ثقافة المقال

جابو المُسافِر بِلونِ حكاية!

كتابة: رجاء بكريّة

. ولعلّنا حين نستذكره اليوم نستدعي قواميسَ الغرابة، وأسرار السِّحرِ من أوّله. لم أجد في دُواةِ سواه ما لحبره من حرفيّةٍ في تسجيل الوجوه’ ورسمِها. ترتيب الحياةِ وأحداثِهَا، فالحياة ظلّت فوضى لا تكفّ عن تجاوز المفترض رحل جابو، كما أسماهُ مواطنو السّاحلِ الكاريبي، في السّابع عشر من أبريل، جابو الّذي خاض غمار مجابهات بلا آخر ليُباري غُشَّ الحَياةِ بصنَاعَةِ عُشِّ الأدب! أليس الفنّ هو أن تضع ظلال الحياةِ على الخشبةِ أو الورق على حدّ قول بنتلي؟ جابو الّذي ظلّ يُجمِّلُ إيقاع الوَجَعِ برائحةِ الحبر الّذي استعارهُ من سترات الجنرالات ودبابيس أحزمتهم.


رحلَ جابو، وفي ذات اليوم الّذي وقّعت فيه الطّبعة الجديدة من روايتي “امرأة الرّسالة”. لم أحدّد تماما ما للمصادفة من تداعيات. حزنتُ جدا في ذلك اليوم، ولكنّي لم أبتئس، إنّما وجدتُ في الغياب بريقا يلقي بظلالهِ الملوّنة على مسائي ذاك!

وقد أكون أصغر قرّاء جابو المغمورين في زمن برتقالات الجليل البعيدة. يوم تعرّفتُ إليهِ لأوّلِ مرّة، وأخفيتُ عن أمّي غلاف كتابه، فلجأتُ للحيلة. دسستُهُ تحت قميصي، وتسحبتُ متذرِّعة بألم في الصّدر، هكذا ضممته دون أن يعاديني أحد. ذلك الكتاب، “الجنرال في متاهته”، أو “ليس للجنرال من يكاتبه” شكَّلَ أغرب ما قرأت، وأوّل حكاية عشق متخيّلة وقعتُ فيها. لقد قبض عليّ في خضمّ محاولاتي الشّعريّة الأولى، وجعلني أجزم حينذاك أنّ التّراشق بالقوافي لا يناسب شهقات دهشتي الّتي ركضت بين سطوره، ونبشت على لهفةٍ في كومة الورق الّتي له!

لا أذكر كم أثَّرَتْ، أثارَت وأَثْرَتني الأسماء اللامعة، ولا أنكر الوجوه الأدبية العريقة الّتي أفذتُ منها، ولكنّي لا أنسى أبدا لمعان الخرز الأبيض الّذي تقافز في عينيّ وأنا ألاحق أفكاره وهواجسه، رجل الخريفِ والعزلة. نادرة هي اللحظات الّتي نعثر فيها على حفنة الدّفء الغائبة، وكمشةِ رهف تأتي مصادفة، لتملأ مخازن الجمرِ ثلجا لا يتوقّف عن التّساقط في جنباتِ القلبِ والبدن.

جابرييل غارسيا ماركيز، يرنّ الاسم رنين الصّاجات بين أصابع بائع السّوسِ في سوق القدس القديمة، فيثيرُ عطراً عتّقه الزّمن بتوابل الغيب. من بعدِهِ جاءوا  كُثر، مسحتُ كلامهم بسرعة أو على مهل، لكنّهُ ظلّ العلامةُ فارقةً في مشوار قراءاتي. ولعلّنا حين نستذكره اليوم نستدعي قواميسَ الغرابة، وأسرار السِّحرِ من أوّله. لم أجد في دُواةِ سواه ما لحبره من حرفيّةٍ في تسجيل الوجوه’ ورسمِها. ترتيب الحياةِ وأحداثِهَا، فالحياة ظلّت فوضى لا تكفّ عن تجاوز المفترض. انخلبتُ بلا آخر باختلال سحرِ الفصول في “خريف البطريرك”، ففيهِ مزّقَ التميّز قمصانَ العادي،  كيف؟ لا أذكر تماما ولكنّها لحظة تشبهُ سقوط المفردة بينَ عينيك واستحالتها إلى شيء لا علاقة له بك، من قبيلِ  عنُقٍ أو كتِفٍ، أو شفةٍ أو عينين. كلّها معا أو بعضها متفرّقة.

في “خريف البطريرك” شبَت أشرس ملاحِمَ الزّمن مع الشُّخوصِ والأمكنة، وفهمت، وأنا أتيه بين أزرارِ سترته المذهّبة، وعصاه المنقّشة أنّ الديكة والدّجاجات مثصدرا لصناعة التّاريخ، ولذا ُيجوز أن تصيرَ أبطالا لروايات، وأنّ نياشين السترات وريشَ القبّعات يجوز أن تكون مخبأ لحكايات، فتاريخنا الفلسطينيّ تختزله ألوانُ الحكاية.لقد أسطر الرّجلُ السّاحل الكاريبي ضمن ما أنجزه ليجعلهُ عاصمة للثّقافة. قلّة من يفعلون، قلّة من تجعلهم شعوبهم لغة لنبض ساعاتِهِم.

ولعلّني حين أستدعي السّطور الأولى الّتي سجّلها الباحث والمترجم العراقي كاظم جهاد أستدعي معها الحضور اللافت لشعب الكاريبي في ذرّ سحر الحضور في أمير حكاياهم. فغابو ظلَّ بعض الحدث اليومي للكاريبي وأناسه، وقد فهموا جيّدا أنّه موهبة غير العادة، وأنّهم من سيتبارى لإكمالها!

*كاتبة فلسطينية من حيفا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق