قراءات ودراسات

أجمل قصة حب في التاريخ تتكسر على صخور أمون

"أخناتون ونيفرتيتي الكنعانية" في رواية صبحي فحماوي.

د. عزوز إسماعيل سالم- القاهرة.

كانت رؤية الأمير أمنحتب الرابع/ أخناتون توضح له أن آتون الشمس هو الذي يفيد الجميع بوجود نورها العظيمة التي ترسل أشعتها على الجميع في مصر وفي بلاد كنعان والعالم كله، وهو الأمر الذي ارتضته محبوبته إلهام، وفي هذا الجو العائلي تتدخل الأم الملكة مثال، لتدلي بدلوها هي والأميرة إلهام، ولتعبر عن تلك الآلهة الكثيرة في بلاد كنعان ، وكيف أن تلك الآلهة أصبحت عقبة في سبيل التطور… فكل مجموعة تصنع لها إلها تعبده، وتتبرك به خيراً غير ملموس بأيديهم.. وحين ذكر لها فكرة الرب أتون وكيف أنَّ هناك شيئاً شاملاً يحوي الجميع من خلال الشمس تقول الملكة مثال والدة إلهام: “نحن أيضاً لدينا آلهة كثيرة، ابتداء من الإلهة الأم؛ (يم) التي كان عرشها على الماء، فخلقت اليابسة، وبثت الحياة عليها في ستة أيام، ثم جلست على العرش، وصولاً إلى قمة جبل الآلهة، ولدها (إل)، وزوجته عشيرة، وابنه القوي الآمر الناهي بعل، وبناته الكثيرات، وليس انتهاء بالرب موت.. ولا وقت لدي لشرح ذلك.. “ص106. ولكنها بدأت تفكر وتؤمن في شمسها وشمس أمنحتب، خاصة وأن ابنتها تسير مع الأمير المصري، قلباً وقالباً.
وتؤكد الجميلة إلهام أنها تبادله الشعور نفسه بأنها لا تعبد تلك الآلهة الكنعانية، وذلك لسبب بسيط، وهو أنها لا ترى منها شيئاً عملياً ينفع الجميع، وأن آثارها لا تتعدى مكانها الحجري، وليس لها وجود عند الجميع، فكان آتون الشمس هو الإله الذي ارتضته مع محبوبها أمنحتب الرابع، وهو الأمر الذي جعل أمها الملكة مثال تستغرب أن ابنتها ابتعدت عن الآلهة الكنعانيين وقبلت بالإله الذي اتفقت عليه مع أمنحتب الرابع، وحين فكرت جلياً علمت أنه المنطلق الذي يقبله العقل إذ تقول الأميرة الكنعانية إلهام: “”وأنا أبادلك شعوراً مقارباً لهذا الشعور، فأنا لا أعبد إيل، الذي لا أرى آثاره في حياتنا مباشرة، بل أريد أن أُقدِّس الإله أتون الشمس،الذي يعطي السعادة والفرح والصحة والمنعة، ولا يأخذ الأتاوات، ولا يجعلنا عبيداً له.. اتفقت معك على كونه أتون الشمس. الإله الأكثر منطقاً و قبولاً. تستغرب الأم مثال قول ابنتها هذا، بينما يشعر الأمير بالنعاس، فيستأذن بالذهاب إلى النوم.. ويذهب إلى منامته، فيقلق وقتاً طويلاً إلى أن يستغرق في النوم، وهو يفكر طيلة ليله بحبه لإلهام، بينما تنام الأميرة طيلة ليلها وهي تفكر بحبها لأمنحتب”ص106.
انتهى الأمر، وباتت الأميرة الكنعانية في حالة من النشوة والسعادة، بأنها أنهت حرباً كادت ستودي بحياة الآلاف من البشر، لم يكن ذلك فحسب، بل أصبحت سيدة قلب الأمير الفرعوني الشاب، بعد أن قبل والدها زواج ابنته من أمنحتب الرابع، واتفقا على هذا الأساس، ولكن الجيوش التي كانت مستنفرة على الأبواب، لم يرض قادتها بمثل هذه الأمور، وأهمهم القائد حور محب.. ولولا أنه على السمع والطاعة لتغيرت الأحوال، لكنه يتحدث إلى نفسه بأن الأمر لم يكن للنزهة، ولا أن نأتي للزواج والعشق والغرام.. يقول لنفسه إن هؤلاء النساء من المفترض أن يكن في سبايا جيشنا الجرار، ولولا تدخل القائد الأعلى للقوات المسلحة الفرعونية لما رضي بهذا القرر
“يقف الأمير أمنحتب مع حور محب، ويبلغه خبر خطوبته للأميرة إلهام ابنة الملك رفائيل، قائلاً له إنه يُسِرُّ له أولاً، ما سيعلن لغيره لاحقاً، بصفته أقرب شخص مصري له في هذه البلاد، ومن الواجب إبلاغ القائد العام للقوات المسلحة بقضيته الأسرية، كما كان قد أبلغه أولاً بانتهاء المعركة، رغم حشده للمعركة الأعظم في تاريخ مصر.. وأمره بالعودة من حيث أتى.. وأنه يُقدِّر انضباطه، وإطاعته للأوامر العسكرية.. ويعده بالخير العميم عند خطوبته.”ص101.
في احتفالية كبرى تم الزواج ، الزواج الملكي الأسطوري الفرعون أمنحتب الرابع الذي سمي فيما بعد بأخناتون، والأميرة الكنعانية ابنة الحسب والنسب “إلهام” وتمت مباركة الجميع وأطلق عليها اسم “نيفرتيتي” وتعني “الجميلة أتت” وقد كتب فيها أشعاراً، وحيكت حولها قصص، وتبعتها آثار، وأُشعلت المصابيح، وأصبح اسم نيفرتيتي اسماً على مسمى، هو عنوان للجمال، واسم وعنوان للحب والعشق.. اسم خلّد نفسه من هذا الموقع الفرعوني، الذي ارتبط ببلاد كنعان.
“وفي احتفال بهيج لم يسبق له مثيل، أعلن الملك أمام جمهوره المحتشد في الساحة الكبرى أمام القصر، معرباً عن فرحه وسروره بتتويجها، لتكون ملكة مثله على مصر، وليست أميرة كباقي نساء الفراعنة… وأعلن أنه أهدى الملكة اسم نيفرتيتي.. بما يعني “الجميلة أتت”.. وبالمقابل أعلن أن اسمه الملكي من الآن فصاعداً هو أخناتون.. أي روح آتون، وليس أمنحتب الرابع كما شاءوا له”ص112.
تزوج أمنحتب من إلهام ابنة أمير مجدو الملك رافائيل، ولكن أهل الدين في بلاده يقفون له بالمرصاد، خاصة رجال الكاهن ماربيتاج وجماعته، لأنه من المفترض أن يعطي هذا الأخير عصا الحكم للحاكم، بعد أن يبارك الزواج، ويُعمِّده حاكما للبلاد، فيحدث الصدام بين إرادة أخناتون في توجهه إلى آتون الشمس وبين الكهنة ورجال الدين المتوجهين إلى عبادة آمون. وهذا الأمر يلفتنا إلى شيء مهم جداً في أيامنا هذه، حيث نلاحظ أن الحكام يلجؤون إلى مثل هذه الحيل، فيخضعون المشايخ لرغباتهم، خوفاً من أن ينقلبوا عليهم، فأصبح هناك نوعان من الشيوخ شيوخ حقيقيين وهم قِلة، وشيوخ السلطان الذين يحرمون ما حرم السلطان ويحللون ما حلل السلطان، وهم كثرة..ونتذكر فيلم الزوجة الثانية “الدفاتر دفاترنا، والورق ورقنا”. نعم الورق ورقهم والدفاتر دفاترهم، وما يريدون فعله يقومون بفعله، طالما أن الدين معهم ومع بعض الوجهاء الداعمين لرجال الدين ، فرجال الدين عند الحاكم من الأهمية بمكان لأنهم هم من يهيئ له الأمور لصالحه أياً كانت الطريقة، فمن الممكن أن يحولوا المنكر إلى حلال والحلال إلى منكر.. وبالأدلة من أحاديث من الممكن أن يضعونها هم، أو أن يأتوا بأحاديث مفبركة سابقة، ويحاولوا ليها لأنفسهم، نعم هم موجودون في كل زمان ومكان..
ولكن هنا، ونظراً لأن الحاكم أراد أن يغير شيئاً ثابتاً في عقيدة الكهنة، ورجال الدين، التي يأكلون من ورائها العيش واللحم المشوي على السفود، فيرفضون الأمر ويتذمرون منه “وباسم الإله أمون يعلن الكهنة بصوت عالٍ الدفاع عن عقيدتهم، رافضين ما يقدمه لهم أخناتون من عقيدة إله جديد .
لم يلتفت الملك إلى الكهنة، الذين استغربوا هذا التصرف، وبجرأة غير مسبوقة، اضطروا ليُفهموه أنه بسلوكه هذا لن يكون مباركاً، ولن يستلم من الكاهن ماربيتاج عصا الحكم المباركة. وبهذا الاختراق، وقفوا في وجهه، هم وتابعوهم من الأمونيين، ومنعوه من دخول المعبد”ص116.


من يدعو إلى الفضيلة لا بد وأن يحارب، فقد وقف الكهنة وأصحاب المصالح المشتركة في وجه هذا الإنسان البريء وهو أمر موجود في كل زمان ومكان، فقد وجد الجميع أن هذا الشاب المحب للحياة والخير غير متعطش للدماء، لا بد من وقفه عند حده، لأنه يدعو إلى دين جديد، دين فيه المساواة للجميع، دين ليس هناك مكان فيه لهؤلاء الكهنة والآكلين على الموائد جميعها، أقرب الناس إليه قد تخلى عنه أهمهم حور محب كبير ضباط الجيش ولجأ الجميع إلى أخيه ليجعلوا منه حاكماً من أجل مصالح آمون. انتهز الجميع ضعفه وعيشته، وحاول الجميع أن يهدم ما حاول أخناتون أن يبنيه.
ولكن تظل قصة حب نيفرتيتي وأخناتون العظيمة للتاريخ، قصة فيها الخير والسعادة للجميع، وقد لا يرضي هذا الجميع، فهناك أطماع وأفكار عند الكهنة والمتربصين بالبلاد، وهم موجودون أيضاً في كل زمان ومكان.
“ما من شك أن أخناتون قد استخف بقوة الكهنة، وغالى في قدرة رعاع الشعب على فهم الدين الحقيقي، فقام الكهنة من وراء ستار يتآمرون ويتأهبون ضده..بعد أن ظلوا في دورهم وعزلتهم يعبدون آلهتهم القديمة المتعددة، وشحنوا الإنسان الذي لا يرتاح لخلع الأديان. ويرفض تغيير ما يختمر في مخيلته من عظمة الخالق، فخلع الأديان يشبه خلع جلدة الرأس.” ص157.
في الختام نقول:
إن الأديب صبحي فحماوي قد خاطر وجازف في رحلة مثيرة هي رحلة الفن الروائي العظيم، التي تعتبر إضافة حقيقية للأدب العربي، ومن قبله كانت أجاثا كريستي قد كتبت مسرحية عن “أخناتون” بعيداً عن جوها السردي البوليسي، فقد عاشت مع أخناتون وعبرت عن رحلة حياته بطريقة أو بأخرى.. وهنا نرى الكاتب في هذا العمل يحاول قراءة الماضي بعيون الحاضر، قراءة من جديد، تعيد ترتيب التاريخ، بعد أن تم تلويثه من الغرب، الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية، وغيروا ما أرادوا تغييره، وتركوا لنا ما أرادوا أن نعرفه فقط.
نعم نقرأ التاريخ بعيون جريئة فاحصة، لنصنع التاريخ من جديد، وهو ما حاول فيه فحماوي بهذه الرواية “أخناتون ونيفرتيتي الكنعانية” أن يفتش عن التاريخ أو الحضارة الكنعانية، والتي كان لها ارتباط وثيق بجيرانها من الحضارات نحو الحضارة الفرعونية القديمة.. فقد كان هناك تشابك وترابط وتوابع لتلك الحضارات، حاول الأديب أن ينظر إلى ذلك التاريخ لإعادة إحيائه من جديد، – بعيداً عن التزييف- لأنَّ التاريخ على طوله وعرضه فيه الكثير من التزييف ، وكما نعلم أنَّ المنتصر هو من يكتب التاريخ، وهنا كان المنتصر في حقبة أخناتون هم رجال الدين والكهنة المرتزقة الذين لا يريدون التغيير، وأن يظلوا على ما كان عليه آباؤهم من قبل من عبادة آمون، الإله الذي كانوا يصنعونه أمام أعينهم من حجر ويعبدونه، وينتفع من ورائه الكثيرون منهم، وحين جاء من أراد أن يغير، ولأن الدين مشكلة كبرى في حياة الشعوب ومن الصعب التغيير، ثار عليه الصغير والكبير، لأنَّ رجال الدين كانوا قد توغلوا في قلوب الناس، واستفحش أمرهم، وصار الجميع لهم خانعين، غير عابئين بإله بعينه إلا ما كان عليه آباؤهم الأولون.
نعم استطاع الأديب صبحي فحماي تقديم قراءة فنية جديدة للتاريخ، بطريقة أدبية راقية، من الممكن أن نعيد من خلالها قراءة العديد من نقاط الضعف في التاريخ الماضي، مع تلك الفجوات التي لم تملأ من قبل، والتي تُركت عن قصد، لأن التاريخ يمثل حياة الشعوب، ولا غنى للأجيال الحاضرة عن قراءة تاريخهم الماضي البعيد والقريب بطريقة حقيقية، لأنه من ليس له ماضٍ، ليس له حاضرٌ، ولا حتى مستقبل.

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق