية المفهوم.
ورغم أن هذا التبسيط لا يفي بالغرض هنا، لكننا نسوقه لإضاءة أحد أهم الجوانب التي أستغلت لتسويغ الاتفاق البورجوازي، كما عبر عنه نابليون بإشارته لضرورة الدين في إلهاء الفقراء ومنعهم من الفتك بالأغنياء، وبالتالي صرف الشريحة الأكبر من الناس عن التساؤل وتوسيع غرف وعيهم وتشريع نوافذها، وبالذات على السؤال الأشد إلحاحا: كم ربحت مقابل عبوديتي للجسد؟، لأنه ببساطة سيقود الانسان للقول: لا شيء يستحق بذل أي مجهود، والوعي بهذا القول يعني تحطيم وثن (الاتفاق البورجوازي) وسحب البساط من تحت وهمه الكبير وإجباره على العودة للوقوف على قدم واحدة؛ بمعنى الصراخ في وجوههم: إنكم تخدعون أنفسكم وإنكم لستم أكثر من (كتلة من الزيف والخداع الذاتي) بتعبير كولن ولسن؛ وهذا يعني مفارقتهم لحالة الدعة التي كانت توفرها لهم حالة الاستقرار التي يوفرها قصور الوعي.
ومن جهة أخرى، فإن هذه المقولة تقودنا لحقيقة إستغلال الدين في (تضييق العالم من حولنا وتبسيّط الروح)، وهذا التضييق هو المرض الحقيقي، أما تبسيّط الروح فهو بمثابة قمعها وإستلابها، لأنه بمثابة عملية تفريغ أحادي المجرى: تفريغ سلبي بلا إعادة تعويض حقيقية… ببساطة لأن ـ بحسب الفهم المعبدي أو الكنسي ـ مضت على المخلص أكثر من ألفي عام وهو مازال معلقا على صليبه، وعلى من يؤمن بنزوله من هذا الصليب أن يوقف روحه على عملية تفريغ بهذا الإتجاه على أمل ملئها في يوم نزوله؛ وهذه حالة مماثلة لحالة أم موسى بعد دفعها لوليدها في الماء إذ صار قلبها هواء، أي تفريغ بإتجاه واحد هو إتجاه نجاة سلة وليدها.
وفي الإتجاه ذاته، نستطيع إختصار هذا بتشبيه كولن ولسن: (تحويل الحياة إلى مصيدة نزيرة الطعم) بدل أن تكون هي الطعم الكبير الذي يجنبنا الوقوع في مصيدة الإستلاب، خدمة لمصالح إتفاقات أو رؤى لا تفيد في غير قمع الوعي أو قولبته ضد الحرية الشخصية ومراحات التمدد في ظلال (سعادتنا الحيوانية).. هل كانت الفلسفة، في محصلتها النهائية، حربا على تلك الحرية؟ من المؤهل للبت في هذا التقدير؟
عندما خرج المفكر والروائي الانكليزي، كولن ولسن، على العالم، عام 1956، بكتابه (اللامنتمي) بصفته تشخيص دقيق لمرض العصر، وإختصاره لمرض عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بإلإفتقار إلى القيم، أو تحوله إلى بلد للعميان لهدره لقيمه، وافقه جمع كبير من مفكري تلك الحقبة وأدبائها على ما ذهب إليه، ولكنهم حاربوه وأتهموه بالهرطقة عندما إقترح عليهم (وجوديته الجديدة) لأنها كانت تقول، في ضمن ما تقوله كإقتراح بديل، أن الفلسفة قد أعلنت إفلاسها وتحولت إلى عبء أو عقبة في طريق تقدم خطوة جديدة إلى أمام في مشكلة إستلاب الإنسان وفقدانه لحريته.
رفضت وجودية كولن ولسن الجديدة، بل وقوبلت بالسخرية الممضة لأنها تقوم على فكرة تعميق الوعي الإنساني عن طربق التجارب الغريبة، دون دراستها أو التوقف أمام مراميها بجدية حقيقية، على الرغم من أنها إقترحت الإنطلاق من قاعدة عودة الانسان إلى جلده الأول: الحرية، بإعتبارها أهم القيم التي بات يشكو فقدانها عالم ما بعد الحربين الكونيتين، وأيضا بإعتبارها أهم قواعد الإنطلاق بإتجاه التأسيس الجديد أو البديل (للإتفاق البورجوازي) الذي مسخ الانسان في ذاته وقيمه وحوله إلى مجرد عبد في ماكنة الإنتاج الرأسمالي، التي ضيقت روحه وحريته إلى مساحة السرير، الذي يحلم فيه بسقوط هذا العالم المتردي، ومساحة الحمام الذي يصرخ، تحت رشاش مائه، باللعنات على قيمه المتعسفة.
ولسنا هنا في معرض الدفاع أو تبرير الوجودية التي طرحها ولسن، بل نحن بصدد التساؤل عن والعرض للبديل الذي قدمه مهاجمو ولسن في الفلسفة: لا شيء حقيقي بالمرة؛ فمازالت مشكلة فقدان المعنى التي تعاني منها حضارتنا الحديثة تتعمق؛ وأيضا مازال الوضع على ما هو عليه بشأن (التأكيدات التي يقدمها الدين، والتي تتبدد كل يوم، ولا يمكن إستبدالها)، كما يقول ولسن في الصفحة الأولى من كتاب وجوديته الجديدة أو فلسفة المستقبل.
إذن نحن أمام معضلة عدم طرح البدائل، وخاصة بعد تهالك أو إعلان إفلاس فلسفاتنا وايديولوجياتنا، وطغيان الجانب الطقوسي على أغلب رؤانا الدينية، التي ورثت الصيغ الدينية الأولى، بعد تجريدها من بريقها  الفكري والفلسفي.. ولسنا هنا بصدد الإجابة على سؤال إذا ما كان هذا البريق ضروريا أو يمثل غيابه جزءا من عتمة المشكلة، إنما نحن بصدد إمتحان صلاحية الفكرة ككل ومن الأساس.
وإذا كانت الفلسفة، في ماضيها أو مجد تألقها، قد أفلحت في التأطير والإضاءة لبعض الجوانب، فإنها خسرت معركة تحريرها الأساسية لبقعة الأرض التي نشأت بسببها الحرب، والتي إختصرها سورين كيركغارد في السطور التالية من روايته المعنونة مراجعة: (يغرس الواحد منا اصبعه في التربة فيعرف الأرض التي ينتمي إليها من الرائحة التي يشمّها، وأغرس أنا اصبعي في الوجود فينم عبيره عن اللاشيء، فأين أنا وكيف جئت إلى هنا؟ وما هذا الشيء المسمى بالعالم؟ كيف وصلت إليه؟ لماذ لم أسأل ولماذا لم أؤهل لأتطبع بطرقه وعاداته؟ قذفت إلى جوعه وكأني أشتريت من خاطف ملعون أو تاجر أرواح.. كيف أصبحت مهتما به؟ هل هو أمر طوعي؟ وإذا كنت مرغما على تمثيل دور فيه، فأين هو المخرج؟ أحتاج أن أراه!)… وهذه هي بقعة الأرض موضع النزاع التي لم تحرر، وهي مازالت بيد المجهول الذي يقبض عليها بيد من حديد… والأهم هو إننا مازلنا، بل وتتجدد كل يوم وتتضاعف حاجتنا إلى تحريرها! وبسبب عدم تحريرها أو عجز الفلاسفة عن ذلك، إقترح افلاطون إنتحار الفلاسفة.
طبعا، الحاجة إلى (رؤية المخرج) تتجدد في الانسان عقب دورة كل يوم: يأكل ويشرب ويذهب إلى خياطه الخاص أو متجر الألبسة الجاهزة، ذات الماركة الباريسية، ليلبس بدلة جديدة ويذهب لسهرة في النادي الليلي ويشرب… ثم يعود بسيارته الفاخرة ليمارس الجنس على سريره الوثير وينام ليصحو في الصباح التالي ليجد السؤال في مرآة الحمام وبالحبر الأسود: وماذا بعد هذا؟
ومقولة كيركغارد السابقة تعني ببساطة أن النظام الذي اقترحه هيجل لم يكن أكثر من محاولة أخرى لخداع النفس، وبالفعل فقد إندحر نظام (فلسفة) هيجل ولم يتبق منه غير الهيكل الذي تحشى به الكتب التي تدرس في أقسام الفلسفة الجامعية، أما على أرض الواقع فبقي (الرعب! الرعب!) بتعبير جوزيف كونراد، وبقيت أحداث (المسابقة غير المثيرة) تجري بنفس الوتيرة من التصميم وعدم توضيح الأهداف (وبكأبة غير مستحبة، ولا شيء حولها أو في قاعدتها، إنها بلا متفرجين، بلا صراخ، بلا روعة.. تجري في جو باهت ومريض من الشك، بلا إيمان في حقك أو حتى في خصمك.. كنت أود التصريح في آخر فرصة، ووجدت أن لا شيء عندي لأقوله)، بتعبير نفس الروائي، وهذه هي المشكلة التي عجز عن حلها نظام هيجل، بل وتجاهلها أيضا، لتبقى مسابقة التكرار اليومي أو اللهاث خلف الحاجات اليومية المتجددة، تجري بجو الكآبة غير المستحب ذاته؛ والأهم، بلا إيمان في حقك… في أن توقف ثور الساقية هذا الذي يدور حول نفسه بلا هدف أو محطة وصول حتى… وهنا ينهض السؤال في أنصع وجوه جديته: ألا يعتبر الموت محطة وصول؟ وإجابة الإنسان الحديث والوجوديون قبله، تأتي بصيغة سؤال هي الأخرى: وصول إلى أين الذي يؤدي إليه الموت وهو ليس أكثر من مجهول تحللي وماحق؟
الموت الذي سيكون محطة وصول مقبولة هو الذي يأتي كنتيجة إيمان في حق الفرد، وإيمان كبير أيضا، في كل شيء وفي كل ما يعن له أو يراه، مهما كان صغيرا أو لا يجده (الإتفاق البورجوازي) أو النظام الاجتماعي مبررا بما فيه الكفاية… وأيضا، وهذا هو الأهم، هو الإيمان الذي يسبقه فرصة التصريح وبأعلى صوت، ولو من أجل قول أف أو لإطلاق سيل من اللعنات غير المعنونة!
ولكن طبعا هذا تبسيط مخل ولا يمثل حلا أو حتى جزءا منه، ولكنه قد يشكل طريقا إليه، فيما لو ضحى أو تخلى (الاتفاق البورجوازي) عن أوهامه التي تمثل له حياته ومجده وخارطة مصيره ومسيرته العظيمتين، رغم أنهما ينتهيان إلى موت الحيوانات به… (لا برجفة عنيفة، وإنما بنواح خافت)، كما يقول جوزيف كونراد في قلب الظلام.
لا أحد ينكر على الفلسفة إنها كانت، في جوهرها، دعوة للجنس البشري للتخلي عن أوهامه، وأوهامه الضرورية على وجه الخصوص، إلا أنها لم تطرح بديلا مقنعا، وبدل أن تطرح ذلك البديل إنقسمت على نفسها إلى مذاهب ومدارس، وإنصرفت للعناية برسم خرائط حدود ملكية تلك المذاهب والمدارس وبناء الأسيجة الملونة لها، بدل أن تبني لنا قبة هيكل النجاة ـ بمقصد العبارة المجازي طبعا ـ وتفتح لنا باب الخروج من مطهره بإتجاه العودة إلى جلودنا الحقيقية، والمغتصبة من قبل جهة ما، أو (الموت كالبشر) على أقل تقدير.
وها نحن الآن وصلنا إلى أكبر أسئلة الفلسفة التي كان من المفروض أن تكرس نفسها للإجابة عليها: هل فعلا لنا أو كان لنا (جلود حقيقية) وأغتصبت؟ وهل كان الأجدى التحقق من هوية (سارقها) وتحديد صفاته وملامحه، من أجل رسم صورة توضيحية له، أم كان الأجدى القبض عليه قبلها أو تحديد مكانه، على أقل تقدير؟
ورغم أن الوجوديين كانوا الأكثر تشاؤما في محاولة الإقتراب من إجابة هذين السؤالين، إلا أنهم كانوا الأكثر جرأة على نبذ الأوهام وتحديد الحرية الذاتية كبوابة دخول للهيكل، دون أن يدعوا أنه هيكل نجاة.
وإذا كان البعض، من الفلاسفة والنقاد على وجه الخصوص، قد أخذ على الوجودين في قصر تلك الجلود على الذاتية التي نادوا بها، فإن الذاتية أثبتت ومازالت تثبت، إنها ليست مجرد رد فعل على موضوعية العلم وعقلانية الفلسفة التي أحالت الانسان إلى مجرد أداة في نظام وتكوين مادي يثير الاشمئزاز والشفقة على بؤس منتجيه، سواء كانوا علماء أو فلاسفة أو قادة نظام اجتماعي وسياسي أو نظام اقتصادي نفعي، إستهدف بكل جهده قيم الانسان وحريته وصادر فرديته التي هي أهم عناصر شعوره بكينونته وطريق إيمانه بها وبأهميتها وجدواها.
ولعل تجربة موقف الفرد وإيمانه بفرديته ودفاعه عن ذاته، أظهرتها بجلاء ردة فعل المواطن في المعسكر الاشتراكي، بوجهها السياسي على الأقل، عندما إستغل مواطنو ذلك المعسكر أول عملية إرتخاء لقبضة السلطة عن خناقهم، وثورتهم في سبيل إسترداد حريتهم في بولندا، قبل إنتشار نار تلك الثورة في باقي دول ذلك المعسكر، والتي توجها الالمان الشرقيون بتحطيم جدار برلين وعبورهم لأنقاضه إلى جهته الثانية، رغم أن جهته الثانية لم تكن سوى الخطوة الأولى في طريق الحرية الذاتية، أو الخطوة الأولى في تحطيم القشرة الخارجية للإتفاق البورجوازي، الذي كان يسميه قادة المعسكر الشيوعي بسلطة الشعب، والتي لم تكن في حقيقتها، حالها في ذلك حال سلطة الاتفاق البورجوازي الرأسمالي، والتي تسمى في هذا النظام سلطة الديمقراطية وحكم الشعب، وهي في كلا النموذجين ليست أكثر من عملية مصادرة للحرية الفردية… مقابل نظام وحماية المجاميع الاجتماعية وإتفاقاتها البورجوازية، المصادرة للحرية الفردية والسعادات البدائية أو الحيوانية، إن شتئوا، التي كان يتمتع بها انسان ما قبل ذلك الاتفاق.
إذن بمقدورنا أن نقول أن لنا جلودا أولى، وإن تلك الجلود أغتصبت فعلا، وعلى مراحل التأريخ، إجتماعيا وسياسيا واكليروسيا وطائفيا ومناطقيا وروحيا … وأخيرا فلسفيا وعلميا.. ورغم أن عودتنا إلى تلك الجلود لا تمثل إلا عودتنا للوقوف أمام بوابة الغابة، إلا أن هذه الغابة (غابتنا نحن) وسندخلها بمزاجنا وتوقيتنا نحن… والأهم من أجلنا نحن لا من أجل نظام أو إتفاق مفروض علينا!
هل يعني هذا أن مشكلتنا في أساسها هي مشكلة حرية، وأن إحالة الفلسفة أو إبتسارها في (نظام) أو هيكلية أو صيغة تنظيمية كان سببا من أسباب المشكلة أو إشاعتها، ذلك الشيوع الذي ترتبت عليه آلاف العقبات (التنظيمية والتقنينية) التي حلت محل الفلسفة وإستحوذت على مكانها، بصفتها بديلا واقعيا… بل وفلسفيا، عند منظري (الإتفاق البورجوازي)؟
مثل صيغة الطرح أو الإختصار المتعجل هذه، تمثل إبتسارا آخر للفلسفة، بحد ذاتها، لأن الفلسفة مثلت وتمثل التطلع الصريح لقيمة الانسان في حد ذاته؛ كما إنها تمثل تجاوزا متعسفا على الفلسفة، بصفتها الوسيلة والطريقة التي نالت رضا الانسان في تقرير ذاته وإعلائها وتمكينها من الوعي الذي يلزمها.
إذا الفلسفة كتلة أو جسد يجب أن يكون بحجم الانسان ذاته وتطلعاته وتشوفاته، وأولها الحرية طبعا، لأنها طريق عودته الوحيد إلى (جلده) المستلب، أو وعيه بهذا الجلد، بعبارة أكثر دقة.
وبهذا المعنى تكون الفلسفة وهدفها، ليس تأسيس الفرضيات، على طريقة الوضعيين المنطقيين والمثاليين، وإنما ترسيخ دائرة الخصومات وتأكيدها، على طريقة فريدريك نيتشه، لأن المشكلة الأخطر التي واجهت الفلسفة ومازالت معلقة، هي ليست معاناة الانسان من فقدان النظام الذي شغل هيغل، على سبيل المثال، إنما في مواجهة السؤال الأكثر مضاضة، والذي إختصره المفكر الانكليزي، هربرت جورج ويلز: (نحن نعرف إنك تعمل وتعيل عائلة وتأتي بالنقود وتحب وتكره، ولكن ماذا تعمل)؟
هل الإجابة على هذا السؤال كانت تحتاج كل التعقيد الذي أنتجته الفلسفة، والذي تحول إلى تراث جاثم، على طريقة جثوم أبي الهول، لا ليقدم اجابة مختصرة على سؤال ويلز المختصر وإنما ليدرس في الجامعات لطلبة يدرسونه لطلبة أقل تخصصا منهم؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق