ثقافة السرد

هديل الحمام ـ مقطع من رواية ـ

سامية بن دريس

إلى غاية الظهير ما زال الضباب مستبدّا، ضاربا أطنابه بين البحر والجبل، مضفيا حالة من التثاؤب اللاإرادي، تحت الأغطية، معتقلا الصباح داخل هالته الراكدة. صوفيا مستغرقة داخل الشرنقة البيضاء التي نسجها الضباب المتثائب على مهل، ناثرا بريشته أشلاء من رداء جسده العملاق مكللا رؤوس الأشجار مثل مركبة فضائية ستحط عند قدميها، وحين تهم بالطيران تحس بالثقل الذي تشدها أوتاده نحو مدار جاذبيتها وتدرك أن السبب هو أحلامها الأرضية المبقورة الأحشاء، يتمدد الضباب مثل رداء شفاف حتى يخيل إليها أنه سيلامس رأسها وينسدل على كامل جسدها المحدودب في انحناءاتها المقعية بطريقة لا إرادية باتجاه الأسفل: ماذا لو تجسدت تلك القوة السحرية الخارقة وحملتها على ظهره؟!
هي صوفيا ذات المنبت الطيني والروح السماوية، لو تتجسد تلك القوة السحرية وتطير بها بعيدا عن عالمها الحاضر، حيث تقضي عقوبة التكفير عن موت جدتها، أو هكذا تراءى لها على الأقل في مرآة خيالاتها التي كثيرا ما تنعكس فيها صور الأشياء بطريقة مقلوبة ـ تساءلت مخترقة حدود العادي ــ جاهدة لتحرر خيالها من رماد الأحلام المحترقة، والضباب ينسدل في تؤدته مثل ثوب النبوة المقدس المغسول بماء الطهر وبالثلج والبرد، وفي لا مبالاته تلك راح يتحلل بالتدريج فوق أشجار السرو العصية حتى على الربيع، وهي تتطلع مشوبة بشيء من الصرامة الكثيفة التي سبغتها عليها يد الطبيعة السخية، برؤوسها الداكنة الخضرة نحو الداخل، تعتقد صوفيا أن تلك الخضرة المهيبة ما هي في نهاية المطاف سوى مستخلص عناق الليل والبحر، هذان الكائنان العملاقان اللذان يبسطان سلطانهما على الكون، فيشيان بالوجه الآخر للوجود الإنساني: الرهبة والخوف والموت والمصير والنهاية والتلاشي في أعماق الظلام الأبدي، حيث تتبدى الضآلة مجسدة في تحولات الكائن البشري وتراقص ذراته، تعتقد صوفيا كذلك أن الأشجار وهي تشرئب بأعناقها نحو الداخل، هذه اللفتة ماهي إلا استجابة للرسالة المنوطة بها ـ إنها تعتقد أن كل ما هو فوق وجه الأرض يتكلم لغته الخاصة، ولكن لا تفقهون تسبيحهم كما ذكر في القرآن ـ أي لترصد العالم القائم هناك، ذلك العالم الذي تسميه صوفيا في دخيلتها، ودون أن تقوى على رد ماء السخرية المريرة المتدفق في فمها، عالم القراقوز، أين كانت تبدو لها هيئة العجائز وحركاتهن الثقيلة مثل دمى خشبية قديمة ومتآكلة، تتحرك بصعوبة لعطب أصاب أوتارها، في يد مقوسة لعجوز خانته بإذلال جلي خفة الحركة بعد دربة طويلة، فأمام عصا الزمن تفقد الخبرة ـ التي طالما امتدحها ـ كل مزاياها، تلك اليد التي تتحرك فقط بمفعول العادة، وفيما هي تجوب برتابة داخل ذلك العالم الكئيب الذي ولجت عتبته بقدميها، انتشلها من غفوتها النداء العاجل كصفارة الإنذار:
– يا صفية، يا صفية، أتسمعين، أتسمعين يا ابنتي، إنها تقرقر، أمعائي تقرقر، ألا تسمعين، لقد عادت، هيا يا فتاة؟
تستدير على عجل تاركة النافذة خلفها مفتوحة أمام نسمات بداية الربيع اللاذعة، وكمن تعرض للسعة مفاجئة، لم تترك لها الوقت الكافي للملمة نفسها، وبصوت لاهث تعلن:
– هيا إذا أيتها الجدة، هيا اتكئي علي، هاهو عكازك.
تتحسس العكاز وتقوم فيما تطقطق عظام ركبتيها ومرفقيها ورسغيها، منحنية ترفع عينين غائرتين نصف مغمضتين بأهداب واهنة نحو الباب والفتاة تسندها: يالله يارب يا سيدي عبد القادر الكيلاني، يا أولياء الله الصالحين أتمنى ألا تسبقنا، لا أريد أن أصير مثل طفل، مرة واحدة تكفي، لا، لا أيتها الجدة، سنسبقها، الحمّام قريب من هنا، على بعد خطوتين من الغرفة، هيا أيتها الجدة، يا الله يا ربي، يا سيدي عبد القادر، ها قد وقفت، خذيني، أين الطريق؟ حسنا سأبعد الصينية يا جدة، ها هو الخف، ادخلي قدمك اليمنى، هاتي اليسرى يا جدة. اتكئي علي، لا تخافي، لا، لا لن تسقطي أنا أسندك، بحذر، بحذر، لا داعي للشكر، انتبهي هناك درج الحمّام، سأفتح الباب، ها قد أشعلت المصباح، ادخلي، هل أساعدك؟ حسنا ارفعي ثوبك واجلسي، هل تستطيعين الجلوس؟ سأغلق الباب.
الصنبور معطل لا يغلق بإحكام، صوت الماء المندفع بقوة يحدث أزيزا مزعجا، جعل الفتاة تقطب زامة شفتيها، راسمة تعبيرا غير مفهوم هو مزيج من السخط والأسف الذي تلطف من حدته لا مبالاتها الساخرة، تلخص في الطيات الصغيرة التي رسمت بين حاجبيها وتحت عينيها عند ملتقى الأنف، وعند زاويتي فمها، فيما طشت الماء ينقط كل ما حوله، حتى عندما ينقطع الماء، يستمر نزيف الحنفية المعذّب. قطرات من السقف المتقشر كقطع من الشاش المهترئ تسقط على البلاط في لا مبالاة رتيبة، مثل ساعة حائطية عتيقة في برج مهمل، هكذا كانت القطرات تقول، كأنها صوت الزمن المهمل الذي فقد وظيفته داخل هذه القلعة العتيقة المنسية. ماذا كانت هذه القلعة في زمن توهجها؟ مستشفى للأمراض الصدرية موروث عن العهد الكولونيالي؟! بصبغته ذات اللون الأصفر الباهت الذي تحول تحت ضغط عوامل الطبيعة إلى لون أوراق الخريف الذاوية متواطئا بطريقة صامتة مع الديكور العام جاهدا ليتناسب مع ذوق نزيلاته، حتى بدا وكأن القائمين على هذا المبنى الكئيب أشد حرصا على جعل الشيخوخة عنصرا حيويا يضفي على المكان أعراض الموت المبرمج سلفا.
سينهد الجدار المتشقق – همست صوفيا لنفسها – كان الشق في البداية يرتسم مثل شعرة على المرآة، ثم بدأ يتسع فاسحا آمالا عريضة أمام الجرذان لتمرح، وها هو الشق يوغل نحو الداخل ومتجها إلى الأسفل كأنه نهر القدر الغاضب المحمل باللعنات الذي لا يد تقدر على رده.
ومن سيهتم لذلك؟ أضافت وهي تستعرض الوجه المتغضن للجدة ذهبية ورفيقاتها، آه الزمن! لعلها الحكمة المتجمعة خلف تلك الشفاه المتشققة السوداء، أو هي الحكمة نفسها المعلقة بين الأهداب الهشة مختبئة مثل عصفور كليل، فجنحت نحو مرفأ الصمت، وبذلك صامت عن كثير من المتع، بما فيها النظر حتى إلى الخلف، حيث ترقد الذكريات الحزينة، كما لو كان الخريف بيده المتغضنة يتعمد نثر الأعشاش، ساخرا من جهود العصافير عند أول الربيع، في البداية كان النظر إلى الخلف له معنى بطريقة ما، كأن يذكر بالتضحيات والآلام وهو ما يستدعي قدرا معتبرا من الشهقات والدموع والعيون الحمراء واقتلاع قائمة طويلة من قاموس التعاسة، الذي ستظل كلماته تطفو على شكل دفقة من اللعنات التي لا تتماشى مع الوقوف عند حافة القبر المهيبة، وحتى بالنسبة للوم القدر فهذا عرض من أعراض الاعتداء على ملكية الغير، وهي ضريبة تكلف الكثير من الأرق وبطاقات التعزية التي تبدو هنا مثل عملة نادرة. أما الآن وبفضل عامل التآلف والعطب الجمعي فقد صارت السفينة في عرض البحر، حيث يمتد سديم الماء من كل الجهات وحيث تبدو اليابسة ضربا من الماضي البعيد، ومن ثم فقد تعودت الأنوف، أو لنقل أرغمت على التعود على رائحة البحر ودواره.
في هذا العالم الراكد عاشت صوفيا قرابة الثلاث سنوات، وعلى الرغم من كون الكآبة ليست سوى عرضا من أعراض الحياة، فإن العدوى قد انتقلت إليها من حيث لا تدري، أو لعله نوع من الإيحاء النفسي والبرمجة العصبية، لهذا انصاعت بهدوء وسكينة إلى إملاءات عالمها، مثل حيوان خامل أرغم على الظهور بمظهر المسالم بفعل الإبر المخدرة.
في البداية كانت تتوهج، مثل إسورة الفضة في معصم الجدة ذهبية، تحت أشعة شمس أوائل الربيع بوجهها الأبيض الرقيق وعينيها السوداوين الحانيتين، وبفضل قامتها الرهيفة، التي سمحت لها بالتحرك مثل سمكة، وبالخصوص بفضل ضحكتها البحاء التي تحاكي صوت ناي متحشرج. ويوما بعد يوم بدأت تفقد جزءا من كنوزها مثل ساحر يشرف على الإفلاس، فراحت ابتسامتها تخبو، كنار موقد أرضي تخلى عنه أصحابه وبدأ وجهها يتمسك بالتعبير المعتاد ذاته، ابتسامة صغيرة مختصرة مثل مصباح هزيل علق في علو شاهق، خطوط رقيقة تحت العينين هي ترجمة حرفية لظلال واهنة لحزن له جذور، بدأت براعمه تتفتح تحت الشمس مع بريق خافت في العينين يذكر بشخص ما.
جمعت يديها متصالبتين في صدرها داخل المعطف الأسود الطويل من الفرو، غطت أنفها وفمها بوشاح صوفي أخضر انتهت من نسجه منذ يومين، فيما لا يتوانى تيار الهواء البارد عن صفعها، مجتازا الرواق والشقوق، ساخرا من أشعة الشمس الهزيلة المتسربة نحو عتمة الحمّامات، ومع أن النهار انتصف، إلا أنها مازالت تعتقد أنه الصباح. كادت تنسى ما الذي تفعله في هذا المكان الكئيب، بمحاذاة الحمامات العتيقة الآيلة نحو السقوط، الشقوق تفغر أفواهها كل يوم، كمخلوقات بشعة تفاجئ الصباح العابس، للمدينة الساحلية المتلفعة في الضباب، يتعايش مع السعال الثقيل للنزيلات، وخطواتهن الوئيدة، يتناسب الديكور مع أهله، منظر جانبي بلون التراب الداكن، منظر من الأعلى بلون رمادي متجهم، منظر آخر جانبي بلون أجرد تخلى عن أصله، هناك جزء مفقود حتى تكتمل أجزاء الصورة، ما الجزء الناقص؟ هل هي الأرضية الغارقة في العتمة؟ قد يكون هو الجزء المفقود، وبافتراضنا ذلك، نحصل على منظر كامل، من العبوس والكآبة لملمت أشلاءه:
كل شيء آيل للسقوط في أية لحظة، العجائز والجدران والأسقف، والمديرة أيضا آيلة للسقوط، ثمة وجوه تتردد على مكتبها باستمرار، رائحة طعام محروق تتسرب إلى أنفي كلما رأيتها، من ذا الذي يتجرأ على أكل حساء هذه المخلوقات؟ من صحونها المتآكلة الحواف؟ سمعت إحداهن تروي حلما لم أعد أذكر من، أهي مليكة أم العجوز ذهبية أو واحدة أخرى، قالت أنها رأت فيما يرى النائم أن المديرة كانت تسرق حساء القطط وتلعق حليبها خفية – أضافت – كانت داخل غرفة معتمة، والباب موارب، وهي تلتفت يمينا ويسارا شأن اللصوص والجواسيس، فيما يدها تدفع الملعقة تلو الأخرى نحو فمها بخوف، وحين رأيتها هزت كتفيها في لا مبالاة، ولكن الظلام راح ينتشر فلم أعد أرى وجهها، قلت باستغراب: البعض لا يعاف، المهم أن الطعام يتكور داخل المعدة كيفما اتفق، لكني فجأة لمحت ـ أو هكذا خيل إلي ـ كرة شعر كبيرة تتكور داخل بطنها وكأن معدتها مزقت جلد البطن فانفتح، قلت: يا الله! كرة الشعر، كبة الشعر لا تهضم! أهو حلم حقا؟! ومالأحلام سوى ترجمة أمينة للواقع، المختبئ في أعماق العتمة، في صيغة حلم؟ لا أدري إذا كان هناك بشر يتجرأ ويمد يده إلى مثل هذا المال، ثم إن الميزانية هزيلة مكونة أساسا، من صدقات المحسنين؟ من يدري؟ على كل حال فالشيخوخة ليست مرضا معديا ولكنها قضية أدوار. كلنا آيل للسقوط، لا أمان، لا أمان! مثلما تردد الجدة ذهبية، أم هو الزلزال كما كان يصرخ عبد المجيد بو لرواح؟ لك الله يا عمي الطاهر وطار، الزلزال ليس له أعراض، إنما الوباء، جاءني صوت الهادي من بعيد صافيا هذه المرة، أعراض الوباء وليس المرض، لأن الوباء يجتاح كل الأماكن حيثما حط الهواء، الطاعون مثلا، الجرب، إنها أمراض قديمة، كان الحجر فيها هو الخيار الأفضل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق