ثقافة السرد

“كوفيد الصغير”

لطيفة لبصير*

فتحت الباب، وجدت أبي يصطحب معه طفلا صغيرا، يبدو أنه في حوالي السابعة من العمر، شبيه بالأطفال الفقراء الذين قرأت عنهم في إحدى القصص الجميلة. تذكرت بعض العبارات التي كنت أحفظها لأن المدرسة كانت تصر على ذلك! ربما كي نكتب إنشاء سليما، فبدأت توا أرددها في نفسي وأنا أحدق في الطفل: مشعث الشعر، متسخ الوجه…لكن عيني أمي جعلتني أتساءل معها من يكون هذا الطفل؟ !

وجه أبي مرح أكثر من المعتاد، قال لنا دون أن يكترث كثيرا:

– هيا نهيئ حماما ساخنا لهذا الحمل الصغير؟

بدأت أمي تضجر من إصراره الغريب، واحتدت نبراتها فقالت:

من يكون هذا الطفل؟ ولم هو هنا؟

أجاب أبي وقد زادت عيناه بريقا وكأنه اكتشف قارة ما:

إنه بدون مأوى، وجدته وحيدا يبكي والشارع فارغ فجئت به كي يعيش معنا…

كانت أمي قد بدأت تفقد صبرها فصرخت في وجهه:

أنت أحمق يا رجل ! في زمن الكورونا تحضر لنا “كورونا” تمشي على قدميها…

وبسرعة بدأت أمي تهيئ حقيبتها للرحيل، لكنني اعترضت طريقها وقلت :

– هل تتركينني وحدي يا ماما…مع هذا الكو..؟

من الغريب أن أبي لم يلتفت إلينا، أدخل الطفل إلى الحمام وترك الباب مواربا، أطللت برأسي وباغتتني الدهشة، كان أبي يفرك الطفل كأنه يفرك خضرا تعفرت بالتراب، وكان الطفل منتشيا بالماء يصدر حركات مرحة، وحين أكمل حمامه أخرجه وقص شعره فبدا طفلا آخر جذابا و مختلفا.

غضبت أمي من فعلته، لكنها لم تشأ أن تتركني…كان أبي قد اتخذ قراره بهذا الشأن، وقال لها بلطف:

– إنه فعل خير يا امرأة وسيكون أخا لوحيدنا كريم…

أمي وقد بدا عليها الهلع:

– يا رجل، نحن في زمن أغبر، لا نكلم أحدا ولا نسلم على أحد، وأنت أحضرت لنا الكورونا إلى المنزل؟

بدت ملامح الطفل جميلة وآسرة وهو يبتسم ابتسامة صغيرة. كنت قد بدأت أدور الفكرة في رأسي: كيف يصير لي أخ بهذه السرعة؟ أين نبت حتى بلغ لهذا السن؟ ولماذا لم أره من قبل!؟

وللتو خطرت ببالي فكرة ماكرة، فقلت:

– أبي، لم لا نسميه كورونا؟

قطبت أمي حاجبيها مستغربة، ضحك أبي عاليا ثم قال :

– والله فكرة، لكن يستحسن أن نطلق عليه اسم كوفيد، كوفيد أجمل…

واتجه نحو الطفل وقال له:

– من اليوم أنت اسمك كوفيد، ما رأيك بالاسم؟

ابتسم الطفل ابتسامة رضا واسعة، يبدو أنه أعجب بالاسم، لكنه بقي ساكتا، كرر أبي السؤال:

– ما رأيك؟

لم يجب الطفل، بل تمتم بما يشبه كلمات متقطعة، أدركنا من خلالها أن الطفل لا يستطيع أن يكون جملة واحدة مبينة، فقط، بعض الحروف بالكاد تسمع …ربت أبي على كتفه، وقال لي:

– ها صديق لك.. يمكنك اللعب معه، رغم أنه يصغرك قليلا، لكن لا بأس…

كنت دوما أتمنى أن يكون لي أخ، فلطالما شاهدت أبناء الجيران، ورأيت الإخوة يلعبون معا، وكثيرا ما انتابني الملل حين ألعب وحدي، خاصة حين قالت لي أمي بأننا سنحبس في المنزل لأن هناك حيوانا شرسا بالخارج يخطف الأطفال، أما اليوم فمعي طفل صغير يلعب معي اسمه كوفيد وإن كنت لا أفهم غمغماته.

كانت أمي مغتاظة، وبدت على غير عادتها مرعوبة، وهمست في أذني بأن هذا الطفل هو من تتحدث عنه الأخبار وبأنه ينقل العدوى والمرض والموت، تملكني الرعب، حتى أنني وضعت الكحول بجانب اللعب فصار الطفل كلما حمل لعبة في يده؛ آخذها منه، أمسحها بالكحول، ألعب بها، ثم أعيدها إليه.

كنا نقضي اليوم كله ونحن نلعب، لكن يدي لا تنفكان تمسحان بالكحول، ثم أذهب بين الفينة والأخرى لأغسل يدي بالصابون مرات ومرات حتى السأم، لكن كوفيد كان لطيفا جدا، وكان يحدق في بدهشة توحي أنه لا يفهم شيئا مما أقوم به! لكن، شيئا فشيئا، بدأت أعتاد عليه في المنزل وأحصن نفسي منه لأن عيني أمي ونظرتها الغاضبة كانت تخيفني جدا.. ثم حدث أن بدأت أسمع هذا الاسم كثيرا في نشرات الأخبار وعلى رسائل الوتساب أو حين أتصفح فيديوهات اليوتوب، حتى أن اسم هذا الطفل بدأ يطاردني في كل مكان، فأصرخ في الليل دون أن أشعر:

كوفيد …كوفيد…كوفيد…

وأستيقظ خائفا. وقبل أن تصل أمي، أجد وجه الطفل وأسنانه الحادة تطل علي، فينتابني الرعب، فتبعده أمي عني بغير رفق، وهي تقول لي:

– الله لا يسامح والدك الذي ابتلانا بكوفيد هذا في زمن…

لكن كوفيد بدا سعيدا، أحضر لي كأس ماء، وهو يبتسم…أمي تنظر إليه وتأمره بأن يعود إلى فراشه بينما أستأنس أنا بوجهه البريء.

في هذه الأيام العصيبة التي حبست فيها في المنزل، صار كوفيد صديقا لي، بل إنه كثيرا ما أدخل البهجة في قلبي، حتى أن أمي بدأت تغير نظرتها نحوه، وشيئا فشيئا، أخذت توصينا نحن الاثنان بغسل اليدين وتعقيمهما، بل إنها قالت لنا بأن نغسل الأيادي سبع مرات ونمسح أدواتنا سبع مرات… فصرنا نمسح المائدة سبع مرات ونغسل أطرافنا سبع مرات، ومع مرور الوقت صار كوفيد أبيض قليلا وبرزت ملامحه الشقراء التي كانت مختفية! لكننا، كلما سمعنا عدد الأموات يعود الهلع إلى ملامح أمي، وتضجر من كوفيد الصغير؛ تطارده وتضربه، حتى استحال تعيسا ومرهقا! وفي يوم ما، استيقظت صباحا وفتشت عنه كثيرا لكنني لم أجده، كان قد غادر إلى المجهول.

حزنت كثيرا إذ لم يعد هناك أخ صغير يلعب معي، وصارت اللحظات التي نجتمع فيها على المائدة ثقيلة جدا، و مرة قال أبي: إن كوفيد هذا بريء لم يرتكب ذنبا سوى أن العالم أهمله واستهان به…

ومن مدة، لم يتغير شيء، كنا ننتظر في كل يوم أن يحدث شيء ما، حتى أن أمي منعتني من إطلالة خفيفة من النافذة، وبدا الشارع بعيد المنال!

أتذكر هؤلاء الأطفال الذين يعيشون تحت ظل القمر، ولا يرون أشعة الشمس. القصة تقول إنهم أبناء القمر… يبدو ذلك خرافيا.

… في مساء هذا اليوم، كان على الشاشة شريط عن أبوين توفيا من جراء كورونا، وكان ابنهما الصغير يبكي بحرقة … تغير مزاج أمي ودخلت في نوبة عصبية وراحت تحتج على هذا الشر الذي اجتاح العالم والذي لا يرحم لا الصغير ولا الكبير.

لها : كان ينبغي إذن لا تطردي كوفيد الصغير من منزلنا يا ماما..

نظرت أمي إلي باستغراب وسألت:

– من كوفيد الصغير ؟ !

– الطفل الذي أحضره بابا وعاش معنا أياما …

كان أبي ينظر إلى بدهشة وهو يقول لي:

– عن أي طفل تتحدث ؟ أنا لم أحضر أي طفل للمنزل يا صغيري !

ارتسمت علامات الذعر في عيني أمي وبسرعة تحسست جبهتي وصرخت:

– يا إلهي، الطفل يهذي، إن حرارته مرتفعة، ما الذي علينا فعله؟

*كاتبة من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق