قراءات ودراسات

مجموعة (سماء بعيدة المنال)

مجموعة (سماء بعيدة المنال)

للقاص البحريني: جمال الخيّاط

بقلم: زينب.ع.م.البحراني

ليست مُجرّد مجموعة قصصيّة، وإنّما حزمة من الأحلام اللذيذة، يكمن سحرها في القبض على اهتمام القارئ ببدايات واقعيّة تتقن فنّ استدراج روحه إلى عالمٍ شديد العمق، موغل في الخيال، وربّما بالغًا حدود ما يُشبه المُستحيل، لتغوص بين عُقدة القصّة وحبكتها، ثمّ يصل بها القاصّ إلى شاطئ الدّهشة المقرونة بحلولٍ تفاجئ التّوقّعات مع السّطور الأخيرة للنّص!. في هذه المجموعة يقف القارئ بذائقته القصصيّة أمام ذات الرّوح القصصيّة الجذّابة في المجموعات القصصيّة السّابقة للقاص (جمال الخيّاط)، لكنّ التطوّر المُتصاعد في تقنيات كتابة النّص القصصي من مجموعة قصصيّة إلى أخرى وصولاً إلى (سماء بعيدة المنال) يعلن أنّنا أمام قلمٍ لا يقف في مكانه، ولا يكفّ عن شحذ أسلحة معركته في ميدان القصّة لئلا يعتريها الصّدأ فتفقد لياقتها على نحت نصوصٍ تتمتّع بروحٍ مُعاصرة في كلّ مجموعة.

في هذه المجموعة نُبصر الأحلام المُجهضة لرغبات أرملة يتوق ظمأ روحها لرشفة إعجاب من خلال قصّة (المرآة)، ثمّ نلتقي بسائق سيّارة أجرة بسيط يجتاز رُعبًا قادمًا من عالم ما وراء الطّبيعة في رحلةٍ خُرافيّة مع زبونٍ جاء من حيث المجهول في قصّة (مشوار).. أمّا قصّة (الضّباب قادم من جهة البحر) فنعيش حكاية فنّان مسرحيّ يُنقّب عن نجاحٍ أصيلٍ بين واقع الخيبة والأمل، قبل أن تُرينا قصّة (تُراب بلون الشّفق) مدى التّداعيات النّفسيّة الكبيرة لرجل ستّيني فقد صديقه فجاة. ثمّ ننتقل إلى زمنٍ مُبهمٍ لا شكّ في عروبة ملامحه مع (حكاية نعيم القرنفلي) لنواجه خُذلان رُعاع النّاس لرجلٍ لطالما ادّعوا محبّته. وفي (سماء بعيدة المنال) يتحوّل اسم القمر إلى أسطورةٍ خبيثة تُطارد ذاكرة أبوين بأحزان الثّكل، ومن أسطورة السّماء إلى أسطورة قاع الأرض في (خطوة خائفة للبئر) حيث يُهيمن بئرٌ عتيق على أحلام ومُعتقداتِ قرية اجتازها الطّاعون.. وأخيرًا؛ نجد أنفسنا أمام (ذاكرة من ورق)، لتُبهرنا فريدةٌ من نوعها بين عاقلٍ مُثقّفٍ يُتقن إخفاء خيباته وأحزان نفسه السريّة، وبين بسيطٍ آخرٍ تُراودنا الشّكوك تجاه بقايا قواه النّفسيّة والعقليّة. وللحوار بين الشخصيّتين في هذه القصّة على وجه الخصوص مذاقٌ شهيّ غريب يؤكّد على احتراف القاص فنّ إدارة الحوار بين الشخصيّات على الورق. ولا يسعك – كقارئ- إلا أن تُعجب بنبرة (حميدوه) الذي يُلقّب نفسه ب(رامبو الشّارع) الواثقة في تحدّيها وهو يقول : ” من حقّي الاقتداء برامبو. انظر حولك لترى ماذا تفعله أمريكا في أنحاء العالم ضدّ الخارجين على القانون، من أفغانستان ومرورًا بالعراق ولن تكون إيران نهاية المطاف؟ أمّا المريض الحقيقيّ فهو أنت، الموهوم بشخصيّات خُرافيّة لا وجود لها إلا في عقليّة كاتب عجوز. شخصيّات عاجزة من ورق، لا تقوى في الواقع على خلع ديكتاتور مثل صدّام”.. ولا يسعُنا إلا أن نحترم هذيان الشخصيّة ذاتها وهي تقول بغضب في حوارٍ سجاليّ مع بطل القصّة المثقّف:

لن يُفلت الجاني من قبضة العدالة. لن تسكُت أمريكا على إهانة أحد عُملائها المُخلصين.. رامبو الشّارع.

أمريكا لا تسمع استغاثة الواهمين أمثالك.

أنت لا تدري شيئًا. ارجع إلى نافذتك وتفقّد أحلامك. دعني أتدبّر أمر هؤلاء الأوغاد مع الرّئيس.

ما هذه الحماقة؟

لا أفهم لماذا كلّ هذا الحقد على أمريكا؟

ومن يحبّها؟

أمثالي الضّعفاء.. فهي تنتصر لنا على الظّالمين والطّغاة والحاقدين وتقف دون خشية مع المقهورين من كافّة بقاع الأرض.

الله من ينصر الخلق وليست أمريكا يا غبي.

وهكذا؛ تنتقل قصص المجموعة بأذهاننا من حوارٍ شهيّ إلى حوارٍ أشهى، ومن ثيمةٍ مُدهشةٍ إلى ثيمةٍ أكثر إدهاشًا، يُقدّمها النّص مُعالجةً بطريقةٍ جديدة و أحداث تشي بتجربةٍ اجتماعيّة تتناسل تفاصيلها باستمرار، وتكثيفٍ لا يفيض به السّرد عن حاجة النّص من جهة، ولا يقلّ فيه إلى حدّ يُلصق أحاسيس القارئ بقسوة جدار الواقع سريعًا دون أن تنال حاجتها الكافية من عالم الخيال المطلوب. ولا نصل إلى الصّفحة الأخيرة من القصّة الأخيرة إلا على أملٍ بأن يصير إصداره القصصيّ المُقبل أقرب منالاً، ليُحلّق بوجداننا في سماءٍ جديدةٍ تُنجبها مقدرته المتميّزة على عقد القران القصصي بين الواقع والخيال.

 

 


الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق