قراءات ودراسات

حتى تكتمل الصورة رواية “الرجل الخراب” (٢)

كتب/ بدر الدين العتاق

الكاتب الروائي الروسي الكبير / دستوفيسكي ؛ كتب روايته ” الأبله ” ؛ محاولا تغيير نمط الفهم السائد في الذهنية والنفسية الروسية من شخصية اللا أخلاق وصورة الفوضى والفساد فجعل من شخصية الأمير كل الفضائل والتسامح والتصالح والأخلاق باعتباره القدوة الحسنة ؛ أو بمعنى آخر : أن يضع نفسه هو موضع هذه الفضيلة من تلك الرزيلة لأنه كان يتعاطى الكحول ويقامر في الروليت كثيراً من الأحيان ؛ فهل ترى غفر له المجتمع حين أخذ على نفسه التعنيف والقسوة فكتب روايته ” الأبله ” ام غير هو من حركة المجتمع البدائي آنذاك ؛ علما بأن الرواية كتبت بين سني : ( ١٨٦٧ م – ١٨٦٩ م ) ؟ .

لم يصنف كتاب ” من نافذة القطار ” للأديب الكبير الأستاذ الدكتور المرحوم/ عبد الله الطيب ؛ رغماً عن قابلية الكتاب لتصنيفه رواية مكتملة الأركان من ناحية الموضوع أو إن شئت الوحدة الموضوعية ؛ والأسلوب الروائي والحقائق التاريخية ونفس الخيال ؛ وسأل عن ذلك – رحمه الله – فقال : ( أسألوهم هم ) ؛ وليس تحيزا لأستاذنا / الطيب ؛ – وإن كنت لا أخفي سرا ولائي القاطع بكلياته الشخصية والكتابية – فالكتاب عبارة عن حبكة روائية منقطعة النظير لجملة ما جاء أعلاه ؛ ولربما رأى بعض الناس إبعاده من تصنيفه أو تصنيف الكتاب من الأعمال الفنية لكتابة القصة أو الرواية حتى لا يحصد كل الجوائز الفكرية الإنسانية ؛ ويحضرني هنا تعليق الدكتور المرحوم العميد/ طه حسين ؛ لمبايعته الأستاذ الكبير / عباس العقاد ؛ في كتاباته الشعرية فقال : ( هو عيال على الشعر بلا شك ونشهد له بملكته فيه ) أو كما قال ؛ فعلق بعض المتربصين : ( أراد بذلك لكي لا ينافسه في النثر ) ؛ فأنت ترى كيف تتجاذب الناس الأفكار .

أمر آخر : الترجمات المتاحة في مختلف ألوان كتابة الرواية والقصة التي تعكس الجانب الآخر من حياة الإنسان الغير عربي وتأثر القارئ العربي بالمنتوج الفكري والإبداعي للأدباء الغربيين كترجمات الأستاذ الكبير / أنيس منصور ( ١٩٢٤ م – ٢٠١١ م ) حينما نقل المجتمع المصري والعربي على السواء معرفا بحياة الغربيين بكل صنوف الفكر والشعور كترجمته للأديب السويسري فريدريك دورنيمات مسرحية ( زيارة السيدة العجوز ) وأكثر من تسعة مسرحيات بلغات مختلفة مثل : [ رومولوس العظيم ؛ وزواج السيد ميسيسبي وهي وعشيقها وأمير الأرض البور – لماكس فريش / سويسرا – ومشعلوا النيران ومن أجل سواد عينيها وفوق الكهف وتعب كلها الحياة ] ؛ واثني عشر كتابا لأوروبيين ؛ وللكاتب الإيطالي / ألبرتو مورافيا ( ١٩٠٧ م – ١٩٩٠ م ) والكاتب البريطاني / سومرست موم ( ١٨٧٤ م – ١٩٦٥ م ) ؛ وغيرهم كثير حتى بلغت مؤلفاته ما نيف على المائة خمس وخمسين كتابا شكلت لوحة فكرية لا تبارى ولا تجارى ولا تضارع ؛ أغنى بها دولة الأدب العربي الحديث والفكر والفلسفة العالميتين بلا ريب – راجع مقولاته : ( وأدخل في برنامج متابعة نفسية شديدة القسوة لعام كامل ) و ( إندماجه المجتمعي ) فهذا يدخل حاق التأعصر والتأقلم للدنيا الجديدة النمسا تحديداً – .

رواية ” الرجل الخراب ” للأستاذ / عبد العزيز بركة ساكن ؛ المقيم بالنمسا والمتخرج في كلية التجارة جامعة أسيوط والمولود في مدينة كسلا السودانية والمهموم بقضايا الإنسان أينما كان وإنسان السودان بالذات ؛ هو جملة ما جاء في الحديث أعلاه ؛ فلك أن تضعه حيثما شئت فهو يتماشى مع كل ما ذكرت ولا يحيد عنه إلا بمقدار .

أكرر وأقرر : مزج الكاتب ما بين الواقعية والأخيلة في أسلوب الكتابة ؛ وهي أقرب للواقعية منها إلى الخيال ؛ فأعمل خياله في تركيب الصور لجملة الأحداث بنمط واحد – وحدة الموضوع / مهم جداً – والواقعة في عشرة فصول بحيث يمكن للقارئ العادي أن يربط أي جزء بأي جزء من جملة الفصول العشرة بكل سهولة ؛ وأعمل مجريات حركة المجتمع السوداني فيما يتعلق بالقضايا المهمة والجادة والمتعلقة بحياة الناس مطلباً مشروعاً وحقا أصيلاً في تناول المتغيرات الحياتية بطريق كتابة رواية ؛ ونتج بطبيعة الحال لونا طليعيا ونهجا حداثويا في كتابة الرواية والقصة ومثلا فريداً لمن أراد الإحتذاء ؛ لكن بصمته الخاصة لا يمكن تجاوزها كما لا يمكن تقليدها بوضع الحافر على الحافر ؛ ومن ذات السياق أدخل الكتبة الجدد مدرسة إنتقائية جدد بها الطريق القديم ومهد بها لدورة إنسانية كتابية مستحدثة قابل الأيام بلا شك.

يتناول الكاتب الروائي / ساكن ؛ أسلوب الجمل الإعتراضية كثيراً في الرواية؛ مثلاً : ( لم نضمن مرات ذهابه إلى الطبيب البيطري ؛ فلقد كانت كثيرة جداً ؛ وفقاً لمهنته مخريا للكلاب مع الأم شولز ) وبالمناسبة هذه الجملة الإعتراضية لا تخلو من حس الفكاهة ؛ ومثالا ثاني : ( إذا كانت هنالك حقيقة في الأصل ) ؛ فمثل هذه الجمل الإعتراضية أساسها مركوز في العقل الباطني ويجيء بها الكاتب بغرض الإستدراك لتسلسل الأحداث بما لا يخل من جوهر الموضوع ؛ ويراها آخرون بأنها حبكة روائية منقطعة النظير ؛ فعلى كل ؛ أنا لا أراها كما يرونها بل هي إستدراك ذهني لشحذ الأفكار ومدها بمزيد من الصور الأخيلية ؛ أو قل : هما معا ؛ كما جاءت نمطية تفكير المؤلف في جملة كتاباته النثرية .

الانتقال من حدث لآخر ؛ يحدث فجأة مما يربك صفوية المتابعة السلسة للنص – ميمي والرجل المقتول ص ٢٠ و ٢١ – وهذا أقرب ما يكون بتحصيل حاصل بالنسبة للمؤلف لمن يتابع أفكاره هو بمعرفة شخصية أو بشخوص الرواية ؛ ومن المحتمل مرد ذلك للطابع والناشر ؛ فهو متسرع في إخراج الكتاب كما اعلم من جملة دور النشر هنا والله أعلم أي ذلك كان .

الوصف الإنشائي للزمكان عند التأليف والكتابة الإبداعية هو فاكهة الكتاب والكاتب / ساكن ؛ وهو ما افتقرت إليه الكاتبة / مناهل فتحي حسن ؛ عن روايتها ( آماليا ) ؛ وهنا قولنا بالأخيلة أو خصوبة الخيال عند المؤلف فمحمود ما جاء به عندي .

أنا لم أقل كل ما أريد تعليقاً على الكتاب والكاتب ؛ فأنا أخشى التطويل الممل للقارئ ؛ وفي نفس الوقت أخاف تشعب المواضيع فأخرج من وحدة الموضوع التي ننادي بها ؛ وعلى كل دعني أختم كلمتي هذه بالوقوف على الفرق بين البداية القوية التي بدأ بها الكتاب ولا أقول الفصل الأول لأنه يقل تدريجياً حتى نهاية الفصل العاشر أو قل : يتماسك النص من الفصل الثاني وحتى العاشر بنفس أقل مما بدأ به فصول الرواية ليخرج من الحراك الذهني للمعلومات إلى ما يستوعبه الناس أو القارئ العادي ؛ ويمكن القول بأنه قدم مادة ثقافية وفنية في المقام الأول ثم نصا أدبيا جيداً لا تثريب عليه البتة .
خذ مثلاً تناوله في باب الواقع أو الحقائق العلمية الكتاب – ترجمات أنيس منصور كما جاء سابقاً – : توماس ينبرهارت ؛ روائي نمساوي ؛ كافكا – غونترغراس – امبيرتو إيكو – أوارهان – فان جوخ – دي إتش لورانس – كارل فالنتين – مصطفى محمود- كمال الجزولي – مهدي بشرى ؛ وغيرهم كثير والقائمة تطول .

ما بين ( من نافذة القطار ) و ( الرجل الخراب ) ؛ قضايا وهموم تستحيل الحياة فنا راقياً بكل تلك الهموم والتجاعيد وبكل تلك القسوة الحياتية المستمررة والقفزات النوعية الهائلة ومن كل التآليف والترجمات ؛ تظل قضايانا السودانوية بحاجا ملحة للضمير الحي والرقيب الأمين والقوي الذكي لننتقل من حياة اللجوء والمعسكرات إلى حياة الإنسان الكريم الحر أينما كان وأينما وجد .

أما بعد ؛؛؛

الأخ الكريم الأستاذ/ عبد العزيز بركة ساكن ؛ لك مودتي وتقديري فالمكتبة العالمية تحتاج إلى نقل ترجماتنا الذاتية ( ليدفعوا لنا ثمن الحروب والتشرد وسرقات النفط وتجارة البشر ) كما قلت أنت وأنا وأصحاب القضايا المصيرية أيضاً ؛ فهذا أو الطوفان .

بدر الدين العتاق
القاهرة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق