إصدارات

هيْلْدَا… (الرُّمحْ المُقدَّسْ): جديد الكاتب السوداني أحمد ضحية

 هذه الرِّوايَة:
إذا قُرئت قراءة جيدة: ستنتهي الحرب الأهلية بالسودان، تماما كما فعلت رواية (ذهب مع الرِّيح) لمارغريت ميتشل– وإذا قُرئت قراءة رديئة: قتلت صاحبها –تماما كما فعلت قصائد المتنبئ.
وإذا لم تُقرأ على الإطلاق، نسفت نفسها فينا جميعاً، وأكدتنا في إرشيف المأساة.
عبد العزيز بركة ساكن.
كوستي 1998
––––––––––
عن دار ويلوز هاوس للطباعة والنشر والتوزيع، جوبا، دولة جنوب السودان، في المكتبات الأيام القادمة، رواية هيلدا نورسة النهر.. للكاتب السوداني أحمد ضحية.
من مناخات الرواية:
“المسيح لا يأتي وود النَّمير لا يزال يقطع بسيفه سواعد العِربان ليعطيها للحكامات، كي يضرِّبن بها على الدلوكة، ثم يفرش على الدَّم الحرير.. وما الدنيا يا سوزَّان سوىٰ جُحر ضبٍ خرِّب، و(المشي بالبيوت والكلام بالخيوط) والجلابة جلابة وشين ودشن، تور الخلا المكَّادي، كاشف المقانع، وآكل عشا البايتات، أنه زمن الجنجويد!”
تُقدم هذه الرواية غير المسبوقة في تيماتها –في السرد في السودان– بحثا سردياً مشوقا في الحياة الريفية في الجنوب السوداني، خلال النموذج كثيف الوقائع والأحداث في قرية الرَّث باناو، وخلال ما تمر به مُتحركات الجيش الرَّسمي من مدن وقرى، تتبدى عن وجدان ثقافي أفريقي عامر بالمعتقدات الإحيائية الساحرَّة، بعوالمها الغيبية التي تمشي بقدمين الأهالي في أفراحهم واتراحهم!
لُغة هذه الرواية بمثابة مزيج رشيق من العربية المعجمية التراثية القحة، والعربية المعاصرة والعربية السودانية، واللغات المحلية في الجنوب السوداني، حتى تكاد لا ترى الخطوط الفاصلة بين مستويات السرد واللغة، لفرط شاعرية الأسلوب الذي أضفى على السرد جمالا ثوريا مستفزا.
اتسمّت هذه الرواية فضلا عن التلاعب باللغة، بتوظيف السخرية كأداة نقدية للوقائع والأحداث، وابراز المفارقات التي تجري على إحداثيات أزمنة وأمكنة النص المتداخلة.
هذه الرواية إلى جانب تداخل أزمنتها ودائريتها، انطوت سياقاتها التعبيرية على أزمنة متماهية في الأمكنة وأمكنة متماهية في الأزمنة، بحيث شكل كل ذلك وحدة واحدة (زمكان) النص. وهي تقنية يميل إليها الكاتب كثيرا في سردياته الروائية.


يُقيم هذا النص الروائي من موقع (بنية النقد) حوارا عميقا بين موضوعات معاصرة ومفاهيم ورؤى تراثية، شكلت الوجدان الثقافي لأهل البلاد الكبيرة في قِبلِها الأربعة.
كما احتشدت الرواية بالرموز والاشارات والاقنعة، التي خبأت خلفها من الرؤى الغنية في تشريح الواقع الاجتماعي والسياسي، أكثر مما أسفرت عنه.. فهي رواية غنية بحق بتقنيات السرد الحديث وموضوعاته المتجددة، فضلا عن ما يميزها من ملحمية نادرة جدا في السرد السوداني، بل تُعتبر هذه الرواية إلى جانب رواية نوار سيدة الحراز، حجرا زاوية تيار (سرد الهامش) بين مدارس وروافد السرد المعاصر في السودان، التي لم يرصدها النقاد بعد.
وتغوص هذه الرواية في طبقات الوعي الشعبي، خلال تفاعلاته مع السياسي والاجتماعي، لتكشف عن واقع رث وبائس يسم الإنسان بالشقاء المأساوي، إذ يستعيده من الحاضر إلى ماضي خرافي سحيق، يحجب عنه الرؤى والرؤية لحقيقة وضعه الوجودي الكارثي!
“سوزَّان، تعرُّجات لسحبٍ رَّملية مشحونة بالهجير. تختفي ملامحها الغائرَّة بين تلافيف الأُفق الشفقي، المشقق بأخاديد الدَّم.. تؤدي الصَّلاة الأخيرَّة، مُنذرَّةً نفسها لأول قادم من كواكب التاريخ المجهولة، الكواكب التي ليس لشعوبها أشجار نسب! فاشترى لها أحد الهمباتة شجرَّة نسب من شريف مكة، فمدت كأبي حنيفة قدميها الأبنوسيتين، على جذع النخلة اليتيمة في قلب البلاد الأسيرة!
تذوب الحدود بين الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشَّمس، فلا تشمل الغابات والمنَّافي فحسب، بل أكوان أُخرَّىٰ غامضة، مليئة بالفضائيين العجيبين، الذين يعيشون بيننا وفي دَّمنا!”
هذه الرواية التي تجسد الإنسان والمكان الهامش، كماحدَدَّته بلدة (وادي النِّحاس) وأمكنة أُخرى، تتجدد في أسى ولوعة عوالم عديدة عاشتها شخوصها، وربما انتقلت إليهم تواتراً.. ربما من ذَّاكرَّة مستر واطسون أستاذ التاريخ الأوروبي.. ربما من ذَّاكرَّة الرَّثْ باناو، التي تداخلت فيها ذَّاكِرّات عدة تعود لآلاف السنوات! أو ذَّاكرَّة عبد الله المَنْدَكوُرُوْ، التي صاغت الوجود الحَيْ لكتلة الشمال، داخل حركة وجيش الرُّمح المقدس، فغيرَّت مسار قضية البلاد الأسيرَّة! التي ظلت تتفلت كلما أُحكم عليها الحصار فتهرب من الجغرافيا إلى التاريخ الحي في ذاكرة المندوكورو وزوجته سوزي –هيلدا– اللذان شكلا معاً قصة الحب والحرب -أو السياسة في البلاد الأسيرَّة– بمعناهما الإنساني الكوني التاريخي!
“بحثا عن وطن! هو المكان/ الحب الذي حملته (ابودوك) على هدَّبِ الخوف، والقطار يرحل بها إلى مُدنٍ تنام على العتَّمة وزوار الفجر وحُراس النوايا وملاك الحقيقة المطلقة والعباقرة مخترعين الهواجس والظنون!..
هذه التراجيديا الكونِّية، التي لطالما حاول الإنسان بقوة فعله الانساني السيطرة عليها، خاتماً رسالته إلى الطبيعة: ها أنا اضع قوانيني المستقلة ها هنا! لست بعد الآن فكرة بين بين، تحاول أن تُهدَئ خاطر الأحلام والكوابيس، التي لا تفتأ تطارد كل الذين كتبت عليهم أقداراً عظيمة، فكانت عزائمهم تشتد وتضعف، في اللحظات الإنسانية الفارقة؟!”
ومثلما تمثل عوالم المندوكورو وسوزان وباناو ولانجور مركزا لإحداثيات الحكي، فان محيط هذا المركز عوالم أُخرَّىٰ غنية، ارتبطت بهذا المركز جذرِّياً: كعالم عامر الذي دَارىٰ طعم إحساسه بالخيانة، بالغُربة الطويلة عن النَّاس والأهل والوطن.. وعالم (مولانا الشيخ الغريق) الذي مثَّلَ نقطة تحوُّل كبيرة إلى الخلف، في تاريخ البلاد الأسيرة، إذ أعاد عقارب ساعتها مئات السنوات إلى الوراء!.. و(تقي ود زهرة) ذراعه الأيمن الذي تولىٰ مهام الأمن، مسترداً من غور التاريخ، أساليب القرون الوسطىٰ، وأسوأ عناصر التعذيب في عصور الظلام..
فوادي النحاس كمكان معنوي يتداخل فيه زمن الرواية، ويتبدد في أمكنتها العديدة، ينفتح فجأةً كرعدة تحطم حصون المعاناة، لتضمد جُرحاً قديماً في الآن ذاته، في حكايا العشاق ومغامراتهم، وطقوس الأهالي ودياناتهم وأحلام الضائعين ممن انسد أمامهم كل أفق، لتتشكل رؤيا النص في الحزن المشترك بين الشخوص.. هذا الحزن الذي يتسلل الصمت المشوَّه بالصمت! ويذوب كالنغم المضاد للغم، فتبدأ رحلة البنى الحكائية من حيث إنتهى السرد لتجسد واقع الحلقة الجهنمية التي أطرت تاريخ البلاد الأسيرة!
هي رواية شاعرية اللغة والأسلوب، تجريبية في تقنياتها المتمردة، تتناول موضوعات نادرة في السرد السوداني بمزجها للأدب السياسي وأدب الحرب، في تيمة واحدة تتماهى مع موضوعات القص الحديث في سردياته عن الحب والحنين والشجن! عبر ضمائر الروي المختلفة (الأنا، الهو– النحن، الهم–الانت، الأنتم..) في تداخل تقنوي (تقني) بديع لا تتمايز فيه أصوات الغائبين عن المتكلمين والمخاطبين.
كذلك تنهض رمزية الباخرة والنهر والقطار والسكة الحديد، باحالاتها للزمان والمكان غير المستقر في مراحل التاريخ، مركزا للرموز والدلالات التي انطوى عليها النص.
كاحالة درية شقيقة المندوكورو المختطفة، بما تمثله من بنية حكائية إلى جانب شقيقاتها من البنى الحكائية الأخرى، كمقترح نقدي تنهض عليه رؤيا النص بكاملها، في تشريح العلاقة المعقدة بين مركز وأطراف البلاد الأسيرة.
“كانت الغُرفة تتوشح بظلالٍ رَمادِيَّة كثيفة، تشكلَّت من الأبخرَّة مُختلفة الروائح –صندل، مزيج من القرفة والقرنفل.. طلح– التي كانت تتصاعد في شكلٍ لولبي. يرتد على الجدران، التي توزَع على جنباتها الأربعة، في نظام فوضوي غريب، جسد دراكولا المُحنَّط، وجلد أصلة طاعنَّة في السن يُغطي منحوتة لفخذي الدّون جوان، ومُصلاة من جِلدِ القنفذ أبوشوك، ثبتت في منتصف جلد تمساح برِّي مُعلَق على قرنِ خرتيت جبلي متوحش، ورأس ورَّل مخنث.. وقدح سلحفاة بدىٰ واضحاً أنها كانت عذراء عندما أُسرت واغتصبت، وديناصور مثلي متناهي الصغر.
فيما كان يقعي كالكلب طفل تنين شقي محنط حديثا، إذ كانت لا تزال ثمة أبخرَّة للهبٍ ذَّاوٍ تنبعِثُ من فمهِ وعينيه ومنخرَّيه، اللذان بدوا كفوهتين معتمتين، أشبه بعتمَّة ثُقبٍ أسود!”
تسلط الرواية الضوء على هيمنة المدنيين العقائديين من أنصار الشيخ الغريق على المؤسسة العسكرية، وما الحقوه من أضرار فادحة بالجيش الرَّسمي ودمار تام لعقيدته القتالية! وعلاقات الكراهية بين العناصر الاحترافية داخل الجيش وهؤلاء العقائديين الجهاديين القادمين لتوهم من زقاقات التاريخ واقبيته، ليمارسوا هواياتهم في الغزو والسلب والنهب والاغتصاب!
أنها ملحمة تختطها وقائع حياة المندكورو والرث باناو في ليل أفريقيا الآسي، بكل ما يَعتمِل في إفريقيا من عتَّمة وغرّبة، يفيضان من أعماق باناو والمندوكورو، لتتداخل وقائع الصراع بين الانسان وعناصر الطبيعة لتنسج هذه العلاقة الشائكة قدرهما الشخصي في مشاعر الهوية الغامضة للبلاد الكبيرة الأسيرَّة الكسيرَّة، فتنمو هذه العلاقات كنباتات السدود والمستنقعات في أرخبيل جونقلي، لتفيض مع النيل تخصب الأرض والناس والمعاني!
وفيما تغوص الرواية في الحياة السرية لليسار الاستبدادي العتيق المتخلًِف، واليمين الفاشي الأشد تخلفاً، وجها العملة العقائدية الواحدة، بنسقها الاستعلائي المغلق الذي يزعم بتوهم وزيف، انطوائه على كل إجابات الأسئلة التي يطرحها الواقع، والتي لا تملك حتى الأديان نفسها إجابة عنها! ينبعث من داخل هذه الانساق المغلقة، المندكورو ومن ذاكرَّة التاريخ، المدجن بالدم والدموع والسم الزعاف، تتسع التنبؤات. وتتكور على القطار الماض إلى المدن البعيدة، المدن التي يظل في طريقه إليها. لكن أبداً لا يصلها..
“المدن التي احتكرها الغرباء وصادروا الأحلام البريئة لأطفالها.. (آه يا حبيبي).. تلك سلوىٰ وحدنا بانتظار الرفاق؛ لنبدأ إجتماع الخلية.. (آه يا حبيبي) وبعد أجنة يسافرون في رحم المكان.. هذي البلاد الكبيرة التي ليس كمثلها مكان؛ فهي الوطن والمنفي، والحقيقة والوهم في الآن ذاته!”
هذه الرواية هي ملحمة أُسطورية للحب والحرب بين مفترق دروب الوحدة والانفصال، إذ ينهض شخوصها على أنقاض بنى حكائية زاخرَّة بالشجن، كحكاية وليم وبيدبا هذان الطائران المحلقان في سماوات الفعل الثوري، وهو يصوغ قدر الإنسان وجغرافيته وتاريخه، هازما الحرب بالحب لتتلاشى ملامح البلاد الأسيرَّة ويبقى وجه النِّيل الخالد ذو الايحاءات والشجن!..
كما هي في الآن نفسه حكاية لانجور وسلوى، هذان العاشقان المسكونان بانبات الأبنوس والنخيل في بيئة واحدة!.. وهي حكاية متوكل وسلمىٰ اللذان كنجمتي سُّهْبُ يرشد حبهما السراة في صحارى واقع إجتماعي معقد، بائس ورث. وحكاية جيش الرمح المقدس والمحاربين لابسين جلد الفهد وبلدة وادي النحاس والأرض الجديدة والبلاد الكبيرة والشيخ ولي الدين وتقي الدين والزَّار والطقوس والديانات المحلية وجدل الحرب والحب في منطق العلاقات اليومية.. ففيما البؤس يلقي بظلاله على كل شئ يطل القمر المُترَّع بالصفاء، والاحساس الرَّخوِ بالليّٓالي المخمليَّة! لتنسج خيوط القمر الفضي من الدم ودموع البوح الحانية، إرادة وليم ولانجور وسلوى وباناو والمندكورو وبيدبا، ليتسلل فعل هذه الارادات يخصب عوالم مجروحة الهُويات والتواريخ والجغرافيا والأحلام!
وفيما كان سُعود في العلَن يُقدِم نفسه في برنامجه الديني التلفزيوني، كمجدد صاحب رؤى جريئة، جعلت الآلاف من شباب وشابات البلاد الأسيرَّة المحبطين، والذين أنسدَّت أمامهم آفاق المستقبل، معجبين به ومتحمسين له، لدرجة الاعتقاد في أنه صاحب كرامات خارقة، كانت حياته السرِّيَّة على النقيض تماما!
ورُغم الستار الحديدي، الذي علَّمه الغَرِيقْ كيف يُحيط به حياتهِ الخاصَة، إلا أن قُدرَّاتِ عُتاة الفضوليين، الذين تجذرَّت أُنوفِهم في تاريخ هذه المَدينة الضَّالة، لم يكن ثمَّة ستار بقادرعلى حجب حساسية شهوَّة الشَّم الأسطورية لأُنوفِهم، التي أنِفَت مِنها الأُنوف!
ولذلك لم يكن غريباً أن تتسرَّب شائعات مجهولة المصدر من آن لآخر، تُلقي بصيص ضوء على واقعة بطلها الغَرِيقْ، أو حادثة كومبارسها سُعود ذات نفسه!
حتى أن بعض المعاشيين المصابين بالزهايمر –الذين يَحِنُون بصورةٍ غامضة، إلى ماضيهم الذي يبدو كثيفا، في غمرَّة معاناتهم أمراض الضغط والسكري والمصرَّان– من جلساء وندماء أولئك الفضوليين العُتَاة، كانوا يتجرأون دون حَذَر على السُخرِية المُرَّة من سُعود والغَرِيقْ، عندما يَرون الأول يستضيف الثاني، في غالب حلقات برنامجه التلفزيوني البائس! وهم يتسآلون عما يُخفِيه هذا التكرَّار المُمِل، من أجندة، لا مُحالة ستُغطِّس حجر البلاد الأسِيرَّة الآخير، بعد أن شيد الغَرِيقْ، قصره العشوائي الفاخر، من أنقاض الحجارة تلك نفسها، التي شُيِدت بها البلاد الأسيرة، عبر تاريخها الطويل الضَّال المضلِّل!
لانسينغ. يونيو 2020

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق