ثقافة المقال

عوْدٌ على أسئلة*

ابراهيم مالك **

أراقب ما يحدث حولنا، في عالمنا الصغير والكبير، لا أدّعي أنّ عندي أجوبة  فنحن نعيش في منعطف جارف، وكثير المفاجئات، خاصَّة في المجال الثقافي الاجتماعي والتكنولوجي، وليد الجشعِ والعْنف.
لاشك في أنّ لكل عصرٍ وجيلٍ أسئلته.
ويُجمعُ كثيرون من المُفكِّرين أنَّ الفيلسوف الألماني، عمانويل كانت، أفلح في صِياغةِ أسئلةِ ما نصطلِحُ عليهِ بأسئلةِ عصر التنوير في أوروبا. ومن ضمن الأسئلة الأربع التي صاغها عمانويل كانت، سأذكرُ سؤالين: ماذا نعمل؟ وبماذا نحلم؟ .
وكان يعني بماذا نحلم، حرفيا، ماذا نأمّل. فالحلم والأمل شبيهان . قد يبدو لأول وهلة أن هذه أسئلة ليست بذات أهميّة ، لكننا اذا ما تأمّلناها جيّدا، وتعمقنا في سبر غور مدلولاتها العملية، بعيدة الأثر، وبما يترتّب عنها من نتائج واسقاطات وآثار، بعيدة المدى على حياتنا اليوميّة المباشرة، ندرك إلحاحها ، آنيتها وأهميّتها .
ولو طوّرنا هذه الأسئلة منطقيا ، لأدركنا أهميتها وخطورتها، فنعيد صياغة السؤال كالتالي:
ماذا يسمح لنا المنطق ، منطق الحياة ، أن نعمل ؟ وبماذا يتيح لنا الواقع ،
الذي نعيشه ، بأن نحلم ؟ . فللحلم حدود ، وان يكن خيالنا الشاعري يؤكّد :
أن لا حدود لحلمنا ، حلم الانسانيّة الجميل .
ونحن ، حين نقول:
ماذا يسمح لنا المنطق أن نعمل ، فإننا نعني ضمنا:
أنّ ثمّة أمورا محظورة ولا يُجيزُ المَنْطِقُ العمل بها.
وأسمحُ لنفسي ، فأقول :
إنّ انسانيتنا لا تسمح القيام بها ، فليس كل ما هو مُمكن مُتاحٌ أو مسموحٌ به ، فثمّة أشياء محظورة . ولا اقصد هنا الجانب القانوني ، أو الجانب الاداري والقسري ، انما ما هو ناتج عن وعي وقناعة وتجرِبَةِ حياة .
ما ينقصنا في حالاتٍ كثيرة هو الوعي الإنساني والقناعة . فالوعي الإنساني النَّيِّر هو أكثر ما ينقص مجتمعاتنا وما نحتاجه ليتبدَّلَ وضعنا .
فأنا ، وحين أقول أنا أعني نحن ، لا أقوم بعمل ما خوفا من قوة مجهولة ومتخيلة أو غير ذلك ، انّما لأنَّ قناعتي ووعيي يمليان عليّ القيام بذلك . فالرادع الإنساني يلزم أن يكون مبنيّا على قناعة ووعيٍ فِيَّ – اعني فينا.
ومن هذه الأمور المحظورة ، مثلا:
لا يجوز الاتجار بعمل الأطفال أو المرأة ، ولا يجوز الاتجار بالسموم المُخدِّرة ، على اختلاف أنواعها ، ولا الحض أو التحريض على الحروب و العنف في العلاقات بين الناس ، سيّان كان نوعه وشكله ، ولا يجوز ان ننتهك حقوق الانسان والقيام بالتمييز العرقي أو الجنسي .
كثيرة هي الأمثلة من واقعنا المعا ش .
وحين أتحدّث عن العمل ، فأنه لا يمكن الحديث عنه بالفهم المطلق ، أي عمل، مجرّد عمل ، بل ذلك النشاط الإنساني الهادف .
وأدرك محدوديّة حديثي أيضا ، فللعمل طابع اجتماعي ، وعليه لا يغيب عن بالي أنّه حين نقول العمل ، أدرك أنّه ، من حيث هو نشاط إنساني، هادف وواع ، مشروط بالمصالح الشخصيّة والفئويّة ، وبالوعي الاجتماعي . وهي مصالح مادية ، في خاتمة كلِّ مطاف .
فوعي الإنسان، وعي الناس، الذي يحدّد مصالح الناس المادية المذكورة  أفرادا أو جماعات، يحدد أيضا عملهم وسلوكياتهم. ويتطوّر هذا الوعي بالممارسة والتجربة .
وحين أتحدّث عن الوعي الاجتماعي أو المجتمعي، مصطلح أكثرتُ من استخدامه مؤخرا، فأنا أعني ما هو أبعد من الوعي الفئوي الضيّق، بل أعني الوعي الإنساني الرحب .
وهو ما نحتاج اليه في زمن تحاول فيه الرأسمالية الاحتكارية فرض فهمها للعولمة على عالمنا، فالمصلحة الإنسانية الكبرى اليوم تكمن في مواجهة هذه العولمة الاحتكارية، مواجهتها جماعيا والعمل على أنسنة العولمة، كبديل، وذلك من خلال نبذ الجشع المادي وما يترتّب عنه من حروب وجوع وعنف ومظاهر تمييز واستغلال .
ولا شكّ أيضا في أنّ الحياة، في تطوّرها وتجددها الدائمين، تتجاوز، زمنيا، أسئلة طرحتها الحياة المُعاشة ذاتها، الاّ أنني أعتقد جازما أنّ الحياة في عصرنا تطرح هذين السؤالين بكل إلحاح وبكل مصداقية .
وقد سألت نفسي أكثر من مرّة عمّا اذا كانت البشرية مهيأة لأن تنتج وعيا اجتماعيا قادرا على انتفاء ( انهاء – من نفي ) ظاهرات لا عقلانية ، تشوه حياتنا ، كالحروب والمجاعات والعنف في العلاقات الانسانية والتَّخريب الدائم والمستمر ، أحيانا بلا حساب وبلا روادع ، للطاقات الانسانية والطبيعيّة ، المتوفرة في عالمنا ولكن المحدودة نسبيّا ، ومن شأنِ هذا الوعي حين ينشأ ، أن يسهم في نمو قيم حياتية جديدة ، تجعل حياتنا أجمل وأغنى وذات معنى وأكثر جدارة أن نعيشها ؟ .
وأستطيع أن أجزم أنّ هذا يشكل واحدا من أهم أسئلة عصرنا !
وثمّة سؤال ثان ، وهو في الحقيقة مشتقّ من السؤال الأول ، ألحّ علي ، بكل قوّة في الآونة الأخيرة ، وأنا أرقب ما يحدث في عالمنا ، وفحواه :
أين ما يمكن أن نسمّيه التكافُلَ الإنساني ، أو لنقل التضامن الانساني ؟
وهو التكافل الناتج عن شعور انساني واع ومدرك لحقيقة أن أي وجود انساني واستمراره يشترطان الوجود الجمعي للإنسانية ، وبالتالي هذا الادراك لأهميّة أسس انسانية تحمي هذا الوجود الجمعي وتصونه ، أي أننا لا نستطيع التصرّف كذلك الذي أوهم نفسه أنه يستطيع افتراس الآخرين وينجو بجلده ، فبعد أن كان له ما أراد ، وجد نفسه وحيدا ، فلم يبق أمامه من خيار إلاّ أن يفترس ذاته .
ما يحدث في العراق اليوم وما يحدث في سورية وفي اليمن وفي المناطق الفلسطينية عامة ، المُحتلة في عامي 1948 و1967 ، وما كان في جنوب لبنان سابقًا و في ليبيا والجزائر ، في الصّومال، السودان وغيرها ! هو شيء مخيف . واذا كان يخيفني ويقلقني ما حدث ويحدث في تلك البلدان ، فليس فقط لأني ابن لهذا الشعب ولهذه الأمّة ، إنما لأنَّ انسانيتي ، التي أحسها مُهانة لما يحدث ، إنسانيتي الحسِّية أحِسُّها تنتفض فيّ ، غضبا ، فزعًا وألما ، وما آمله هو أن تبدأ إنسانية عالمنا تعي إلى أيِّ مُنْحَدَرٍ بدأنا ننجرف ! فمنطق انتصار هوس القوّة في العلاقات بين الناس وبين الأمم ، ومنطق أن القوي يستطيع عمل ما يشاء ، غير آبه بكل اعتبار . هذا المنطق ألعنيف و اللا إنساني بات واقعنا اليوم .
ما أفظع الفكرة التي طورها داروين أساسا لفكره :
وهي أنّ البقاء للأصلح ، الأفضل ، وبالتالي الأقوى ، في محاولة لنقل منطق الغاب الوحشي إلى حياتنا الإنسانية ، مرتدًّا بها مئات آلاف السنين ، أي الى البدايات الهمجيّة وحياة الغاب .
وما حدث من قبل من جرائم في فيتنام ، في كمبوتشيا وفي البلقان وفي رواندا والملايو وغيرها ، وما كان ولا يزال يحدث ويُكتب ويُرْوى عنه ويشاع من حقائق مذهلة حول ما يرافق محاولات الهرب من جحيم الحياة في العالم الثالث ، عالم الجنوب ، عند شواطئ مختلفة للبحر الأبيض المتوسط المحاذية لتركيا ، ليبيا ، اليونان ، إيطاليا واسبانيا ، عند مضيق جبل طارق !
ما حدث ولا يزال يحدث بات يعزّز طرح السؤال :
أين التكافل الانساني؟.
كلّ هذه الأمور وغيرها تجعل السؤال عن التكافل الانساني يصبح أكثر إلحاحًا .
فما يحدث في باحة جارنا أمرٌ يجب أن يعنيني ، وما أفظع أن يفكّر الانسان فقط في نفسه ! فلا يعير اهتماما لصوت الاستغاثة الطالع من الباحة الخلفية لعالمنا ! أو لما يحدث في أماكن نائية ، وقد تبدو معزولة .
كلّ هذا يثير فيّ أسئلة كثيرة ، بدأت تتدافع في عقلي .

*المقال من كتابي الأخير ” المقالات هي وجهات نظر ، أو صراخٌ هامسٌ بينك وبيني ” الصادر سنة
2017
**ابراهيم مالك كاب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق