ثقافة المقال

قصص في زمن الطاعون: (كتاب الديكاميرون)

بقلم/ مصطفى رشوان

على مر القرون تعرض الإنسان للكثير من الأزمات التي تعلم منها وأجاد في استخدام طاقته الفنية والإبداعية ليخلق الجمال من رحم المعاناة، على حجم ومقدار الخراب والدمار الذي كان يشهده من بداية الخليقة، على قدر استلهامه للفن والأدب والموسيقى، كانت مهمة التجربة صائبة في توصيل رسالتها، ولعل من أصعب تلك الأزمات هي تعرضه للمرض والوباء والموت فنجد أن التجربة الإنسانية لها بالغ الأثر في إظهار الجديد والمختلف واكتشاف الجوانب الأخرى للإنسان والحياة.

الأدب الإنساني هو واحد من تلك التجارب التي يقدمها فيعرض من خلالها نوعاً خاصاً لايصال الكارثة بصورة دراماتيكية لتصل إلى الحس وتحلق في الخيال.
من ضمن هذه التجارب التي تحولت إلى أول عمل قصصي في التاريخ، أو بشكل أوضح كانت هي بداية الخيط لظهور فن القصة القصيرة، هو كتاب (الديكاميرون)
أو (الأيام العشرة) للكاتب الإيطالي (چيوفاني بكاتشيو)، يعتبر هذا الكتاب ملحمة إنسانية لدرجة تباهي إيطاليا به واعتباره مقارنة بكتاب (الف ليلة وليلة)
عندما نفتح كتاب الديكاميرون نجد أننا نعيش لحظات تاريخية مأساوية، فليس فلورنسا وحدها حيث أنها كانت منبع الفكرة ولا إيطاليا وإنما أوروبا بأسرها تحولت إلى مسرح يجتاحه وباء رهيب قضى على ربع سكان القارة الأوروبية ولم تنج من الوباء أي بلد منها.

يضم (الديكاميرون) مئة قصة تروى خلال عشرة أيام، على ألسنة عشرة أشخاص صغيري السن، هم سبع نساء وثلاثة رجال، يلتقون في كنيسة (سانتا ماريا) ويتفقون على الهرب من وباء الطاعون الذي اجتاح فلورنسا ذلك الحين في عام ١٣٤٨م، ويذهبون للعيش في فيلا كبيرة في الريف.
يبدأ الكتاب بوصف دقيق لإنتشار الوباء وأن الحياة أصبحت تنتهي بمرور الوقت والموت هو المسيطر على كل شيء “متخيل حجم الكارثة؟! وباء يقضي على ربع سكان القارة حوالي خمس وعشرين مليون شخص في أوروبا”

أجاد (بوكاتشيو) في خلق طرق جديدة للسرد القصصي حيث للمرة الأولى تظهر آليات كتابة القصة القصيرة من حيث “الطريقة والشكل”، تعامل مع الواقعية كرسّام يتفقد خطوط لوحته الباهتة.
وباء وموت ومرض وجوع وحب وجنس وفقر وترقب وخيانة. قصص مختلفة، إنسانية نسائية تتسم بروح العصر والحقبة الإيطالية، في ذاك الحين كانت الأولى من نوعها وستظل سابقة لظهور الأدب في أوقات الأوبئة.
يعتبر كتاب الديكاميرون شكل أدبي تجلىّ من رحم المعاناة.. انتهى عصر الطاعون وجاء عصر كورونا فهل سيحفل الواقع بمثل هذه الأعمال؟ وظهور أشكال أدبية جديدة لتغير من الأشكال النمطية التي اعتدنا عليها ويصبح لدينا عمل أدبي نتباهى به مثل كتاب “الديكاميرون”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق