قراءات ودراسات

دراسة لمنهجه التربوي من أجل الوعى الوطني ونهضة الأمة

الإمام الأكبر محمد عبده

 د.محمد عبدالحليم غنيم

بمناسبة مرور 115سنة على وفاة الإمام محمد عبده زعيم مدرسة الإصلاح الديني في مصر والعالم العربي نعرض كتاب ” الإمام محمد عبده ” للأستاذ الدكتور محمد محمد البهي الصادر فى ( أبريل 2005) في طبعته الثانية ، والكتاب في الأصل رسالة دكتوراه نال بها الأستاذ محمد البهي درجة دكتوراه في الفلسفة من جامعة هامبورج بألمانيا عام 1936 ، وقد ترجم الكتاب لأول مرة عام 1999 الدكتور صلاح عبد العزيز محجوب ، نضع بين يدي القارئ هذه المعلومات حول الكتاب لأن هناك العديد من المؤلفات والكتب والرسائل العلمية حول الأمام محمد عبده هذا الكتاب واحد منها ، بيد أن أهميته تكمن في أنه يترجم لأول مرة إلى العربية بعد إنجازه مخطوطا بما يقرب من سبعين عاما ، ومع ذلك تبدو المادة العلمية التي يتضمنها طازجة وجديرة بالطرح الآن ،إذ لا يزال مشروع النهضة الذي بشر به محمد عبده منذ قرن من الزمان قائم وحاجة العرب والمسلمين إليه قائمة بل ضرورية .
ولنبدأ الآن في عرض الكتاب الذي يقع في مائة وأربعين صفحة من القطع الصغير ، يلخص محمد البهي الهدف من دراسته في بداية البحث فيقول : ” ويمكن اعتبار محاولتنا في هذا العمل أنها تبغي بحث منهج الإمام محمد عبده التربوي من أجل بناء وعي وطني ونهضة وطنية ” ص 17 .
ويقوم البحث على خمسة فصول يسبقها مقدمة ويختمها ملخص للبحث وملحق يشير فيه المؤلف إلى أثر جمال الدين الأفغاني على محمد عبده .
الفصل الأول : التكوين الوطني والإصلاحي لمحمد عبده
تحدث المؤلف بإيجاز في هذا الفصل عن الدوافع التي وجهت محمد عبده نحو الوطنية والإصلاح فحصرها في أربعة دوافع أولها الوضع في مصر في ذلك الوقت حيث أحرز هذا الوضع كراهية في نفس محمد عبده للسيادة الأجنبية والاستيلاء على وجه الخصوص (الكتاب ص 2 ) . وثانيها نشأة محمد عبده حيث عانى من نظام التعليم التقليدي في الأزهر وثار عليه وثالثها علاقة محمد عبده بجمال الدين الأفغاني ، وقد لخص المؤلف هذا الدافع في قوله “كان للصلة الوثيقة بجمال الدين الأفغاني والشغف بفكره وآرائه تأثير كبير في الإمام ، إذ أيقظت عقله ودفعته إلى تحطيم القيود التي كان الشعب يئن تحت نيرها ” (الكتاب ، ص27 ) . وآخر هذه الدوافع طبيعة محمد عبده نفسه ، ” فطبيعته الخاصة وما ورثه عن والده من شجاعة وصبر كانا من أسلحته في أوقات الظلم والعنف التي أثرت عليه مثلما أثرت عليه الظروف البيئية المحيطة به ، وبعد ذلك اكتسب محمد عبده إبان تجربته الصوفية قناعة داخلية صلبة وتقديرا جيدا للبشر وللأحداث الجارية واعتاد على طاعة الله وحده لأنه السيد المطلق وكل ما عداه كان غير ذي بال وغير مهم ” (الكتاب ص 29 ) .

وفي الفصل الثاني “محمد عبده زعيما وطنيا ومصلحا ” أكد المؤلف ميل محمد عبده الشخصي نحو الإصلاح وإيقاظ الوعي الوطني في الأمة من خلال الإجابة على السؤال التالي في أي شكل ظهر فكر محمد عبده وما الطرق التي سلكها ؟ والإجابة أن محمد عبده بدأ معلما في الأزهر ودار العلوم والمدرسة الخديوية فاستطاع من خلال التدريس أن يبث أفكاره ولكنه أبعد عن التدريس وأجبر على الاستقالة بعد عام واحد ، فكان يركز في دروسه على التحرر من قيود التقليد وألمح إلى أن الفلسفة هي وسيلة التحرر من التقليد كذلك حارب طغيان اللغات الأجنبية وطالب بتركيز الاهتمام باللغة الأم .
وفي عام 1880 وبعد عام واحد من الجلوس في البيت دعي محمد عبده للعمل محررا أول بصحيفة الحكومة ثم رئيسا للتحرير , وقد كان في هذا العمل فرصة لبث آرائه بشكل مباشر إلى الشعب والحكومة معا ، فكان ينتقد الحكومة ويدعو الشعب إلى الإصلاح ، غير أن هذا العمل مثل سابقه لم يستمر فيه محمد عبده كثيرا فبعد عامين قامت الثورة العراقية واتهم فيها محمد عبده فنفي هذه المرة إلى خارج البلاد ، وفي سنة 1883 سافر الإمام إلى بلاد الشام ثم إلى باريس في آخر العام وهناك تقابل من جديد مع معلمه جمال الدين الأفغاني فأسسا معا مجلة العروة الوثقى ،الذي كان أهم أهدافها حق الحرية للشعوب الإسلامية جميعا والكفاح ضد الاستعمار والسيطرة الأجنبية ولكن بعد عشرة شهور منعت الجريدة من الصدور في كل من مصر والهند ، فافترق محمد عبده والأفغاني ، إذ توجه الأول إلى تونس والثاني إلى روسيا ، ولكن ربما عاد محمد عبده إلى بلاد الشام ليعمل هناك معلما وخطيبا حتى سنة 1888 .
وبعد حصول محمد عبده في هذا العام على تصريح بالعودة إلى مصر عين في وظيفة عن التدريس أو الصحافة ، إذ عين في وظيفة قاضِ ، وهي وظيفة لم تكن تناسب طموحات محمد عبده وطبيعته ، حيث يقول : إنني لم أخلق لأكون قاضيا أقول حكمت على فلان بكذا وعلى فلان بكذا وإنما خلقت لأكون معلما ” على أية حال جاءت الفرصة لمحمد عبده بعد عام واحد من عودته إلى مصر ، فعين عام 1889 مفتيا للبلاد وعضوا في هيئة كبار العلماء وعضوا في مجلس شورى القوانين ، فحاول من خلال وظائفه الثلاثة تحقيق أفكاره الوطنية إلا أن المنية عاجلته في 11 يوليو سنة 1905 .
ويخصص المؤلف الفصل الثالث للحديث عن فكر محمد عبده الوطني ومنهجه التطبيقي ، وخلاصة فكر محمد عبده من خلال كتاباته أن التربية هي الوسيلة الوحيدة للتحرر الوطني ، يقول المؤلف : آمن محمد عبده بأن واجبه الحقيقي هو تربية الشعب ، وكان هذا هو الطريق الطبيعي والحكيم من أجل تطور إنساني وتقدم اجتماعي وهو الطريق المناسب لتحرر شعب مقهور وبلد يحكمه الأجانب بالعنف .
لكن ما نوع التربية التي رأى محمد عبده أنها الوسيلة المناسبة لتحقيق التحرر الوطني ؟ لقد قصد محمد عبده التربية الإسلامية والتي تتحقق من خلال إشباع الأسس التي أتى بها الرسل ، إذن وعلى حد قول المؤلف يمكننا أن نفهم أن محمد عبده بقي على اقتناع ثابت بأن الإسلام يمثل قيمة تربوية كبيرة ، إلا أنه علينا بحث كيف يمكن للدين أن يصبح أسسا للتربية؟ وعلينا نوجه أنظارنا إلى كيفية للعقل البشرى والحضارة والدولة والحكومة والمجتمع (الكتاب،ص54.)
والفصل الرابع من الكتاب ” رؤيته لعلاقة الإسلام بالإنسان والمجتمع والدولة والحضارة ” يجيب على هذا السؤال ، وهذا الفصل في الواقع يعد أطول فصول الكتاب من ناحية وأكثرها ثراء بالأفكار من ناحية أخرى ،حيث ينقب المؤلف في عقل محمد عبده وفكره ليستخلص لنا رؤية الإسلام في فكر محمد عبده في القضايا الآتية :
1 ـ الدين والإنسان .
2 ـ الدين والحضارة .
3 ـ الدين والدولة .
يرى محمد عبده أن الإنسان قادر على معرفة الأشياء ووضع قوانين لها إلا أن معرفته لم تنجح في إدراك الوجود ، ومن هنا فالإنسان قاصر عن معرفة وتحديد الكائن الموجود الضروري والمتسامي وهو الله ويكمن في قدراته فقط التعرف على خلقه ، ومن هنا كانت ضرورة الدين ومن ثم ضرورة الرسل برسالتهم التي ترشد الناس إلى الخير وتعصمهم من الضلال .
وبالنسبة للقضية الثانية علاقة الدين بالحضارة فيرى محمد عبده أن حضارة أمة ما تعني في أوضح صورة ممكنة العلم والفن ، وهما الطابع العام للحضارة وخلاصة رأي محمد عبده في هذه القضية أن الدين والعلم يتفقان مع بعضهما البعض ويتعاملان مع بعضهما البعض في سلام ” ( الكتاب ، ص 73 .) .

وعن علاقة الدين بالدولة فقد طالب محمد عبده بمطلبين أساسين الأول التمسك بالوحدة الوطنية والعمل المشترك وأن يلبي كل فرد التزاماته تجاه الآخرين والثاني العدالة المطلقة وضمان حرية كل فرد من أفراد الشعب والقضاء على الاستبداد والفوضى ، وبعد ذلك يري محمد عبده ضرورة الدين للدولة ، فلا تعارض بين الدين والدولة ، يقول المؤلف ” إن نظرية محمد عبده تعتبر الدين وسيلة معاونة من أجل الحفاظ على الأمة الموجودة بالفعل “( الكتاب ص 88 ) .
وننتقل إلى الفصل الخامس ( الإصلاح الديني واللغوي ) حيث يعرض لنا المؤلف في هذا الفصل إلى أسس الإصلاح الديني واللغوي عند محمد عبده بوصفها وسيلة أساسية لتحقيق مشروع نهضة الأمة الإسلامية ، وتتلخص مبادئ الإصلاح الديني في النقاط التالية :
أ ـ العودة إلى الإسلام الحق .
ب ـ القضاء على مبدأ التقليد .
ج ـ إصلاح الأزهر .
د ـ إصلاح نظام المحاكم الشرعية .
هـ ـ إصلاح وظيفة الوعظ والإرشاد .
الغريب أننا ما زلنا حتى الآن نحاول تطبيق ما نادى به محمد عبده من إصلاح ،فعلى سبيل المثال ما زال الأزهر في حاجة إلى إصلاح وما زالت وظيفة الوعظ والإرشاد في حاجة إلى تطوير ، وهكذا تبقى القضايا التي آثارها محمد عبده منذ قرن من الزمان قضايا متجددة ، لأنها مرتبطة بمصالح الأمة ومستقبلها ، أما جهوده من أجل اللغة العربية وأحبائها فجزء من الإصلاح الديني ذلك لأن اللغة العربية من أهم الوسائل المعينة على فهم الإسلام الأول أى القرآن الكريم وكما قال : لابد أن يؤخذ القرآن الكريم من أقرب وجوهه على ما ترشد إليه أساليب اللغة العربية ليستجاب إلى دعوته كما استجاب رعاة الغنم وساقة الإبل ممن أنزل القرآن بلغتهم . لذلك نجده ينادي بتحقيق ونشر الكتب التراثية التي تعلم اللغة وقد بدأ بنفسه القيام بهذا العمل فنجده يحقق وينشر مقامات بديع الزمان الهمذاني .
إننا بعد 115عاما ما زلنا في حاجة إلى أفكار محمد عبده ، وواجبنا الآن محاولة تحقيق ما نادى به من إصلاحات من أجل نهضة أمتنا العربية والإسلامية .

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق