ثقافة السرد

مقال أُعِدَّ للنشر

 أحمد أعراب

صباح ذات يوم بارد ،كان الثلج يتساقط خفيفا وراء زجاج النافذة. اقتربت قليلا لأرى ،كان كل شيء خارج البيت قد تخلى خلال الليل عن لونه وشكله وتقمص بياض الثلج وامتداده على الربى القريبة والبعيدة.
وانا اتابع تساقط الثلج ،أحسست بقشعريرة برد تسري في جسدي صعودا من اخمص القدمين حتى آخر شعرة في رأسي فعدت إلى الفراش على أمل استدراك الوقت المقتطع من زمن النوم في أول الليل حيث كان علي أن أنهي مقالا كنت أعده للنشر عن عودة فرسان الهيكل وسفك الدماء الزكية الطاهرة واغتصاب الطفولة البريئة ومصادرة الزغاريد التي كانت تميز حفلات الأعراس في هذه القرية النائية فوق الجبل.
كان كل شيء يبدو ساكنا هادئا صباح هذا اليوم الثالث عشر من السنة الجديدة. على غير عادتهم لم يخرج الناس باكرا لمزاولة أشغالهم وبدء رحلة جديدة من رحلات الكدح اليومية التي لا تنتهي الا بمجيء الليل وانتشار ظلاله على ربوع القرية.
بعد حوالي ساعة تقريبا ايقظني صوت نقر خفيف على زجاج النافذة كنقر العصفورة لحبات القمح على طبق من زجاج ،كان الثلج يتساقط كأزهار اللوز ويصل إلى نافذة بيتي كويرات بلورية صغيرة إيذانا بانخفاض الزئبق إلى أدنى مستوياته في المحرار المعلق على الجدار من يوم عودتي من أحد اسفاري خارج الوطن.
تركت الفراش متجها نحو دورة المياه وانا أفكر في مواجهة رئيس تحرير الجريدة حتى لا يعمل مقص رقابته ليعيث فسادا في فسيفساء المقال الذي أدرجت فيه حقائق عن آخر رقصة من رقصات الضباع على جثث رفضظت الا أن يواريها التراب مضمخة في دماءها الزكية على نغمات انشودة الحرية والكرامة تقرع اجراسها زغاريد أمهات ثكالا ونساء حبيسات وراء أبواب موصدة بقرار صيغت بنوده وخطت بمعايير آخر صيحة على درب بناء دولة الحق والقانون التي بشر بها كبار منظري الديمقراطية بعد أفول نجم الحرية والكرامة على عهد حفدة هولاكو واسلافه الطغاة القساة.
قبل مغادرة البيت وكنت قد تناولت افطاري على عجل، وقفت أمام المرآة ألقي نظرة على صورتي وكأنني أريد التأكد من ملامح وجهي ، من انسانيتي ، أو على الأقل ما تبقى منها بعد ما رأيته وسمعته من فضاعات اجتثاث كرامة الإنسان تنكيلا وذبحا وتقتيلا في ظل شرعية تمتد جذورها عميقا في تاريخ الهمجية والوحشية التي قيل أنها ولت إلى غير رجعة بعد تدشين عهد جديد يستن بقوانين جديدة على درب دولة الحق والقانون دولة الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية وكثير غيرها من المفاهيم المؤثثة لعوالم اللغة والخطابات التلفزية المعدة بإتقان لتنشيط الحملات الانتخابية، والخرجات الإعلامية لكثير من المسؤولين الذين تنكروا لوجوههم الكئيبة البئيسة ما قبل الانتخابات وارتدوا اقنعة من صوف ووبر ماعز ناعم المرأى ، خشن الملمس، لتمرير خطاباتهم بسلاسة ، باسم القانون ، باسم الديموقراطية… واشياء اخرى مما لا يعلمه إلا ذوي الاختصاص في امتصاص دماء الفقراء البؤساء ونهب واستنزاف كل مقومات وشروط اقلاع اقتصادي حقيقي بالبلاد.
امتطيت سيارتي التي ظلت ترافقني سنين عملي الطويلة التي قضيتها في خدمة حرية الراي والتعبير … حرية الصحافة ..وأشياء أخرى مما تعلمناه من تجارب الدول والمجتمعات الديموقراطية التي قامت اول ما قامت على مبدإ ربط المسؤولية بالكفاءة وبالمحاسبة في ظل قوانين وشرائع وجدت اصلا لحماية الافراد والمجتمع من تسلط الدولة وبطش من هم في مراكز اتخاذ القرار وتدبير الشأن العام.
كانت الطريق مكسوة بطبقة سميكة من الثلج الذي تساقط طوال الليل وكف عن التساقط في تلك الاثناء وكأن السماء افرغت ما في جرابها واختفت وراء غيوم داكنة لا تسمح برؤية الشمس . كان علي ان اقود بحذر شديد كسياسي مبتدء يخاف ان يفلت من يده زمام القيادة ويخسر الكرسي الجالس عليه والمدر لربح كثير. تمايلت السيارة وهي ترسم اثر عجلاتها على الثلج ، كان البرد قارسا ، وكان المحرار الذي بسيارتي يشير الى ادنى مستويات الحرارة ، التي لم يبلغها من قبل ، كان الصقيع يلف القرية واهلها مانعا الحركة خارج البيوت التي تكللت جميعها بالبياض والبؤس.
بعد حوالي ساعة من الزمن ، وهي ضعف المدة التي أستغرقها لقطع المسافة ذاتها في الايام العادية . ركنت السيارة غير بعيد عن مقر الجريدة، دخلت بوابة العمارة ، القيت التحية على عمي علي البواب الذي يصد الغرباء عن العمارة ويمنع دخولهم وفق ما يمليه عليه عقد عمله الذي يربطه بالسكان . لم تكن العمارة تتوفر على مصعد كهربائي، وتلك كانت مزية في مثل هذا الجو البارد كالصقيع، حيث الصعود الى الطابق الثالث يضطر حركة الدماء التي كادت تتجمد في عروقي لتستعيد نشاطها مع ارتفاع درجة حرارة الجسم وانا اطوي الدرجات الى أعلى .
كان رئيس تحرير الجريدة السي عبد الدايم الذي تجاوز الستين سنة من عمره جالسا الى مكتبه يفرك يديه من شدة البرد عساه يستطيع تحريك اصابعه وهو يقلب الاوراق ويسجل ملاحظاته على المواد المعدة للنشر . السي عبد الدايم في بداية مشواره الصحفي ، كانت علاقته بالسلطات الموكول لها تدبير الشأن الاعلامي بالبلاد على غير ما يرتضيه كل ذي قلم حر يسخره لخدمة القيم النبيلة التي يفترض ان تقوم عليها مهنة الصحافة والإعلام بعيدا عن ابواق الحاكمين المتسلطين على أعناق العباد وارزاقهم . لهذا السبب كان حريصا على تفادي اي شيء يمكن ان يهدد بايقاف الجريدة كما حدث في مرات عديدة ، وهو الرجل الشيوعي السابق الذي عانا كثيرا من كل انواع التضييق والتهديد الذي غالبا ما كان ينتهي به في احدى الزنازين الباردة المنتشرة في كل مكان متربصة بحياة وحرية معارضي النظام واقلامهم العصية عن كل الاغراءات المادية والمعنوية التي استمالت كثيرا من الاقلام الزائفة التي اتخذت مدادها من دماء المقهورين والمستضعفين ودموع ابنائهم واراملهم.
كانت علاقتي به قبل ان يصيبها نوع من الفتور والريبة معا منذ شهور خلت ،مختلفة عن باقي الزملاء الذين كانوا يشاركوننا همَّ استمرار الجريدة والحفاظ على خطها الاعلامي المتميز في الساحة الاعلامية المحلية الى جانب منابر أخرى تعاني هي الاخرى من ضعف الامكانات المادية والمالية ومختلف انواع التضييق ومصادرة الحق في التعبير . القيت التحية ، اشار إلي بالجلوس دون ان يرفع راسه عن الورق المبسوط امام عينيه . بعدما فرغ من تمحيص ما كان بين يديه ، ناولته المقال الذي لم يكن ينقصه غير العنوان الذي تعمدت عدم كتابته حتى لا اصدمه من اول نظرة له عليه . اخذ يقرأ وانا اتابع قسمات وجهه التي تدل عما ستنتهي اليه قراءته ، ولم يكد ينه قراءة المقال حتى تيقنت انه لن يوافق على نشره دون إعمال المقص وتغيير كثير من فقراته ، غير انني في المقابل كنت غير مستعد للتنازل عن حرف واحد من حروفه .امسك الورق لفه كما يلف المدخن سجائره قبل ان يشعل فيها النار. نظر الي زمنا بدا لي كأنه الدهر كله ، ولو لا اني كنت احترمه واقدر غيرته على الجريدة ورغبته في استمرار صدورها رغم ما تتعرض له محتوياتها من بتر وتغيير ارضاء لمن في يدهم مقص الرقابة، لصدر عني موقف آخر غير انتظار رد فعله وكأني استجدي صدقة او معروفا. اخيرا انفرجت شفتاه عن ابتسامة ماكرة قبل ان يسالني عن عنوان المقال. بابتسامة مماثلة كان متعودا عليها قلت له : لنسميه باسمه ” حراس المعبد الجدد “
دون الرد ، راح يتامل المكتوب في الورق تحت عنوان ” حراس المعبد الجدد ” ، توقف عند فقرة ، قرأها بصوت مسموع ، فقال لي : أتريد ان اوافق على نشر هذه القنبلة التي قد تنفجر في وجهينا معا قبل ان تصل الى يد القارىء . أكنت واعيا وانت تكتب ما كتبته ام كنت كعادتك تحت تاثير تلك المهدئات كما تسميها.
اجبته قائلا : على يدك تتلمذت وتعلمت اخلاقيات مهنة الصحافة ونبل رسالة الصحافي، انت ذاتك كنت تقول دائما ، الصحافي الذي يسكنه هاجس الرقابة الذاتية ، هاجس مصادرة الجريدة ومعها حرية الراي والتعبير وضرب مبدإ التعددية والاختلاف في الرأي ، ما هو الا حيوان مدجن حتى لا يشذ صوته عن صوت القطيع يثغو ثغاء النعاج وينهق نهيق الحمير . ما هي رسالتنا في مجتمع يتنفس الفساد مع اول نسمات الصباح ، يتجرع مرارة الظلم والهوان وينصاع اهله كالقطيع يساق الى المذبح عند الغروب او مع اطلالة الفجر.
نظر الي والحسرة تغشى بصره ، غابت عنه لغة الحوار وفصاحة الخطاب وبلاغته ، تلعثم في كلامه وقد ادرك انحداره من عليائه نحو الحضيض ، واقر باستسلامه امام لغة الرصاص التي تحصد الاعناق والارزاق حصدا متى اشتمت فيها رائحة الخروج عن الاجماع القطيعي البهيمي الذي انغرست انيابه التي تشبه انياب الذئاب عميقا في مراتع الفقر والبؤس ، ان اردت نشر المقال فلا باس ان تجري عليه بعض التعديلات للتخفيف من طابعه التحريضي وخلفيته الثورية حتى ينسجم مع الخطاب الاعلامي الديموقراطي الذي يحترم القانون ، يحترم المؤسسات ويشق طريقه في صمت نحو التغيير في ظل القوانين والشرائع المستنبطة من الدستور.
مستعينا ببعض الفاظه وبقايا تعابيره الخلابة الجذابة الرنانة المتناثرة والمتخفية بين فراغات في فمه خلفها سقوط اسنانه من جراء ما تعرض له من تعذيب وهو في ريعان الشباب، اجبته ووجهه يتفصد عرقا رغم شدة البرد ، هذا المقال اعددته للنشر كما هو ، وانا ادرك ان الجمرات التي ركبت بها فقراته قد تحرق الورق الذي كتبت عليه وقد احترق معها، غير ان بداخلي نارا مستعرة ملتهبة وقودها الطغيان والتجبر وبريق الواجهات الزجاجية الزائف، زيف الخطابات السياسية والاعلامية عن حرية التعبير كحق من حقوق الانسان المتعارف عليها دوليا.انت رىئيس التحرير ، والجريدة تعبير عن قناعاتنا وتصوراتنا المشتركة ، فما رايك .
رايي انك لم تلاحظ او لربما تتجاهل ما بداناه من تغييرات تمس في جوهرها قناعاتنا وتصوراتنا حتى لا تتعارض مع الجهود المبذولة في افق بناء دولة الحق والقانون التي تعتبر الصحافة احدى دعاماتها الاساسية. اننا نعيش مرحلة انتقالية لا بد منها لارساء قواعد البناء الديموقراطي للدولة والمجتمع معا ، وهي طبعا كمرحلة انتقالية ، قد تعرف استمرار بعض مظاهر التضييق على الحريات الفردية والجماعية ، استمرار الفساد الاداري والسياسي كتعبير عن ممانعة المجتمع ووقوف بعض فئاته في وجه التغيير والتقدم، فهل انت مستعد للتغيير؟
ناولني لفافة ورقي ، بعد ان كاد يختفي مضمونها بين يديه من جراء ما تسرب اليها عبر يديه من عرق جبينه، مررت على مكتبي حزمت بعض اغراضي وخرجت من العمارة مودعا مقر الجريدة ورئيس تحريرها الذي لم ينتظر ردا على سؤاله وهو يضن انني غير مستعد للتغيير.
كانت الساعة تشير الى منتصف النهار ، وانا في مقهى على قارعة الطريق، وندف الثلج عاودت النزول من السماء وأصبحت العودة الى البيت محفوفة بمخاطر الانزلاق. عاد سؤال السي عبد الدايم ليقلق راحتي ويعكر مزاجي…طلبت فنجان قهوة بسواد القادم من الايام. لا سبيل للعودة الى جريدة الحرية بعد سؤال رئيس تحريرها ، هل انت مستعد للتغيير ، كان واضحا انه اختار ما يشبه تقاعدا مريحا من مهنة المتاعب واستهواه الانزواء في الزاوية الآمنة من لهيب سياط الديموقراطية الجديدة . فماذا عني ؟ اية زاوية اختار؟ ..هل من سبيل للاستمرار في نفس النهج واغلب الصحف والجرائد المتميزة بخطها الثوري ، ابتلعها الظل والنسيان بعد معارك ضارية مريرة ، غير متكافئة مع ازلام العهد الجديد الذي اطلت شمسه شاحبة بلون الرماد، منذ اسفرت نتائج الانتخابات الاخيرة عن فوز الحزب الحاكم والى اليوم بما يرضي الله وبما تقتضيه وترتضيه قواعد الحكم الديموقراطي الخارجة كالتيوس البرية من صناديق الاقتراع الزجاجية الشفافة جدا ، شفافية حلم البؤساء بمجيء يوم يكون لهم فيه نصيب من خيرات البلد وثرواته المستباحة
كان بياض الثلج شديدا ناصعا ، والنظر اليه يشبه النظر الى قرص الشمس في عز الظهر يدمع العين ويلقي عليها غشاوة تعمي البصر وتوثر الظلام وراء جفنيها المغمضين عن نور الشمس الوهاج . شاردا كان ذهني ، تائها كنت اسير في اتجاه حانة النجوم التي ورثها با الخمار الذي كان يعمل فيها نادلا عن ذلك المعمر الفرنسي الطويل ، المعقوف الانف الغائرة عيناه وراء نظاراته المزدوجة الزجاج الذي ، لم يكن له ولد يرثه بعد موته. با الخمار اصبح من الاعيان يجيد فن ادارة الانتخابات مما سهل عليه ولوج قبة البرلمان والانتقال للعيش في العاصمة ، بعد ان عهد بتدبير الحانة لابن اخته الذي كان يسرح وراء الاغنام في الجبل يمنع عنها الذئاب ومنها تعلم العواء والثغاء واستعصى عن الناس تصنيفه ، هل هو من هذه الذئاب البرية ، ام من تلك التي تشبه ابناء آدم . انزويت في زاوية قصية قرب واجهة زجاجية تمنع المارين من رؤية من بالداخل واستسلمت لسيل جارف من الجعة ينساب في جوفي بغير انتظام من تلك الزجاجات ذات اللون الاخضر ، ليذهب بوعيي بعد زمن ويختفى سؤال عبد الدايم عن دائرة الادراك والفهم .
الم فضيع يعتصر راسي ، والدم ينزف من جرح في مقدمة الراس ابتلت منه لحيتي وتلطخت به يدي اليمنى وانا اتحسس موقع الجرح. نظرت حوالي بعينين شبه مغمضتين لم يكن هناك شيء غير البياض، بياض الثلج وبرودته التي اسكنها الليل في جسدي قبل ان يرحل.فركت عيني جيدا ، ادركت انني بت في السيارة بعد ان زاغت عجلاتها عن الجادة وارتطمت بصفصافة من الصفصاف الموروث هو الاخر عن حقبة الاستعمار. كانت طبقات الثلج تعيق حركة الباب وانا داخلها سجين ، والناس في اكواخهم نيام ترتعد فرائصهم من برد وبؤس.
تجمدت عظامي في السيارة ،قبل ان ينتشلني منها احدهم ، لاجد نفسي في المستشفى ملقى على ظهري وساقي ملفوفة حتى ما فوق الركبة في الجبس الابيض ، معلقة في الهواء لا استطيع تحريكها ، حزام ابيض يلف براسي بعناية بعد ان فرغ الطبيب من تقطيب الجرح الغائر في مقدمة الراس الممتد اثره عميقا في نفسي . كنت بصدد التفكير في سؤال السي عبد الدايم . كيف تجرأ على طردي من الجريدة بهذه الطريقة ، كان يدرك جيدا انني لن اسايره في انعطافه المفاجىء نحو اليمين ، ولن اتخلى عن قناعاتي التي اخذت مني نصف عمري والتي من اجلها سلبت مني حريتي الفيزيقية شهورا وسنوات ، وسكن الروماتيزم عظام جسدي منذ افقت ذات يوم من ايام الشتاء البارد الذي لم تعرف البلاد مثله ، لاجد نفسي ملقى في زنزانة من دون ثيابي ، وحده كان الاسفلت البارد ينهش ما ابقى عليه السوط من لحمي لينفذ عميقا في العظام المكسور بعضها .
في مساء اليوم الثاني ، زارني في المستشفى بعض الزملاء من جريدة الحرية ، بعد ان بلغهم خبر الحادثة التي تعرضت لها . وكان اغلبهم على غير علم بمقابلتي مع رئيس التحرير ، لم يستغربوا الامر فبوادر التغيير الذي تحدث عنه السي عبد الدايم وهو المدير ورئيس التحرير في ذات الآن كانت قد بدات تظهر تلميحا او علانية في كثير من خطاباته لما يزيد عن سنة تقريبا . ولحسن حضي ان الجريدة اوردت الخبر وربطته بسوء احوال الطريق المكسوة بالثلج ، ولم تذكر حالة اللاوعي التي انتابتني بسبب السكر. لم تكن حالتي تسمح بالجلوس والاستماع لما يرويه الزملاء من احاديث وروايات مرتبطة بمخاطر الانزلاق وحوادث السير المتكررة في مثل هذا الوقت من السنة في غياب الآليات الكافية لإزالة الثلج لتيسير حركة المرور عبر الطرقات ، كل شيء ببلادنا مؤجل الى اجل غير مسمى غالبا ما يكون مرهونا بما يراكمه المسؤولون من ثروات واستعدادهم لتوظيف الفائض منها عن حاجتهم في مشاريع قد تساهم في تنمية البلاد . خرج الزوار بعد ان تمنوا لي الشفاء العاجل والعودة للشغل ، حيث لم اخبرهم بما حدث ، ولم يكن يعلم بالامر الا السي سمير ، صديق مدير الجريدة ورئيس تحريرها . استسلمت لانين عظامي تعزف لحن آلامي الشجي الحزين ، اغمظت جفني ونمت نوما عميقا لم افق منه الا في اليوم التالي بعد الظهر . ولم اعلم ان كانت الممرضة قد دخلت الغرفة في اطار جولتها الصباحية عبر الغرف لمد المرضى بالادوية والعلاجات الموصوفة لهم .
بقيت في المستشفى قرابة شهر قبل ان يأذن لي الطبيب بالخروج مستعينا بعكازتين . زارني كثير من الناس والاصدقاء متمنين لي الشفاء العاجل . خلال اقامتي هذه بالمستشفى اعدت طرح السؤال على نفسي مرات عديدة ، وفكرت فيه على روية وبامعان شديد . لم أُلقِ اللوم على السي عبد الدايم الذي كان له الاثر البالغ في تكويني الصحفي والفكري بصفة عامة . على العكس ، كان علي ان انظر الى الامر من زاوية محتوى مقالي ذاته . بعد ان تراجعت اغلب القوى الحية بالبلاد السياسية منها قبل النقابية والجمعوية، أمام المد الجارف للقمع ومصادرة الحريات والحق في التعبير. امام جبروت الحاكمين وطغيانهم وزحف الظلام على مساحات الضوء الضيقة الممزقة المتناثرة على خارطة الوطن ، كيف لجريدة محدودة الانتشار ان تصمد وتقاوم السيل الجارف للفساد الذي اصبح عنوانا مميزا للقوى المتعاقبة والمتناوبة على كراسي السلطة التنفيذية منها والتشريعية
رافقني با قدور ، صديقي ، الى البيت ، بعد ان تكفل باصلاح السيارة واخراجها لترافقني في رحلة جديدة الله وحده يعلم مدى طولها او قصرها، ومدى ما تخبئه لي من مفاجآت ومعاناة. توالت زيارات الرفاق الاصدقاء وكثر ترددهم على بيتي طيلة فترة النقاهة التي الزمتني البيت لا اخرج منه الا نادرا مرافقا باحد الاصدقاء .
اكتملت الفكرة التي اختمرت في ذهني ايام اقامتي بالمسشفى ، ونضجت بعد طول نقاش وتمحيص وتدقيق ، لم يبق الا وضع الملف لدى الجهات المختصة ، كانت المجلة في الاوراق المقدمة للسلطات قصد الحصول على وصل الايداع ، تحت عنوان “البديل الديموقراطي ” مجلة فصلية تصدر مؤقتا مرتين في السنة . كنت قد تعافيت ، قادرا على تحمل مشاق التنقل الى مقر باشوية المدينة . اودعت ملف الترخيص باصدار مجلة البديل الديموقراطي منتصف شهر ماي في يوم قائض لا مثيل لقيضه ، صادف تنظيم احتجاجات ضد استشراء الفساد واتساع دائرة البؤس امام غلاء المعيشة وتضاؤل فرص الشغل وتراجع دور الدولة في كثير من القطاعات الاجتماعية . طال انتظاري وكثر ترددي على الباشوية الى ان جاء يوم من ايام مارس من السنة الموالية ، الذي تخرج فيه الطبيعة فساتينها المخبوءة الخلابة الفاتنة والخادعة احيانا كالدفلى بهية جميلة المنظر علقمية المذاق ، طرقت باب المكتب ، دخلت ، القيت التحية كما يليق بالجالس الى المكتب المطل على الشارع يرصد حركة المارين العابرين يمينا ويسارا . رد علي الموظف ، صاحب الوجه المألوف عندي من كثرة ترددي عليه ، بابتسامة غامضة عميقة المغزى ، ناولني الوصل قائلا : مبروك السي صابر يمكنك اصدار مجلتك ، واتمنى لك كل التوفيق . تناولت الوصل ونزلت الدرجات المفضية الى الباب الخارجي مغمغما بكلام لم ادرك له معنى ولا فهما .
كان العدد الاول جاهزا ينتظر الطبع ، وانا كنت جاهزا لتغطية مصاريف العددين الأول والثاني ريثما ينتظم اصدار المجلة لتتكفل ايراداتها بمصاريف الطبع وما يلزم من تحركات وتنقلات واتصالات وغيرها .
نزل العدد الاول الى الاسواق في الخامس والعشرين من شهر نيسان الموافق للذكرى الاربعين لميلادي . كنت فخورا مبتهجا بالمجهود الذي بذلته رفقة نخبة من الاصدقاء الذين لم يبخلوا عني بمجهوداتهم المادية والمعنوية واصرارهم على تحمل المسؤولية في ادارة وتحرير المجلة ، وعلى مرافقتي في هذه المغامرة التي لا يمكن التنبؤ بمساراتها ، بتعثراتها ، نجاحاتها واستمراريتها منبرا إعلاميا متميزا مستجيبا لانتظارات القراء ، في زمن سمته الاساسية البارزة ، طغيان قيم السوق الرأسمالية المتوحشة التي لا تعترف بقيمة اخرى غير قيمة المال بغض النظر عن مصدره ومنبعه.
كانت النسخة الأولى من البديل الديموقراطي عادية ، ليس فيها ما يمكن ان يثير غضب ” حراس المعبد الجدد ” المنتفخين جدا ، المتدلية بطونهم ومؤخراتهم ،المتخمين جدا من دموع والام الفقراء البؤساء وثروات البلاد المتروكة للنهب والاستنزاف . تناول المحور الرئيس في العدد مفهوم الديموقراطية في ابعاده النظرية ، التاريخية والدلالية ، اجتماعيا وسياسيا ، الى جانب بعض النماذج الناجحة هنا وهناك في بلاد العالم .
تناولت الصحف والجرائد خبر صدور المجلة وحاول بعضها تصنيفها وموقعتها على خارطة عالم الطباعة والنشرة ببلادنا. رحب بصدورها البعض واعتبرها قيمة مضافة ، وتنكر لها البعض الآخر على خلفية انها لن تكون الا رقما من الارقام التي ترفع عدد المنشورات دون القدرة على رفع مستوى الوعي عند القراء الذين تنكر اغلبهم لفعل القراءة وممارستها في واقع لم يعد له ملمح ثقافي متميز .
بصدور النسخة الثالثة ، كانت ملامح المجلة قد ارتسمت بوضوح في اذهان القراء والمهتمين . وبدأت تحركات ” حراس المعبد الجدد ” لمنع صدور العدد الموالي ، كانت البداية من المطبعة التي تحجج اهلها لعدم استمرار طبع البديل الديموقراطي بضرورة اداء واجبات الطبع مسبقا وقبل بدء عملية الطبع ، وهم على يقين شبه تام بعدم قدرتنا على تلبية طلبهم لمعرفتهم المسبقة بوضع المجلة المالي . بذلنا ، انا والرفاق ، جهدا لتوفير المبلغ لضمان طبع العدد الجاهز والذي تم الاعلان عن محاوره في العدد السابق . والتي طبعا لم تكن لتروق ” لحراس المعبد الجدد” . وما كانوا ليسمحوا بصدور العدد الرابع ونزوله للسوق حيث ينتظره قراؤه.
صودر العدد في المطبعة ، أُجهِضت مسيرة البديل الديموقراطي في سنته الثانية . تعرضتُ للتوقيف والاستنطاق لساعات وايام طويلة دامت زهاء ثلاثة أشهر ، انتهت باستدعائي للمثول امام المحكمة يوم العاشر من ديسمبر على الساعة التاسعة صباحا ، تمت المناداة علي : صابر الافريقي ، فتح المحضر بحضور نفر من الناس غير قليل في قاعة الجلسات ، بحضور الدفاع وهيئة المحكمة طبعا الساهرة على ضمان المحاكمة العادلة ايا كان الواقف في قفص الاتهام . بدأ المدعي العام مرافعته مستعرضا سيلا من الاتهامات المعدة باتقان وبلغة مختارة في مخفر الشرطة حتى يكون الحكم في مستوى المنطوق به من تلفيقات، لو سؤل عنها ابليس لن يصدقها ، اتهامات باسم الدين باسم الدولة والمجتمع ، من قبيل المساس بالدين وزعزعة اعتقادات المسلمين ، المومنين ، المسالمين جدا ، بنشر افكار هدامة مستوردة مبطنة بالمعسول من الكلام كالمساواة والعدالة الاجتماعية …مسؤولية الافراد والجماعات في تغيير مصائرهم وبناء مستقبلهم الزاهر، دونما ايمان بقضاء الله وقدره الذي فرق الارزاق بين العباد … محاولة الاخلال بامن واستقرار المجتمع بالتحريض على العصيان والوقوف في وجه الدولة ، بالطعن في السلم الاجتماعي الذي يعيش في ظله افراد المجتمع متحابين ، متآلفين ، متضامنين … سالمين … خدمة اجندات خارجية للمتربصين بوحدة الوطن وثوابته … خيانة الوطن وتلقي الدعم من الخارج لتغطية مصاريف المجلة … وكثير من اللغط الذي يهذي به من يريد ان يرسلك وراء النجوم ولتذهب العدالة الى الجحيم . سألني القاضي رئيس الجلسة عن المنسوب الي من التهم ، بعد ان كان قد أمرني برفع اليد اليمنى لاداء القسم ، رفعت يدي اليمنى ، اقسمت : بالله العظيم أن اقول الحق ولا شيء الا الحق . انكرت ، دافعت ، صرخت مستنكرا . رافع الدفاع ضاربا الاسس التي انبنى عليها صك الاتهام ، لافتقاره للادلة الثابتة الدامغة . في دفاعه ، طالب بالافراج عن صابر الافريقي ، صاحب مشروع البديل الديموقراطي ، غير ان هيئة المحكمة كان لها رأيها وحكمها الجاهز الذي صدر باسم العدل والعدالة والقاضي بحبسي حبسا نافذا لمدة عشر سنوات .
اعلنت جريدة الحرية الخبر ، وفيه دافع السي عبد الدايم عن حرية الصحافة ورسالتها النبيلة في الدفاع عن حرية الراي والتعبير كحق من حقوق الانسان المتعارف عليها دوليا ، والتي اقرها دستور البلاد . منابر اخرى تناولت الخبر وصنفته في خانة التضييق على الصحافة وحرية التعبير ، واستمرت الحياة في السجن كما في خارجه ، آمال هنا ، وآلام هناك .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق