ثقافة السرد

حزن رجل

نعيمة بوعلي قدور

رأيت في نظرة عينيه شيء يلمع من الحزن أو بعضا من الحزن الذي يحقنه في قلبه ملامسا لنوع من الكبت الكبير، يمشي بخطى ثابتة في أرجاء ذلك المكان الذي التقطه بصري، يتميز بشيء خاص جدا شيء ربما يحسده كل من يراه عليه وهو الصمت الطويل وشدة الإصغاء لسماع ما تلتقطه الآذان من هنا وهناك في مجلس متاجج بالكلام وضجيج الحركات ممن كانوا معه في نفس المكان. هو رجل هاديء جدا متألق بابتسامته الدائمة اللطيفة حيث كلما ألتفت إليه وجدته يحدق ككل مرة بعينين ذائبتين في غربة حزن أحدثت في نفسي لوعة كبيرة من الأسى حيث كنت لا أدري لما احتلني هذا الشعور؟ أسأل نفسي ما سر هذا الرجل الفريد من نوعه؟ لماذا أحس أنه يحمل كل مآسي الدنيا في صدره و بل اصطدمت بشيء آخر عندما علمت و بالصدفة أن زوجته قد فارقت الحياة منذ ما يقارب السنتين فوجدت ما يرد و لو بالإشارة على شدة هذا الحزن الذي يتسلل من وجهه البشوش و قد تفهمت ما يعانيه خاصة و أنه هو لا يزال يعيش بل و يحيا على ذكرياته معها… حيث لم يفكر أبدا في أن يختار شريكة أخرى لحياته و بالرغم من أنه رجل ذا مال و جاه فهو يملك منصبا يؤهله لأن يتزوج أجمل النساء بأرقى المستويات نظرا لما يتمتع به من ثقافة شاسعة و سمعة جد طيبة .

تعود لتشدني تلك المشاعر الغريبة، يدهشني مدى تفهمه للآخرين كيفما كانوا و أينما وجدوا، تجد أدبه و حسن خلقه الدائم لا يفارقانه أبدا فاستغربت كل هذا بنفس الأسئلة يا خالق الكون هل يوجد من يحلّى بهذه الصفات الرائعة في زماننا هذا؟ و هل يوجد الكثير مثله؟و هل توقفت عقارب الساعة لحظة رؤيتي لهذا الحزن المنبثق بشكل رهيب لا أقدر حتى على وصفه كما هو في وجدان قلبي؟ و ما يزيد حيرتي هل يحس الآخرون بما يتخللني حيال هذا الرجل المتميز بأناقة رجولته الحديدية؟

ذُهلت بهذه الأناقة التي لم أر مثلها من قبل أو بالأحرى التي لم أصادفها في حياتي التي عشتها…كم تمنيت أن أواسي كل هذا الذي يعانيه أو أن أقدّم له شيئا يزيل بعض ما قد عاشه حرقة و غربة و لكن لم أستطع و لن أستطيع اقتحام كوخه الصامت، فأنا لم أجرؤ على هذا لأننّي لا أدري ما هي ردّة فعله إن أقدمت على فتح طريق الحديث معه و فضلت أنا كذلك الصمت و التأمل فقط بداخلي و مدى اكثراتي و اهتمامي لحزن هذا الرجل لأقتل تساؤلاتي ببرودة أعصاب فائقة جعلت عاطفتي الملتهبة تقول : لا تتعلقي بهذه المشاعر المشفقة تجاه رجل غريب عنك و دعي للأيام القادمة هي التي تضمد جراحه.

*قاصة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق