قراءات ودراسات

ليلى الأطرش: ” أبناء الريح”

البروفيسور عادل الأسطة 

تعيد رواية الروائية ليلى الأطرش “أبناء الريح “2012 الذاكرة إلى نصوص أدبية عالمية وعربية سابقة ، فهي تعالج فكرة قديمة قدم النصوص الأدبية التي وصلت إلينا ، وأعني هنا الأساطير.
تذكرنا الرواية بأسطورة ( أوديب) وبقصة سيدنا موسى الذي التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.
وتذكرنا للأسطورة والقصة الدينية لا يعني أن الرواية تتطابق معهما تطابقا كليا، فالتشابه جزئي لا يتعدى فكرة الطفل اللقيط الذي يتربى بعيدا عن والديه.
وتذكرنا أيضا بنصوص أدبية حديثة أتيت عليها بإيجاز وأنا أكتب تحت عنوان “الطفل اللقيط ..وسؤال الهوية في الرواية العربية “( الأيام الفلسطينية 25/9/ 2016وكتابي “أسئلة الرواية العربية ” 2018 ).
ولأن قسما من أحداث الرواية يدور في دور رعاية الأيتام/ الأطفال فإنها تذكرنا أيضا بقصيدة حافظ ابراهيم التي مطلعها:
“شبحا أرى أم ذاك طيف خيال/
لا بل فتاة بالعراء حيالي”.
وفي قسم من الرواية، ونحن نقرأ قصة الابن المتبنى وعلاقته بأبويه المتبنيين، نستحضر قصصا كثيرة: قصة سيدنا سليمان مع الأم التي أنجبت والأم التي ربت ،ورواية غسان كنفاني “عائد إلى حيفا ” وسؤال رابطة الدم فيها. إن سؤال رابطة الدم يشكل حضورا مباشرا في رواية ليلى ، وبقصد متعمد على ما يبدو . وكما يرفض خلدون/ دوف في رواية كنفاني العودة مع والديه البيولوجيين الفلسطينيين ويؤثر البقاء مع والديه اليهوديين اللذين ربياه ، لا يتعرف الطفل عادل،في رواية ليلى، إلى أبيه حين يجمعهما المشرف النفسي في مكان دون أن يخبرهما بصلة الدم بينهما (66-69).وهذا ما حدث في أسطورة (أوديب)،فالدم لم يمنع الابن من قتل أبيه والزواج من أمه حين التقى بهما فلم يدله الدم على أنهما والداه اللذان بذراه .
ولا يعني استحضار النصوص أن الروائية تنسخ أفكار الآخرين، فمصير شخصياتها يتوازى تارة مع شخصيات القصص ويتعارض معها طورا ويتقاطع معها ثالثة.
والرواية التي تتشكل من سبعة أقسام كل قسم حمل رقما وصدر بمقولة مقتبسة(سفر التكوين،من أمثال النبي سليمان،أسطورة عالمية، المسيح بن مريم،من سورة آل عمران، نشيد الإنشاد،من سورة الضحى)؛ مقولة ذات دلالة لها صلة بما أدرج تحتها، الرواية لا يسردها سارد واحد، إذا غضضنا النظر عن الحوار الخارجي الذي شكل معلما من معالمها.
يسرد سفيان أكثر الفصول ،ويسرد تيسير ابن عم أبيه فصلا هو الثالث، ويقرأ سفيان في الفصلين الخامس والسادس بعض كتابات نادرة من عائلته في دار الرعاية، فتغدو هذه مؤلفة ضمنية جزئيا، ويترك لبعض الشخصيات تروي قصتها.
ويبدو الواقع الاجتماعي في الرواية واقعا أسود حتى ليمكن القول إن الرواية تندرج تحت مسمى “الأدب المظلم “، أدب الواقعية النقدية المتشائمة، وهو ما عرفته الرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر ومثالها “بؤساء “(فكتور هوجو ) و”مدام بوفاري “(فلوبير ).وعرفته الرواية العربية في بداياتها ومنها روايات نجيب محفوظ التي تنتمي إلى المرحلة الاجتماعية، مثل”القاهرة الجديدة”-هذا إذا غضضنا النظر عن كتابات المنفلوطي.
عالم من البؤس والفقر والتشرد والفساد والانحراف. أطفال كانوا ضحية المجتمع وانحراف أفراده الذين انساقوا وراء شهواتهم ورغباتهم، فخلفوا وراء ذلك مآسي اجتماعية كثيرة.
نعم تنتمي الرواية إلى الواقعية النقدية الغربية المتشائمة على الرغم من أن سفيان الذي يبحث عن إخوته في دار رعاية الأطفال يحاول أن يوفق بين رأسين محطمين من إخوته في الدار هما ماهر ونادرة، وعلى الرغم من أن سفيان نفسه لم ينته الأمر به إلى الانتحار أو الضياع، فقد درس الطب و تزوج وكون عائلة وصار ثريا. ويبقى أن ينظر المرء في مآل شخصيات أخرى في الرواية مثل فراس ومثل والدة سفيان ووالده والثمن الذي دفعه هو شخصيا.
إن بعض ما كتبته نادرة التي عاشت في دار الرعاية ينتهي أيضا نهاية مأساوية. خذ ما كتبته عن ياسمين مثلا “أفتح النافذة كل يوم وأنتظر. لا يأتي “( 155).
وعالم دار الرعاية المفترض أن يكون أرحم من العالم الذي جاء منه الأطفال لا يختلف كثيرا.
في دور الرعاية يستغل بعض المسؤولين والمسؤولات الأطفال جنسيا ويقمعونهم أيضا.وقد تعترض الروائية على ما ذهبت إليه وتقول: لا، فهناك تجربة سفيان نفسه وهناك اقتراحه على ماهر بالتعرف إلى نادرة، وفوق هذا هناك مدلول الآية القرآنية التي صدرت بها المقطع السابع الأخير (ألم يجدك يتيما فآوى ).إن دال الآية يستحضر تجربة النبي محمد (ص)وهي تجربة انتهت بالطفل اليتيم نهاية يشهد المسلمون وبعض غير المسلمين لها بالنجاح. وقد تضيف الكاتبة قائلة: إن تجربة الرسول هي النص الغائب المتمم الذي تركته لذكاء القاريء،وإن تجربة ماهر يمكن أن تنجح فأين هو التشاؤم والواقع الأسود؟
عموما إن أكثر صفحات الرواية يصور العالم فيها عالما كابوسيا مرعبا، ويبقى هذا اجتهادا.
وأنا أقرأ الرواية تساءلت بعض تساؤلات (برونتير) فيما يخص موضوع الرواية وما يخص مكانتها في نتاج ليلى الأطرش نفسها.
ماذا لو قارن القاريء بين لغة ساردي هذه الرواية ولغة ساردي رواية “مرافيء الوهم “2005 ؟ إن ساردي الروايتين مختلفون علما وثقافة ومع ذلك فإن بنية الجملة لديهم واحدة، وأظنها لغة ليلى نفسها التي ربما غاب عن ذهنها أنها تتعامل مع شخصيات مختلفة أو أنها اسلبت لغة شخوصها، وهذا شيء آخر.
وماذا لو تتبع القاريء حركة الزمن في الروايتين؟ وماذا لو تتبع تعدد الساردين فيهما؟وماذا لو نظر في عدد أقسام كل رواية منهما؟
غالبا ما استشهد بما فعله (ميخائيل ريفاتيري ) في أثناء دراسته قصيدة (بودلير)” القطط” وقصيدة ثانية له ليلاحظ أن القصيدتين تعكسان البنية نفسها، وهو ما فعله أيضا كمال أبو ديب حين درس ثلاث قصائد لأبي نواس ولاحظ أنها تعكس البنية نفسها. هل اشتط حين أقول إن رواية “أبناء الريح “تعكس البنية نفسها لرواية”مرافيء الوهم”؟
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق