قراءات ودراسات

غرائبية الشخصية وصراع المسارات السردية في جدران مرتفعة..

للسيد نجم

الغربي عمران

عتبة: فليسمح لي الكاتب أن يتقبل حوار من متلقي.. أرضيته روايته الصادرة مؤخراً “جدران مرتفعة بلا ظلال”.. على اعتبار أن أي عمل فني بالضرورة يدفعنا للحوار.. ففي التشكيل نجد الرسام يسير محاذيا للمتلقي أمام صف أعماله.. تلك التي تدعو بألوانها وأشكالها ومضامينها إلى التحاور.. فلماذا نحن عشاق الأدب لا نحاور النص. ما أن يسافر القارئ بين متونها الرواية حتى يجد الأفكار والأخيلة تتزاحم ليطرح ما في تفكيره.. وهذا أنا أجد طريقٍ لأتحاور.

السيد نجم.. مبدع متعدد الاهتمامات.. يكتب القصة، الرواية.. يتعاطى النقد.. ويتناول أدب الطفل.. له دراسات في مجالات مختلفة.. كما أن بعض أعماله قد حولت إلى أعمال مرئية. فدوما ما يطل علينا بجديده الذي يختلف عن سابق نتاجه.. نلمس فكره المتجدد وأسلوبه المشوق.

غرائبية الشخصية: جدران مرتفعة يطرح نجم من أول سطورها سؤاله على قارئ محتمل (لك أن تتساءل في حيرة) ثم قال: (هل يمكن أن يعيش المرء خارج جسده وداخله؟). أجدني أحذف مفردة وداخله.. على مبدأ الحوار معه.. وبعيدا عن اليقينيات المفرطة .. فلا يقين في تصوري وكل ما في الوجود نسبي.. فالمطلق ما يبتكره الناس.. ويصدقونه ليحصدوا الوهم. نعم كل انسان يعيش بداخل جسده.. في الوقت الذي يعيش داخله، يعيش خارجه بالتوازي.. فبحواسنا وغرائزنا ورغباتنا.. وبكرهنا وحبنا، نعيش داخل وخارج. أنني غير متأكد من صحة ما أقول. ويظل السؤال مشرع. نجم يقدم لنا أولى شخصيات روايته “ما كان فرحان الجيزاوي يبدو هكذا-كالبهلوان- عربيدا يهيل التراب على جسده ويعطره معا…” . فأي كائن يهيل التراب على رأسه.. إلا كائن غير سوي. صورة تدفعنا إلى تخيل ذلك الكائن.. لاستدعاء من نصادفهم من المجانين. في نفس الصفحة يحدثنا الكاتب عن صديق فرحان هذا.. دون أن يصف شكله.. يتركه يحدثنا عما ما يجول بداخله.. لنعرف بأنه مثقف من خلال حديثه المنمق وتساؤلات فلسفية.. اضافة إلى تلك العلاقة التي تربطه بفرحان.. فالصديق مدير في مصلحة يعمل فيها فرحان موظف البوفيه .. صداقة بين رئيس وعامل البوفيه.. صداقة تبعث على التساؤل.

تقنية الراوي الضمني: بداية بأول فقرات الرواية أستخدم الكاتب راو عليم، بعد صفحات نجد راو ضمني.. أو مؤلف داخلي. فالعليم لا يقوم إلا بمقام مذيع الربط.. ليأتي فرحان بما كتبه في مذكراته بحديث حول طفولته البائسة.. ومغامرات الصبا قبل البلوغ. مستعرضا أفكاره بتساؤلات فلسفية.. متحدثا وقد تجمع حوله رواد المقهى.. تاركا للمتلقي أن يتخيل تلك العلاقة.. ليكمل فجوات تركها الكاتب عنوة ليشركه القارئ ملئها.. ولذلك تجدني أعود لحوار الكاتب.. بصفتي الضلع الثالث.. أجد تلك الشخصيات تدفعني لأن أتخيل.. ماذا لو لم يكن مدير المصلحة لطيفا مع عامل البوفيه فرحان.. أولئك الذي يرسمون المسافات بينهم وبين من دونهم… يا ترى هل كان الكاتب يفكر بمثل ما أفكر.. وكان أمامه عدة خيارات لعلاقات العامل والمدير.. وأنه أختار تلك العلاقة الملتبسة.. لنتخيل علاقات مختلفة عما قدمه لنستنتج مسار لأحداث مختلفة.

وبالعودة إلى المؤلف الداخلي سنجد أن منطق الرواية قد سار في ذلك الاتجاه.. حيث نجد صديقه المدير هو الآخر وقد تحول إلى راو ضمني .. إذ لم تكن تلك التداخلات السردية مجرد حوارات بين الشخصيات ذات إيقاع متسارع كما تعودنا الحوارات.. بل كان سردا مستفيضا.. وبذلك أستخدم الكاتب أكثر من شخصية كرواه داخليين.. ومنهم مديرة الملجأ (دار رعاية الايتام) البيضاء السمينة. فهل تلك تقنية متجددة.. فقد قرأنا روايات يبرز فيها المؤلف الداخلي.. مثال “المخطوطة القرمزية” لراو برتغالي.. وأيضا لزيدان “عزازيل”.

نورد هنا مجتزأ للراوي الضمني (وجدت أنه من قلة الذوق والادب ان احدثه عما يشغلني.. وكأنني غير راض عن احترام الناس له….) ص 68 فيها يروي الصديق أو مدير المصلحة. ثم في صفحة 74 للمؤلف للداخلي (قبل اندماجي بعالم المباريات وتعرفي على الكابتن العجوز وفي مرحلة تمردي وجدتني اسير قدر ما اسير في الشارع هائما بلا هدف ربما اتوقف كي انظر الى ريم نهر النيل حيث المياه ساكنة بالوان….). في هذا يروي فرحان ما سطره في مذكراته.

لم تكن شخصية فرحان شخصية تقليدية.. كأنه مركب من عدة شخصيات في شخصه، وذلك ناتج عن تكوينه النفسي. بداية بأم تتخلص من وليدها لتتركه في ملجأ للأيتام.. خوف الثأر.. قد يبدو تصرفها طبيعي.. لكن أن تتركه ولا تعود إلا مرة واحدة لتطمئن عليه أمر يبعث على الغرابة. وتلك المديرة البيضاء السمينة وتعاملها معه وكأن قسوة أمه امتداد إليها.. ثم مدرب كرة الشراب.. الكابتن العجوز الذي أسكنه معه أعلى بناية في ميدان الجيزة.. وصديقه مدير المصلحة… سلسلة من الشخصيات كانت في طريق حياته دونتها مذكراته. بتصاعد غريب الأحداث التي جعلتنا نضع ذلك نتاج مؤلف داخلي.. إلا أن منطق مسار الأحداث سار بإيقاع مدهش، لشخصية تبدو مزيج من عوالم الأرواح الغامضة.. تثير التساؤلات الممزوجة بالإعجاب.

ماذا يريد السيد نجم إيصاله من خلال تلك الشخصية.. وما تحمله من تناقضات. وكأننا بفرحان يدهش نجم بمسار حياته.. وتلك العلاقات المتتالية.. فهل الأقدار من رسمت ذلك له دون أي اراده من المؤلف.. بل هي نتاج مؤلف داخلي؟!

فربيب الملجأ الذي يرى الوجود من خلال نافذة.. ليلاحظ قطا أبيض سمين يتنقل بخفة وحرية أعلى حوائط البيوت ونوافذها.. ليبعث فيه الرغبة بالحرية.. ومن خلال النافذة يهرع عبر مواسير المبنى ملاحقاً للقط السمين الأبيض.. رغبة منه لامتلاكه ولمصادقته.. لكنه يفشل مرة.. فيتحول ذلك الفشل إلى حقد على القط.. حينها يتمنى قتله.

ترى لو أن الكاتب أستبدل القط بطائر يراه فرحان من نافذته.. ثم لماذا قط سمين أبيض.. ومديرة الملجأ سمينة وبيضاء.. ثم تلك المشرفة البيضاء الجميلة.. ذلك اللون وما يرمز إليه تردد في وصف أكثر من كائن.. فهل ثمة علاقة بين ما يريد أن يراه فرحان وبين أعماقه من صراع.

هذه الشخصية أثارت إعجابي لتلك الخصائص التي أرادها الكاتب فيه.. فهو الساذج الصادق (مع ذلك يظن المدير الصديق.. بل على يقين ان فرحان يبدو محيرا.. نعم لكنه ايضا من الصادقين القلائل… فلا يكذب ابدا). ثم في نفس الصفحة يراه صديقه المدير (وهو عصارة مبدأ الانتهازية) وهكذا يضعنا نجم في حيرة وتلك الشخصيات تصف فرحان بالصامت دوما.. وهو الثرثار الممل.. حيث يعيش ليال حياة لأطفال الشوارع “تحت كوبري عباس”. ثم تقوده رائحة السبرتُ.. ليهبط مكتشفا خلف جدران تلك العيادة ما يمارسه الرواد من أفعال مخلة وشاذة.. ثم تجذبه رائحة البخور.. لينسل إلى شقة “الكودية” من تنظم في شقتها رقصات الزار.. لتزداد حواسه تفتحا.. وهو يرى تلك الاجساد وما يمارس تحت ايقاع الدفوف وتحت سحب الدخان. تراقبه المشرفة البيضاء الجميلة في الميتم.. ثم تواعده إلى حمام شعبي.. هناك يرى ما تضطرب غرائزه.. لكنه لا يقوى على ما تطلبه المشرفة البيضاء الجميلة.. حينها ينفجر باكيا.. تلك المحطات التي كان يدونها في مذكراته.. مكتشفاً ما يعتمل في جسده المتحول من الطفولة إلى الصبينة. يسعى إلى التمرد وحياة التشرد.

ثنائيات: شخصية فرحان التزمت في حيوتها بتشكيل علاقات ثنائية .. فجميع نقلاته المكانية نجده مع شخص آخر يمثلا ثنائي .. ففي الملجأ شكل و”العصبجي” ثنائي.. وفي أول خروجه من الملجأ شكل والكابتن العجوز ثنائي جديد .. وحين عين كموظف بوفيه شكل ومدير المصلحة ثنائي آخر.. وهكذا مع العقيد الذي كان يرعاه من خلف ستار.. ومع صاحب الصحيفة الخاصة. ولم ينتمي إلى شلة.. أو كان له في يوم أكثر من صديق. هنا يتبادر سؤال.. هل شخصية العمل هي من تصنع مسارات حياتها.. وعلاقاتها بالأخرين.. أم أن نجم من تحكم وأراد لفرحان تلك الثنائيات؟ أم أن فرحان الشخصية الخيالية من اختطت مسارات حياته مكونا تلك الثنائيات. ولم يكونوا هم من انجذبوا إليه كما ورد في سياق السرد.. بل هو من خطط وأختار من يريد منهم. عدى العقيد الذي كان من يرسم له مسارات حياته دون أن يدرك. ليكونه كائن أكثر دقة.. في تلك الجزئية.. علاقة العقيد بفرحان.. يدفعنا لمزيد من التخيل.. وقد جمعنا بين الكاتب وبين الشخصيتين في لقاء متخيل بين شخصيتين من صنع الكاتب وشخصية الكاتب الحقيقي. ونتخيل فرحان يسأل نجم لماذا أراد علاقته بالعقيد عكس بقية الثنائيات الأخرى؛ اقسم وأغلظ الايمان انه يعني ويقصد ويتحدث عن عامل صعلوك عامل البوفيه الذي نجح هيمنته على الجميع كأنه لا يتشكل من جسم ونفس مثل الكائنات كلها بل من مادة لا يعرفونها بها ينفذ الى اجساد الناس وعقولهم بليونة).. هذا ما ورد على لسان أحد الشخصيات وهو يحلل شخصية فرحان؛ بالحق مدهش، وكأن تلك الشخصية أحد القراء يصف ما يشعر به تجاه شخصية خيالية.

تبدو الرواية بعدة ثيمات.. وإن كان محورها العلاقة بين جهاز الأمن وصناعة التابع .. وهنا دون أن إدراك من المصنوع (لم أكن أعلم أن العقيد أو سيادة العميد هو من تولى تدريبي دون أن أدري لأوصل المعلومات والأخبار إليه…). العقيد ظل راعيا لفرحان محركا له.. ينقله من موقع إلى آخر صانعا منه ما ليس فيه.. بداية بتذليل الصعاب أمام وساطاته.. ليزداد من يلجؤون له.. ليتحول من شخص بسيط إلى شخصية معروفة نافذة.. في الوقت الذي كان يطلب منه جمع معلومات ليترصد لكل صغيرة وكبيرة. هكذا ظل العقيد راعيا لفرحان.. يمهد له الصعاب حتى جعل منه واجهة اجتماعية يلجأ إليها أفراد من شرائح المجتمع المختلفة.. فبعد أن تركته إدارة الملجأ يذهب دون رجعة بعد بلوغه الثامنة عشر من عمره.. استقبلته الشوارع.. ثم لجأ للكابتن العجوز الذي كان يشارك في دوريات كرة الشراب.. استضافة في غرفته.. ثم يلحق بوظيفة عامل بوفيه.. وخلالها كان له زاوية يجلس يستقبل زواره في مقهى أبو وردة.. خلالها كان يصفه الناس بالأستاذ فرحان.. ليعمل في الصحافة.. وقد أضحى محرر في صحيفة صفراء.. ثم يلحق بتحرير صحيفة خاصة.. تلك النقلات كان وراءها العقيد.. حتى كان مستشار لأحد أعضاء مجلس الشعب. هكذا تصنع أجهزة الأمن رجالها.. يخدمهم حتى دون أن يعرف بأنه من رجالهم. وهذا الموضوع عالجته رواية “جنازة جديدة لعماد حمدي” للروائي المصري وحيد طويلة.

يتماهى أفق الزمن.. بينما فضاءات المكان تأخذ أبعاداً.. فضاء الملجأ.. إلى الأزقة والشوارع.. وهو يتابع حركة القط الأبيض السمين.. إلى فضاءات شقتي العيادة وشقة رقصة الزار.. ومنها إلى ساحة شارع البحر الأعظم بالجيزة حيث يشارك في دوري كرة الشراب.. إلى فضاء أطفال الشوارع ومرافقتهم تحت كبري عباس.. إلى فضاء مقهى أبو وردة حيث يقصده الناس ليتوسط لهم.. ومن المقهى إلى الصحافة.. لينتهي بفضاء ميدان التحرير جموع ثوار يناير 2011.

إلا أن المحور الرئيسي وتلك العلاقة مع أجهزة الأمن.. وصناعة الجلاد فرحان.. جلاد لا يدرك بأنه دُرب ليكون عين على من حوله.. وقد نجح الكاتب في تقديمه كائن ذا طبيعة مستلبة ثم متمردة.. ليعطي المتلقي انطباع باستلابها حتى في أوج قوتها. فهو البريء الضحية.. وهو العتي الجلاد.. ضحية لثأر يتهدده.. إلى يتم مرير.. وتشرد وضياع.. ليختفي في النهاية …

في النهاية نعود لشخصية العقيد.. ماذا لو استبدله الكاتب بغانية تأسره بجمالها في أول خروجه من الملجأ، ويكون لها صلات بأجهزة الأمن.. لتستغل فوران شبابه لأغراض موجهة من أجهزة الأمن. يمكننا أن نتخيل مسارات مقترحة لفرحان، أن يدمن الكحول، ويميل للشذوذ، وذلك هل سيصنع منه جلاد أم عربيد متهتك؟ الكاتب بفطنته يفتح للمتلقي أبواب الخيال، قد لا يكون قاصداً.. لكن شخصياته وتوازي حيواتها يدل بأنه يدعو المتلقي لمشاركته التخييل.. ليتخيل مسارات بديلة.. وهذه هي سر الرواية ونجاحا.. الرواية الحديثة. رواية تدعو للحوار.. حوار من نوع أخر بين ما يطرحه الكاتب وما يتخيله المتلقي.. أرضيته شخصيات وأحداث الرواية.

5

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق