قراءات ودراسات

تفسير المنار للإمام محمد عبده والسيد رشيد رضا

د.محمد عبدالحليم غنيم

يعد هذا التفسير الثمرة الأولى لبذرة التجديد التي زرعها جمال الدين الأفغاني في القرن التاسع عشر ، فكان تفسير المنار للإمام محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا
( يعتمد هذا التفسير على تفسير القرآن بالقرآن والسنة الصحيحة وبالرجوع إلى لغة العرب وبالاجتهاد ، وبالنظر إلى النص القرآني على أنه وحدة متكاملة ، ولا يمزق الآيات ولا يفصل بعضها عن بعض ليفسر كل منها على حدة ، بل يتناول المجموعة من الآيات ليعرضها دفعة واحدة ، بغرضها الأساسي وهدفها العام و وهو لا يعني كثيرا بالبحوث النحوية والبلاغية واللغوية ، بل يشغله المعنى في كثير من الأحيان ، وهو أيضا لا يعني كثيرا بالدخول في تفاصيل الفروع والجزئيات ، بل يهدف إلى الكليات والمعاني ، وهو يتلمس الأسباب لوصل القرآن بعلوم الاجتماع والطبيعة وسياسة الأمم ويستشهد بآراء الفلاسفة المتأخرين ورجال الاجتماع والسياسة وغيرهم ويحاول في كل مناسبة أن يوفق بين القرآن والعلم ,وقد كتب السيد محمد رشيد رضا العبارة التالية على غلاف تفسير المنار : ” هذا هو التفسير الوحيد الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول, الذي يبين حكم التشريع وسنن الله في الاجتماع البشري وكون القراءة هداية عامة للبسر في كل زمان ومكان وحجة الله وآياته المعجزة للإنسان والجان ويوازي بين هدايته وما عليه المسلمون في هذا العصر , وقد أعرض أكثرهم عنها وما كان عليه سلفهم , إذ كانوا معتصمين بحبلها , بما يثبت أنها السبيل لسعادة الدارين مراعي فيه السهولة في التعبير مجتنبا مزج الكلام باصطلاحات العلوم والفنون , بحيث يفهمه العامة ولا يستغني عنه الخاصة , وهذه هي الطريقة التي جرى عليها في دروسه في الأزهر حكيم الإسلام الأستاذ الشيخ محمد عبده , أحسن الله مآبه وأجزل ثوابه ” .
ويرى الشيخ محمد عبده أن عناية المفسرين بالنحو أو البلاغة أو الفلسفة يخرج بالكثير عن المقصود من الكتاب الإلهي , ويذهب بهم في مذاهب تنسيهم معناه الحقيقي , والتفسير الذي يطلبه الشيخ هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا , وحياتهم الآخرة ، فإن هذا هو المقصد الأعلى منه , وما وراء هذه المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله .
وقد وضح السيد محمد رشيد رضا منهج وطريقة تفسير المنار فقال : ” أيها المسلمون , إن الله تعالى أنزل عليكم كتابه هدى ونورا ليعلمكم الكتاب والحكمة ، ويزكيكم , ويعدكم لما يعدكم به من سعادة الدنيا والآخرة , ولم ينزله قانونا دنيويا جامدا كقوانين الأحكام ، ولا كتابا طبيا لمداواة الأجسام و ولا تاريخا بشريا لبيان الأحداث والوقائع , ولا سفرا فنيا لوجوه الكسب والمنافع فإن ذلك مما جعله الله تعالى باستطاعتكم , لا يتوقف على وحي من ربكم .”
وإذا كان المألوف في التفسير هو أن يتناول المفسر آيات القرآن آية آية كما جاءت في ترتيب المصحف ويفسرها على التوالي , فإننا نجد ” تفسير المنار ” لا يقيد بهذه الطريقة , بل هو يذكر طائفة من الآيات ذات غرض عام , ثم يفسرها , فإذا انتهى من ذلك انتقل إلى تفسير طائفة أخرى بعدها , وهكذا دواليك .

وتفسير المنار على قيمته العلمية غير كامل , فقد بدأه الإمام محمد عبده وانتهى فيه إلى الآية 128 من سورة النساء , ثم استكمل السيد محمد رشيد رضا من الآية 129 من سورة النساء إلى الآية 53 من سورة يوسف , وقد كان هذا التفسير موضع دراسة ومراجعة لعدد كبير من العلماء ، فضلا عن انتشاره بين عامة المسلمين عبر جريدة المنار حيث نشر . ثم طبع بعد ذلك عدة طبعات .
وقد لخص الدكتور عبد الله شحاتة في رسالته للماجستير تفسير المنار ومنهجه في الأسس الآتية :
1 ـ اعتبار السورة وحدة متناسقة
2 ـ عموم القرآن وشموله .
3 ـ القرآن هو المصدر الأول للتشريع .
4 ـ محاربة التقليد .
5 ـ إعمال النظر والفكر و استخدام المنهج العلمي .
6 ـ تحكيم العقل والاعتماد عليه في فهم القرآن .
7 ـ ترك الإطناب في الكلام عما ورد في القرآن بصورة مبهمة .
8 ـ التحفظ في الأخذ بما سمي بالتفسير بالمأثور والتحذير من الإسرائيليات ز
9 ـ اهتمامه بتنظيم الحياة الاجتماعية على أساس من هدى القرآن .
وإلى جانب هذه الأسس يمكن إضافة أساسين آخرين أراهما مهمين في تفسير المنار ، الأول عدم وجود تعارض بين القرآن والحقائق العلمية و والثاني استعمال الذوق الأدبي النزيه في فهم الآيات القرآنية . وسيكون من الإطالة والصعوبة معا ذكر نماذج من هذا التفسير للدلالة على هذا المنهج ، إذ لا يكفي نموذج واحد لتوضيح هذا المنهج ، ونأمل أن يطبع هذا التفسير طبعة شعبية ليكون بين أيدي الناس .

دكتور / محمد عبد الحليم غنيم

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق