قراءات ودراسات

بوجدرة يتكحل بالبارود في كتابه ” زناة التاريخ”

بقلم الأستاذ: بن سخري زبير
​​

يعتبر الروائي الجزائري رشيد بوجدرة من أكثر الأصوات حضورا وحيوية في الواقع الفكري الجزائري لإيمانه العميق بالحرية ولمعايشته تاريخ الجزائر الحديث من الثورة إلى الاستقلال إلى بداية الألفية الجديدة حيث تشحن كتاباته العالمية بالتاريخ والأدب والفلسفة مع مسحة المفكر الذاتية التي تدل على اقتدار واطلاع ثقافي كبير.
قرأت كتابه “زناة التاريخ” متأخرا سنتين على الأقل وبقدر ما تعجبك أفكاره وسعة اطلاعه إلا أننا نختلف معه على الأقل كجيل مغاير لجيله في رؤيته للتاريخ ولوطننا العزيز والجميل الجزائر، وكانت هاتان السنتان كفيلتان بقلب التاريخ وتوفير مادة للمساهمة على الأقل في رؤية الأستاذ بوجدرة نقدا أو توسعة للأفق وكلي إيمان براحبة صدره واتساع أفقه، ولست أدعي تمثيلا لأحد بقدر ما أعكس رؤية موجودة حقيقة في جيلي، لم أقرأ الردود التي كتبت حول الكتاب حتى لا تشوش رؤيتي للموضوع وأكون مسؤولا عن أفكاري كما كان الأستاذ بوجدرة.

1.إيديولوجيا مجزوءة:
​​يندرج عمل المفكر رشيد بوجدرة ضمن الكتابات الوطنية البعيدة عن كل فعل سلطوي توجيهي والساعية لإيجاد حوار متعادل بين الضفتين الفرنسية/ الجزائرية إلا أن الضفة الأولى ترفض أي حوار مطروح بشروط الضفة الأخرى والمتمثلة في أصوات بوجدرة وغيره من شخصيات سياسية وإعلامية ومؤرخين وأساتذة جامعيين وأدباء إلى درجة أن أصبحنا نشعر أن ما يفعله هؤولاء هو فعل مقاومة وتحرر جديدين لا يختلف عن سابقه لما للضفة الأولى من أذرع أيديولوجية داخل حتى السلطة الوطنية وهذا ما تحاشاه المفكر بوجدرة ويتداوله المجتمع الإعلامي والسياسي والشعبي بقوة إلى درجة أن يصرح في آخر الكتاب تصريحا أثار دهشتي واستغرابي،” فوجئت بحضور السيد سعيد بوتفليقة الذي صرح لي عن تعاطفه وعن غضبه إزاء هذه التصرفات. فشكرته على ما قام به ولم يقم به أبدا بعض الأصدقاء وبعض أفراد ما يسمى بالمجتمع المدني الذي شعرت عند بعض افراده شعورا غريبا: الاحتشام واللامبالاة” متى كان مستشار الجمهورية سيدا مدنيا وقد عاث فسادا بالعباد والبلاد وكل ما هو وطني وجميل كالمجتمع المدني الذي يتمناه بوجردة وقد شل جملة وتفصيلا بجمعياته واحزابه ونقاباته تحت وصاية مستشار رئيس الجمهورية، ناهيك عن الشخصيات السياسية الهاربة من الجزائر بعد فيفري 2019م المتورطة كامتداد طبيعي للضفة الأخرى وتمثلها أحيانا أحسن تمثيل بل يتجاوز حتى الممارسات الديبلوماسية الرسمية بين الدول، فبقدر ما كشف بوجدرة عن تمظهر أيديولوجي في الإعلام والصحافة والجوائز الأدبية، فضل اجتزاء هذا التمظهر وحصره في الضفة الأخرى فقط وربطه بأشخاص مثل كمال داوود، ياسمينة خضرة، بوعلام صنصال، فريال فورون، وسيلة طمزالي، سليم باشي، غافلا عن التمظهر الداخلي المؤسساتي أحيانا إما خوفا أو من باب المعلوم وهو يشير إلى تورطها بالمال والنفوذ، وهو الأخطر واقعا وفعلا ” والغريب في الأمر أن رواية “يسمينة خضرة” قد اقتبست من طرف اليكسوندر اركادي وهو من أصول يهود الجزائر ومعروف بانتمائه لإسرائيل واختياراته الصهيونية والدفاع عنها بطريقة متعصبة، وقد تحصل هذا الفيلم على مساعدة مالية من وزارة الثقافة الجزائرية!”، فهذا التجزيء خرج بالكتاب من التنظير إلى الآراء حتى جعل من بوجدرة المفكر كاتبا انطباعيا.

2.ظل الأنا وختم التاريخ:
​​أن تتعملق الذات نهاية وجودية طبيعية أما أن تتجاوز صورة المرآة إلى ضخامة الظل فلا يليق بالفكر بقدر ما يليق بالإبداع، في أكثر من موضع يكرر بوجدرة “…وعند سماع هذه الكلمات تأثرت كثيرا أنا المحكوم عليه، في تلك الفترة بالإعدام من طرف الإرهاب الإسلماوي!، أنا الذي كنت أعيش تحت حماية الأمن الوطني!، أنا الذي كنت أحمل مسدسا لحماية نفسي!، أنا الذي كنت متنكرا وأحمل شعرا مستعارا ولحية كثيفة، أنا الذي كنت أحمل في جيبي أقراص الـ cyanure!”، وفي مقطع آخر” …أنا الذي عشت في سرية تامة داخل الوطن الذي سلمني مسدسا وجعلني تحت رقابة شرطيين وأسكنني في مجمع موريتي حيث كنت أعيش في شقة بجوار اللواء ليامين زروال والروائي الوسيني الأعرج. وكنت كذلك متنكرا وأحمل شعرا اصطناعي ولحية طبيعية كثيفة وأتقمص القميص الإسلماوي لتغليط الإرهابيين. ” أليس الحرب خداع كما كان يردده الإسلاميون؟”
​ثم يستمر في التعريض بالكاتب ياسمينة خضرة كنوع من الردود الشخصية التي نسمعها فوق السطوح يوم الغسيل” …أنت كنت آنذاك ضابطا في المخابرات العسكرية وكنت تمتهن مهنتك وتتقاضى لهذا السبب راتبا ضخما! أما أنا فلا!، وبالعكس فأنا أصدرت –آنذاك- كتابا ضدالإرهابيين تحت عنوان ” كراهية الـ Fis” وأنتم لم يصدر لك شيئا إلا الصمت!، وأضيف كذلك أنك ركضت وراء منصب مدير المركز الثقافي الجزائري في فرنسا ونلته بعد فترة طويلة وبعد أن أزعجت وأكرهت الوزيرة المسؤولة عن قطاع الثقافة، آنذاك، أما أنا فلم أركض ابدا وراء المناصب بل رفضت لمرتين اثنتين منصب وزير الثقافة في عهد الشادلي بن جديد وفي عهد ليامين زروال! كما رفضت منصب مدير الآداب والفنون في عهد خليدة تومي كوزيرة الثقافة! هل من مزيد يا حضرات؟!”، أظن أن رفض الاستوزار موقف ورؤية أما أن يكون مفخرة ومعرة للغير فلا أظن، ناهيك على أن يصرح سبب رفضه الاستوزار، وهل يقترح بوجدرة أسماء أكثر نزاهة ووطنية وتمثيلا لطبيعة النظام تستحق المركز الثقافي الجزائري، وقد أصبحنا نفاجأ بمن يرفض الاستوزار في بلده مقابل الجنسية في الضفة الأخرى.
كما لا نجد له أي إشارة للأزمة السياسية التي عرفتها الجزائر كغيرها من الدول العربية الإسلامية الأخرى على طول الكتاب، وكأن الإسلاميين شر مطلق انتهى عندهم التاريخ، وليس دفاعا عن أي مشروع بقدر ما هو فتح مساحة ومجال الحوار حتى لا تتكرر أخطاء يروح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى آلاف المفقودين وخسائر مادية تقدر بعقود من الزمن بدل الدولار، فكيف تشمع تاريخا بالأحمر عاشته الجزائر ومازلنا ندفع ثمنه وتدافع عن تاريخنا العظيم وقد مر عليه أكثر من نصف قرن، وأنت في كتابك تلوم الدولة الفرنسية لتنكرها لتاريخ ثورتها وقيمها، فكيف نتصالح مع تاريخنا إن شمعناه وفرضنا عليه رؤية أحادية، قد يكون الوقت غير ملائم ولا نملك من الإمكانيات ولا الكفاءات القادرة على فتح التاريخ للحوار فما بالك المحاسبة من كلا الطرفين، ولكن التاريخ سيبقى تاريخ، كما ظهرت حفيدة الآغا سيظهر يوم ما حفيد العسكري وحفيد الإرهابي، وعيش بوجدرة متخفيا لا يختلف عمن عابهم بالهروب والسكوت، فإن وجدت من يحميك ويحرسك فأولئك أبناء الشعب الذين عاشوا وأهليهم بصدور عارية وفي عز الأزمة، وفقدوا بيوتهم وأولادهم وقوت يومهم.
كما أن تاريخ الثورة الجزائرية كان موضوعا أكاديما في العالم بأسره لأثره الكبير في حركة التحرر وإعادة ترتيب بيت الإمبريالية ولا تخلو كتابة مفكر أو فيلسوف أو أديب في النصف الثاني من القرن العشرين من الإشارة إليه وإلى رموز ثورة التحرير الكبيرة، ولكن التاريخ صنعه البشر حتى في معركة بدر العظيمة أشار الله عز وجل لمشاركة ملائكته حتى لا يأسطر المسلمون عقولهم وتاريخهم وأن التاريخ تحكمه شروط موضوعية وهو قراءة مستمرة محدودة حتى ينسل التاريخ من نسج الحاضر، وبوجدرة أعلم أن أرشيفنا عالق.

3.مدرسة التابع وقراءة التاريخ:
​​إن بناء دولة وطنية جزائرية حقيقية – يستطيع فيها أستاذ جامعي أن يشتري ويقرأ كتاب بوجدرة في وقته وغيره من الكتب- هي أن تسمع كل الأصوات التي تقرأ التاريخ، وأن ترفض أي قدسية للتاريخ حتى يتخلص الحاضر من تعدد الماضي؛ لأن التعدد والاختلاف واللايقين حقيقة الماضي، فقد ظهر في الدراسات التاريخية والثقافية في الهند مدرسة التابع- كتحصيل لفلسفة ما بعد الحداثة الأوروبية- التي تعيد قراءة التاريخ خارج السياسة والنخبة السياسية، بل تضيء القوى التاريخية الأخرى التي غيبتها الإيديولوجيا الاستعمارية ثم الوطنية بعد الاستقلال؛ من القوى العاملة وتوزع الثروة إلى القبلية والجهوية إلى المرأة إلى الوضعية الأنثروبولوجية الاجتماعية إلى الجغرافيا الثقافية حتى إلى مستوى السرديات الذاتية العائلية، لأننا بعد قرنيين أو ثلاث سيخبو هذا التاريخ وتحل محله تواريخ أخرى وتتضح رؤيتنا للماضي أكثر بقدر ما توفر من أرشيف من كل الجوانب.
فلماذا نجعل من ثورة نوفمبر لحظة وحيدة في هويتنا وذواتنا في بناء دولتنا الوطنية على أهميتها في تاريخنا الحديث والمعاصر، والإسلام الثقافي في الجزائر تاريخيا اعتبر كل اللحظات وكل الهويات وكل اللغات مع تخليص جوهر الإنسان من كل استلاب، ناهيك عن تحيين المجايلة، فمن ولد في بداية الألفية عاش سرديات بعيدة كل البعد عن واقعنا السياسي، فجبهة التحرير التي نودي بانتهاء دورها في فيفري 2019م ليست نفسها التي يدافع عنها بوجدرة في كتابه أو التي يتزين بها نشيدنا الوطني، فالزناة من الجانبين.

4. بثور الوجه وصدى الفشل:
​​إن معظم النماذج التي اعتمدها بوجدرة في كتابه من جزائريين فرنكفونيين وفرنسيين يكتبون بالفرنسية في الأدب والصحافة ، وينتجون أفلاما سينمائية عددها بوجدرة ولا تتجاوز عشرة أفلام يراد عرضها في بلد لا توجد به سينما وربما ليست حتى متوفرة حتى على مواقع الإنترنت للتحميل المجاني، وما يكتبونه لا أظنه يصل للقارئ العادي بقدر ما تمثل حرجا سياسيا في أوساط معينة دون غيرها، فكما أشار بوجدرة لنسبة المطالعة المتدنية وانغلاق المجال أمام الحريات والتعبير، فإن كان بوجدرة وما أدراك من هو حوصر إعلاميا فكيف للنخب الوطنية أن تتصدى لهاته الأصوات الناعقة، فالحرج الذي تسببه مثل حرج “حب الشباب” لا يعنى به باقي الجسد بل هو حرج استطيقي يريد صرف الدولار على تحسين الواجهة وتغييب الأسئلة الحقيقية؛ لأن أغلب الدول الوطنية سقطت في فخ النرجسيات ودولة الأشخاص بدل دولة المواطنة، فحفيدة الآغا دخلت البرلمان وحاضرت فيه، كما نظمت رحلات للأقدام السوداء في السنوات الأخيرة ومطالبتهم باسترداد أملاكهم، وفي المقابل لا يستطيع الفرد منا لقاء والي ولايته أو ممارسة عمل نقابي على المستوى الوطني بكل حرية، كما غاب عن بوجدرة في كتابه أن فرنسا الاستعمارية تحاول أن تجعل الحوار داخليا في ضفة واحدة تحت رعايتها وفوق أرضها فقط كنوع من الحياد، فأغلب من يكتبون ضد الثورة أو من يطرحون رؤية مغايرة إما جزائريون أو ولدوا في الجزائر.
إن الاستماتة السياسية في الدفاع عن تاريخ الثورة له غرض واحد هو إخفاء الفشل وصداه الصاخب في حياتنا اليومية؛ لأن كل تلك الكتابات المسيئة تحتاج وقتا فقط وتنتشر، فبين رافض ومناقش ومحلل، وشبه اتفاق على أن الثورة حققت هدفها وانتهى، أما ما بعد الاستقلال فهو الذي ينال هذا الحيز الكبير من النقاش والسؤال.
إن رفض الدولة الوطنية في إعادة طرح أسئلتها التأسيسية التي تطالب بها أجيال الاستقلال داخليا -وحتى أبناء المهجر كامتداد للدولة الحديثة بعد الاستقلال- هو ما يسمح أن نكون فضاء لصدى النعيق البعيد والخافت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق